
منهجية باهظة – عقيل اسماعيل علي
لم يكن إعلان الإطار التنسيقي عن ترشيح السيد نوري المالكي لمنصب رئاسة الوزراء مجرد إجراء سياسي عابر، بل كان بمثابة حجر ألقي في مياه راكدة، فجر موجة من الاعتراضات التي تجاوزت الخصوم التقليديين لتصل إلى قلب حلفائه في «صادقون» و»الحكمة»، هذا الرفض المتصاعد لا يمكن قراءته بمعزل عن الهواجس التي باتت تشكل وعي العقل السياسي العراقي بعد عام 2003، وهي هواجس تتأرجح بين صراع النفوذ ومرارة التجربة.إن التدقيق في موقف القوى السياسية (الشيعية، والسنية، والكردية) يكشف عن سبب جوهري يتجاوز الشعارات المعلنة؛ ألا وهو الخوف من كسر قواعد «التوافقية» التي قامت عليها الدولة ، يُنظر إلى المالكي في الأوساط السياسية بكونه «المارد» الذي يمتلك القدرة على ابتلاع مفاصل الدولة وتحويل الحكم من «تشاركي توافقي» إلى «مركزي شخصي مطلق».بالنسبة لشركاء العملية السياسية، فإن تجربة الولايتين السابقتين لا تزال ماثلة أمامهم كدرس في كيفية تهميش الشركاء وتحويل الوزارات إلى جزر معزولة تدار من مكتب واحد. لذا، فإن الرفض الحالي هو «دفاع عن النفس» تقوده قوى تخشى أن تجد نفسها خارج دائرة القرار في حال تكرار سيناريو المركزية المفرطة.يبرز «الهاجس الشعبي» كعقبة أخلاقية وسياسية كبرى ، فالعراقيون لا يقرأون أسماء المرشحين كأرقام، بل كتواريخ وأحداث ، ويرتبط اسم المالكي في الذاكرة الجمعية بمراحل هي الأقسى في تاريخ العراق الحديث؛ حيث ذروة الاحتقان الطائفي، وضياع ثلث مساحة البلاد في لحظة دراماتيكية عام 2014، وما رافق ذلك من نزيف بشري ومادي لا تزال جراحه لم تندمل بعد.هذا القلق الشعبي ليس عاطفياً فحسب، بل هو قلق وجودي مدعوم بتقارير ميدانية تشير إلى وجود أكثر من 7000 عنصر إرهابي دخلوا حديثا من سوريا بحسب اتفاق سياسي بين «العراق وسوريا» يمثلون «خلايا نائمة» أو «حصان طروادة»، يرى المراقبون أن عودة شخصية جدلية كصانع قرار قد توفر «البيئة الخصبة» والذريعة الفكرية لهذه الخلايا لتنشطها من جديد، مستغلة أي «زعل سياسي» أو استقطاب طائفي قد يرافق هذه الحقبة المفترضة.إن إصرار بعض الأطراف على ترشيح السيد المالكي مقابل «الفيتو» الصارم من قوى وازنة كالحكمة وصادقون، يضع الإطار التنسيقي أمام اختبار حقيقي: هل يغامر بالاستقرار الهش من أجل إرضاء طموحات فردية؟ أم يخضع لمنطق «الضرورة السياسية» التي تقتضي تقديم وجوه تكنوقراطية أو توافقية تقلل من حدة التوتر؟ إن العراق اليوم لا يحتاج إلى «رجل قوي» بمعناه التقليدي الذي يستمد قوته من تهميش الآخرين، بل يحتاج إلى «دولة قوية» تحمي الجميع ، والاعتراض على المالكي اليوم ليس اعتراضاً على شخصه بقدر ما هو رفض لعودة منهجية أثبتت الأيام أنها كانت باهظة الثمن على الصعيدين البشري والسيادي.


















