

مروان ياسين الدليمي
أُقفلُ البابَ…
وأضعُ المفتاحَ في كوبِ القهوة.
أعني — أنني اخترتُ أن أُقيم في داخلي.
النورُ لا يزحفُ هنا
لكنه يُصافحُ ظلّي كلّ صباح
ويقول:
“نجوتَ من الازدحام”.
الأصواتُ تُدوّي في الخارج كإعلاناتٍ عن حياةٍ لا تخصّني،
وأنا — أكتفي بصفير الغلاية،
وبارتجاف شاشة الهاتف حين يخذلني الصمتُ كثيرًا.

أكوي يومي
وأعلّقه على شماعةٍ في الذاكرة
أتحاشى الكتفين
وأتوسّل لجسدي أن لا يكونَ صديقًا أكثر مما يحتمل.
لا أحتاجُ إلى دليلٍ في متاهةٍ رسمتُها بيدي
الوحدةُ ليست قيدًا، بل خريطةٌ بلا إشارات.
كلُّ شيءٍ هنا له لغةٌ مكسورة:
النافذةُ تتنفس
الكرسيّ يئنّ من فرطِ الجلوس
والجدرانُ تهمس بأحاديثِ النسخ القديمة من وجهي.
أُمضي الوقتَ في نحتِ فراغٍ يصلحُ للسكن
أربّي في زواياه حكاياتٍ بلا شهود
وأُعلّق قلبًا على الحبلِ كقميصٍ مبتلٍ بالهدوء.
المدينةُ بعيدةٌ بما يكفي لأسمع نفسي
قريبةٌ بما يكفي لأُخافَ العودة.
أنا منسجمٌ مع الفراغ كما ينسجمُ الضوءُ مع الغياب
لا أُصافحُ أحدًا
لكنني أُصغي للعالمِ وهو يمشي حافيًا على صوتي.
… لا مرآةَ هنا تُعاتبني على وجهي
ولا ساعةَ تُذكّرني أن الزمنَ يمشي بلا عكاز.
الأشياءُ تتآلف في صمتي:
الملعقةُ ترتّبُ أفكاري
الستارةُ تُهدهدُ رئتي
والكتبُ تُربّتُ على أكتافي حين أتهجّى اسمي كمن ينسى.
أنامُ مثل فكرةٍ خام
لا تأويل لها
ولا حاجة بها إلى سياق.
الليلُ يجيءُ متأنيًا
يخلعُ حذاءه عند العتبة
ويجلسُ معي يشربُ حبرًا من فنجاني.

لا أقولُ له شيئًا
ويفهمني كما يفهم العدمُ
تنهيدةً خرجت من صدرِ حجر.
أنا الذي لم يعد ينتظر طَرقًا
ولا يُخزّنُ المناسباتِ في أدراجِ روحه.
أكتفي بقلبٍ ينكمشُ حين يضحكُ العالم
ويكبرُ حين ينهارُ في صمته.
كلُّ شيءٍ عابر
إلا الوحدة
فهي تقيمُ كهويةٍ فوقَ جلدي
تمنحني اسمي حين تتساقط الحروف من لسان الآخرين.
أمشي في الغرفة كمن يخطو على شفير ذاكرته
أتحاشى مواضعَ الحنين
أدوسُ على الأشواق القديمة بحذر مَن يعرفُ أنها قابلة للانفجار.
كلُّ مساءٍ هو رسالةٌ غير مرسلة
وكلُّ صباحٍ بدايةٌ جديدة لتكرارٍ أحبّه.
الروتين ليس عدوّي
هو فقط — إيقاعٌ لا يُجبرني على الرقص.
في النهاية
حين يسألني أحدهم:
“ألا تشعر بالوحدة؟”
أبتسم
وأشيرُ إلى المقعد الفارغ بجواري:
“بل أشعرُ بها
وأخيرًا
صارت تجلسُ بهدوءٍ دون أن تعتذر” .
…الوحدةُ لا تُطوّقني
أنا من فتح لها الباب
فرشتُ لها الأرضَ بأصواتٍ انطفأت
وسمّيتُها “بيتًا مؤقتًا لروحي” .
لم أعد أُحاربُ الغياب
بل ألبّيه حين يجيء
وأُعدّ له فنجانًا من اللاشيء
أقدّمه على صينيةٍ من الذكرياتِ المُطفأة.
