منّصات الكرم من الطائي إلى زاهدية الخبازة –  عادل سعد

منّصات الكرم من الطائي إلى زاهدية الخبازة –  عادل سعد

لست من اصحاب المؤهلات التي تخولني ان اكون احد الاوصياء   على احكام تاريخية معقدة ، لكني اخوض بين الحين والاخر في مراجعات  تحليلية   .

حصل ذلك بشأن  الكرم الذي تميز به حاتم الطائي  ،  بل وعن جزالته الشعرية المعروفة امتداحاً لأفعال الخير  والتفقد الانساني والمواظبة على نصرة الملهوفين.

 لقد راجعت اغلب المصادر التاريخية التي تناولت الرجل  ، وتعرفت على العديد من الروايات عن زوجتيه الاثنين،  ، ماوية ، ونوار، وابنائه الثلاثة  ، سفانة  ، وعبد الله  ، وعدي ،  لكني وقعت في بعض الشك  بشأن  روايات  تضمنت معلومات  عن  بعض كرمه  وبالاخص  قصة ذبحه لفرسه  وكيف وَزَعَ لحمها والعلاقة السخائية الطوبائية  بينه وبين امه (عتبة) التي سبقته الى الكرم لكن اخوتها حجزوا عليها متهمين اياها بالتبذير ..

الواضح ،هناك  تزيناً عن بعض كرم حاتم ، يمكن اكتشافه اذا اخضعته للتحليل المنطقي وحسابات الواقع  ، فلقد اخذت هذه الشخصية العربية سمعةً طاغيةً  لا يمكن ان تكون فيه  الا اذا  كان لايقيم وزناً للضوبط   بينما  منطق الواقع يرى غير ذلك  .  والسؤال هنا  ، هل تم اقحام مبالغات اسطورية على حياة الطائي  لا  صلة لها بالحقيقية  ؟

 اعتقد جازماً ان ما كان يحرك الطائي منظومة اخلاقية هدفها مساعدة الفقراء والمحتاجين والذين يتأكد عوزهم   ، تحركه نخوة هي اقرب الى الاجراء الخيري العقلاني ،  وانه كان متأثراً ان لم يكن جزءاً من ظاهرة الصعاليك التي سادت الجزيرة العربية حين ضرب القحط  الناس انذاك .

 على اي حال وتحاشيا (للتسطير) اعني التأليف الزائف ،  شخصية  حاتم الطائي مأثرة انسانية في كل الحسابات  ، لكنها لا تمثل عمقاً تاريخياً  لولائم  تقام هذه الايام ، لا من قريب ولا من بعيد

بعض الكرم الذي نشهده الان هو كمائن مريبة لشراء الناس   ،  ولا ماذا يعني ان تمتد الولائم مسافاتِ طويلةً في سرادق نصبت لهذا الهدف  ، ويتم تصويرها ونشرها على صفحات التواصل الاجتماعي لمضايف ودواوين لا تمتلئ  الا لدعوات ولائم، او لتشييع جنازات  ، او الاستعداد للقيام بصولات تهديد ووعيد ، او لتجديد ولاية شيخ قبيلة تعرضت زعامته الى انكماشٍ  ، وفي كل  ذلك يظل ملئ البطون هو القاسم المشترك   ، فلا تجمع بدون وليمة . انها مجرد عروض  لشراء المواقف  خاصة اذا اختتمت تلك الولائم بسيل من الاهزوجات  ، او عقد ندوات عن كيفية مواجهة الفقر  الاقتصادي في العراق  .

كيف يكون كرماً باخلاق (شيخ)عشيرة يبني مضيفاً (ديواناً)بخمسة مليارات دينار عراقي ـ المعلومات الحسابية موثقة  والوثيقة الميدانية في البصرة ـ وهناك على بعد امتار من هذا المضيف (المشنشل) مدرسة يفترش بعض طلابها الارض  لقلة المقاعد  ،

بمكاشفة  مناقضة لهذه الصورة  المزرية ، صورة  رسمها منهج المواطنة العراقية الفقيرة (زاهديه)  ، تعمل خبازة وتبيع نتاجها من الارغفة على رصيف سوق شعبي في حي (النعيرية) احد  احياء  بغداد.

لقد رفضت هذه السيدة المبجلة  ان تحشر اسمها ضمن قائمة الذين يستحقون راتب الرعاية الاجتماعية رغم انها ارملة وتستحقه بامتياز  ، وحين سألتها عن السبب قالت هناك من هم احوج مني  ، يا لعيب وبجاحة   اخرين  ، زوروا وثائق ليجدوا لهم فرصاً في الحصول على رواتب تلك الرعاية بغير وجه استحقاقٍ  .

 استقامة السيدة (زاهدية) تضعها في مصافي سخاء الثري الامريكي  تشاك فيني احد سكان مدينة فرانسسكو  وان اختلفت المضامين  .

 تشاك فيني كان سخياً على الاخرين الى الحد التبرع بكل ثروته التي تقدر بالمليارات لأعمال الخير  ، وعندما سئل لماذا فَعَلَ ذلك، قال ،(في الكفن الذي سيلفني لاتوجد  حقيبة) ووفق معلومات موثقة انفق هذا المليونير الامريكي مئات الملايين من الدولارات لدعم اعمالٍ خيريةٍ  تتعلق بالتعليم الجامعي وانشاء مدارس مجهزة  بكل مستلزمات التعليم الحديث   واقام صرحاً عالمياً لصالح البلدان النامية من اجل علاج الاطفال المصابين  بشق الشفة الولادي ، وله هبات اخرى لا حصر لها مطبقاً منهجاً للكرم خالٍ من اي ترويج لأسمه  في حين ظل يعيش حياة بسيطة هو وزوجته بعيدا عن اية مفاخرة او بذخ……

 بأستنتاجٍ قائمٍ على المقارنة  ، منصات الكرم  الحقيقي المشرّف  لا يشتري اصحابها الامتنان   بل يواظبون على العطاء بروح الواجب الاخلاقي  ولذلك قيل  ، الاسخياء احبة الله فيالها من مكافأةٍ كبيرةٍ

مشاركة