صرتُ أرى الحياةَ من زاويةٍ بلا نوافذ
لكن الضوء — بشكلٍ ما — يتسلّل من بين مساماتي
يطرق عظامي
يُضيءُني من الداخل
كأنني مصباحٌ تائهٌ في علبة أحلامٍ منسيّة.
لا أُقابلُ أحدًا
لكنني أعيشُ مع ألف وجهٍ سكنني مرّة
يتكلمون حين أنام
ويصمتون حين أبتسم بلا سبب.
وجهي ليس لي
هو مرآةٌ رتّبتُ عليها الغبارَ بعناية
كي لا يسرقني انعكاسي
إلى مكانٍ لم أعُد أريده.
في هذه العزلةِ الكثيفة
لا صدى لخطى أحد
فأنا أمشي على جسرٍ مصنوعٍ من الأسئلة
وكلُّ جوابٍ يسقطُ قبلي
ويطفو في اللامكان كجثةِ فكرةٍ رفضت النجاة.
أحيانًا
أكتب رسالةً إلى نفسي
ثم أمزّقها قبل أن تصل
كأنني أدرّب روحي على تقبّل الخسارة بأدبٍ شفاف.
أنا الآن:
نسخةٌ ناعمة من العدم
أتقنُ البقاء بلا مناسبة
وأعرف كيف أزيّن المساء
بكوب ماءٍ وقصيدةٍ لا تكتمل.
حين يشتدّ الزحام في الخارج
أُغلق العالمَ كأنني أغلقُ تطبيقًا على الهاتف
وأعيد تشغيل الهدوء
كأنه قائمةُ تشغيلٍ أعددتها بنفسي.
لا أريدُ ضوءًا إضافيًا
ولا عناقًا جاء متأخرًا
كلُّ ما أحتاجه:
أن يبقى الصمتُ دافئًا
وأن تظلّ الوحدةُ وفيةً
كعطرٍ لا يفهمه أحد
لكنه يشبهني… تمامًا.
…الوحدةُ لا تُربكني
هي فقط تُبدّل ترتيبَ فصولي
تجعلُ الشتاء يأتي منتصفَ تموز
وتُعلّق الخريفَ فوق سريري كوشاحٍ ثقيل.
أعدُّ الوقتَ ليس بالساعات
بل بعدد المرات التي لم أُجب فيها على اسمي
حين ناداه هاتفٌ، أو ذاكرةٌ، أو حلمٌ خافت.
ليس في الأمر بطولة
أنا فقط أتقنتُ أن أكون جذرًا لا يُرى
لكنه يحتملُ الشجرة كلها
يصغي للمطر
ويفهم أن الريحَ لا تُناقش.
أحيانًا،
أضع سماعة الأذن بلا موسيقى
فقط كي أبدو منشغلًا أمام الأسئلة…
الأسئلة التي تأتي بوجه أُم ، أو صديق
أو ماضٍ يرتدي قميصًا من الماضي ويقول: “اشتقتَ؟”
لا، لم أشتق
أنا فقط نسيت كيف تكون الضوضاء حنونة
وكيف للخطى أن تكون لغة
أنا الآن أبني أبجديتي من نَفَسي
وأتعلّم كيف أكون “أنا” دون ترجمة.
الوحدة ليست ثقلًا
هي خفةٌ من نوعٍ خاص
تجعلني أعبر أيّ مرآة دون أن أتعرّف على نفسي
وتمنحني حقّ أن أكون ظلًّا
لا يبحث عن جسده.
هنا، لا يُصفّر أحد خلفي
لا أحد يربّت على ظهري
ولا يُربكني وجودُ كرسيٍّ إضافي على الطاولة.
الغرفة مرتبةٌ بفوضاي
القميص الوحيد الذي أعلّقه لا يضيق
والنبتةُ في الزاوية تميل نحوي
كأنها اكتشفتْ أنني الضوء الوحيد الذي لا يرحل.
أنامُ دون أن أستعير وجهًا صالحًا للنهار
أستيقظ كما أنا:
نسخة غير قابلة للتداول
ولا للتصفيق.

هكذا — بلا جمهور
بلا جدران تُصنّف حزني
أُمارس الحضورَ كأنه تمرينُ اختفاء
وأتقن الغيابَ كأنه وظيفةٌ بلا دوام.
إن سألتني الآن:
ما الذي تعلمته من الوحدة؟
سأجيب:
أن أُحبّ صوت مروحة السقف حين تُحدّثني
أن أكتب جملةً واحدة
وأعيش تحتها كأنها وطن.
… لم أعد أُحصي الأيام
أُسمّيها بالأشياء الصغيرة:
“يوم فاضَ فيه الحليب على النار”،
“يوم لم يرنّ الهاتف”،
“يوم تشقّق فيه الحائط قليلًا مثل قلبي”.
الزمن لم يعد مستقيمًا
إنه يتلوى حول عنقي
كوشاحٍ صيفيٍّ لا معنى له.
أمشي فيه دون اتجاه
كأنني أجرّ ساعةً بلا عقارب.
تعلّمتُ كيف أنام بعينٍ واحدة
وأحلم بعينٍ أُخرى.
الكوابيس لم تعد مرعبة
بل صارت زوّارًا مألوفين
يجلسون على طرف السرير
ويحكون لي عن الخارج — كما لو كان أسطورةً.
حين أُصاب بالصداع
لا أبحث عن مسكّن
بل أطفئ المصباح
وأتحدث مع رأسي قليلًا:
“اهدأ، لا أحد يطرق الآن… لا شيء ينتظر”.
الحنين ؟
هو الغيمةُ التي تمرّ
وأنا لا أرفع رأسي.
تعلمتُ ألا أفتح النافذة
حين أعرف أن الذي في الخارج
ليس أكثر من نسخةٍ أخرى للفوضى.
في هذه العزلة
حتى الحواس تغيّرت.
السمع لا يرغب في الأصوات
واللمسُ لا يحنّ إلى الأجساد
والبصرُ…
يرى البقع على الجدار كخرائط روحية
أو كحكايات لا تحتاج لمن يرويها.
جسدي صار لغة
لا يفهمها أحد سواي.
ألم الكتف؟
ربما شوق لمكان لم أذهب إليه.
وخدر الأصابع؟
إشارة من قلبٍ لا يجد ما يكتبه.
حتى الدعاء…
لم أعد أرفعه إلى السماء
بل أكتبه على بخار المرآة
وأراقبه يختفي
كأن الله أقرب من أن يسمعني بصوت
وأبعد من أن أشرح له حاجتي إلى اللاشيء.
أنا الآن
أعيش بين جملٍ ناقصة
أتممها بصمتي
وأمحوها كلما شعرتُ بالاكتمال.
الوحدةُ لم تعد اختيارًا فقط
صارت جسدًا آخر في الغرفة
تنام على الكرسيّ حين أكتب
وتأخذ مكان الغياب… حين أكون أنا الحضور.
…منذ اختَرْتُ الوحدة
بدأتُ أفقد وجهي ببطءٍ مدروس
صار يشبه كلَّ شيءٍ إلا أنا:
ساعةً مكسورة
أثرَ فنجانٍ على طاولة
أو غبارَ نافذةٍ لم تُفتح منذ الشتاء الماضي.
من أكون؟
لا أُجيب
أكتفي بأن أضع اسمي بين قوسين — كما تُوضَعُ الكلمة المشكوك في معناها.
كل تعريفٍ صار قميصًا ضيقًا
وكلّ ماضٍ — حذاءً لا يُقاس.
أنا هو الذي لم يعد يحتاج أن يكون
يكفي أن أظلّ قابلاً للاختفاء
كظلٍّ ينسحب في الضوء… لا لسبب، بل لأنه فهم اللعبة.
أنام كأنني أجرّب الموت
بهدوءٍ لا يناسب الأحياء.
وأصحو كأنني نجوتُ بلا رغبتي.
الأحلام لا تأتيني كصور
بل كأصواتٍ مبتورة
رؤوس كلماتٍ بلا جمل
كأن اللغة فيها نسيتْ كيف تتنفّس.
أحيانًا
أُفكّر أنني مُتُّ فعلًا…
وهذه الحياةُ —
ليست إلا ما تبقّى من ذاكرتي.
الشارع، الرائحة، صوت المروحة،
كأنها جميعًا ارتدادُ حلمٍ عاشه جسدي سابقًا،
ثم نسيه.
الموت لم يعد بعيدًا
بل مجاورٌ، مثل كتابٍ على الرف لا أفتحه،
أعرفُ أنه موجود
وأطمئن لسكوتِه.
أُدرّب نفسي على الغياب دون أثر:
أُخفّف بصماتي
أمسح رسائلي
أُقلّل عدد الصور
وأطمس الظلال من المرايا.
فربما حين أمضي
لن يُلاحظني أحد
وسيكون ذلك… اكتمالًا ناعمًا لمعناي.
هويّتي ؟
ورقةٌ تذوب تحت المطر
لم يعد يهمّني إن كان اسمي معروفًا
أم أنني رقم في غرفةٍ لا تعرف الليل من النهار.
الحلم،
الهوية،
الموت —
كلها أسماءٌ مستعارة لشكلٍ واحد من الغياب،
وأنا اخترت أن أكون هناك…
حيث لا شيء يتطلب شرحًا،
ولا أحد ينتظر نهاية الجملة.
كلّ هذا لأقول:
أنا لست وحيدًا.
أنا في صحبةِ الأشياء التي لا تتكلم،
ولا تخذل.
…الزمنُ لا يركض كما يقولون
هو فقط يقطر ببطءٍ على جلدي
نقطةً بعد أخرى
كما يقطر الماء من صنبور نسيه أحدهم في بيتٍ مهجور.
في العزلة،
لا يُقسَم الوقت إلى صباحٍ ومساء
بل إلى حالات جسدي:
عندما يبرد صدري، أعرف أن الليل بدأ.
وحين ترتجف يدي
أدرك أنني عبرتُ منتصف اليوم دون أن ألمس شيئًا.
جسدي صار ساعةً غريبة
يُؤلم حين يتذكّر
ويهدأ حين ينسى.
الركبة تعرف كم مشيتُ نحو أشياء لم تأتِ
والكتف يحمل مكالماتٍ لم أُجرها.
والقلب – يتأخر دائمًا عن المواعيد،
كأن الزمنَ فيه لا يعمل بتوقيت العالم.
لا أضع ساعتي في يدي
أضعها على الطاولة
كأنها جهاز مراقبة لنبضي، لا لحياتي.
أقيس بها عدد المرات التي سكتُّ فيها،
ولم أقل: “أنا هنا… انتبهوا”.

جسدي لم يعد وسيطًا بيني وبين الحياة
بل صار مكانًا أسكنه
بأثاثٍ من عظام
وإضاءةٍ من النبض الخافت.
ألم الظهر؟
أرشيف.
تشنّج العنق؟
توقيع تأخّر على ورقةِ قرار.
حتى التنفّس،
صار مثل برنامج قديم لا يُحدَّث
لكنه ما زال يعمل رغم كل الأعطال.
الزمن يلمسني من الداخل
لا يترك تجاعيد
بل يزرع في قلبي أصواتًا
لأشخاص رحلوا دون أن يودّعوا.
أشعر أحيانًا أنني أكبر من عمري
وأصغر من وحدتي.
كأن الزمن يعبرني دون أن يتوقف
يكتب على جدراني
ثم يختفي قبل أن أقرأ.
الجسد؟
هو دفترٌ مُستهلك
كتبتُ عليه كثيرًا
ومزّقتُ منه الصفحات التي لم تعجبني
لكنه ما زال يحمل آثار الحبر
ويُفصح عني، رغم أنني صرتُ أميل للصمت.
أنا والزمن لا نتقاتل
نتعايش كجاريْن في شقةٍ ضيقة
كلٌّ يعرف حدوده
وكلٌّ ينتظر أن يرحل الآخر أولًا.
…جسدي ليس حياديًا.
إنه يتذكّر حتى حين أنسى
يخزّن النظرات التي عبرتني دون معنى
ويُعيدها على شكلِ ألمٍ في خاصرتي حين أظنُّ أنني بخير.
أُمرّر يدي على ذراعي —
لا لأطمئن أنني موجود
بل لأُربّت على طفلٍ يسكن جلدي
طفلٍ خُذل كثيرًا
ولا يزال يختبئ تحت عظام الكتف.
كلّ عاطفةٍ عبرتني
تركت أثرها في مكانٍ ما:
الخذلان سكن ظهري
والحبّ لم يُكمل طريقه
توقّف في منتصف الصدر
وصار وجيبًا مختلطًا بالخوف.
حين أشتاق —
لا أشعر بالرغبة
بل برعشةٍ في أصابع القدم
كأنني على حافة قفزٍ لن يحدث.
ذاكرتي ليست في رأسي فقط
بل في الركبة التي انحنت ذات لحظة ضعف
وفي اليد التي لم تُمسك يدًا
رغم أنها ظلّت ممدودة لسنوات.
كل حضن لم يحدث
استقرَّ في فراغ ظهري
وكلّ كلمة لم تُقال
تحوّلت إلى عقدةٍ في الحلق
أتجاوزها بالماء
وأحيانًا بالبكاء الذي لا صوت له.
هل جرّبت أن يتذكر جسدك شيئًا نسيه عقلك؟
أن تستيقظ من نومٍ عاديّ
ويدك ترتجف دون سبب؟
أن تشعر بوزن غريب في قلبك
حين تمرّ أغنيةٌ كنتَ تظن أنها لا تعنيك؟
العاطفة لا تُنسى
هي تُخزّن فقط في أماكن لا نُفتّشها
في العضلات، في الأوتار
في طريقة جلوسك حين تملّ
وفي كيفية تنفّسك عندما تسمع صوتًا مألوفًا بين الغرباء.
جسدي لا يكذب.
يعرّيني حين أُخفي
يبكي حين أكون صامتًا
ويهتزّ عند الأبواب التي أغلقتها منذ سنوات.
أنا لا أحمل ذاكرتي
هي التي تحملني.
تُعيد تشكيل أعضائي حسب ما مرّ
وحسب ما لم يمرّ.
كلّ شعور
كل خيبة
كل خفقة حبّ لم تكتمل —
جعلت من جسدي نصًّا مفتوحًا
لا يُقرأ من اليمين إلى اليسار
بل من الداخل… إلى الأعمق.
…الصمتُ ليس فراغًا
إنه شخصٌ يجلس قبالتي كل مساء
يُدوّن ملاحظاته عني
ولا يبتسم.
أحاول أن أكلّمه
لكنه لا يردّ.
يكتفي بأن يُميِل رأسه قليلًا
كأنّه يقول:
“تكلّمتَ كثيرًا حين لم يكن الوقت مناسبًا
الآن… اسمع”.
الصمت يعرفني أكثر مما يعرفني أصدقائي
يحفظ عدد المرات التي ابتلعتُ فيها الكلام
ويعرف بالضبط… متى انكسر قلبي
دون أن أصدر صوتًا.
أجلس معه على المائدة
نقسم الخبز بصمت
أشرب معه القهوة كما لو أنني أُداري رعشةً قديمة
وأحيانا… أبكي دون سبب
لكنه لا يمدّ يده
لأنه يعرف أنني منعتُ العزاء عن نفسي منذ زمن بعيد.
في صمتي…
أسمع ما لم أجرؤ على قوله
وما لم أجرؤ على الشعور به.
فيه وجوه الذين مرّوا ومضوا
وفيه صوت جدَّتي وهي تناديني باسمي الأوّل كما لم يفعل أحد بعد ذلك.
هل تصالحتُ مع نفسي؟
ربما لا تمامًا…
لكنني لم أعد أقاومها.
صرتُ أستقبلها كل مساء كما هي:
مرتبكة، متعبة،
تجلس إلى جانبي دون أن تعتذر عن فوضاها.
نحن نتصالح حين نتوقف عن الإنكار
حين نقول: “نعم، كنتُ هشًّا… وخفت”.
“نعم، تركتُ ما أحب، لأنني لم أكن مستعدًا لأحميه”.
“نعم، خذلتُ نفسي مرارًا… لكنني عدت”.
لا أعِدُ نفسي بالكمال
ولا بالنجاة
لكنني أترك لها مكانًا على سريري
أنفض لها الغطاء
وأهمس: “لا بأس، سنحاول مجددًا”.
هذا الصمت
الذي كنتُ أظنه سجنًا
صار وطنًا بلا شرط.
وما كنتُ أراه ظلالًا
صار ظلّي الوحيد الذي لا يتركني عند أول انعطافة.
الآن،
حين أسأل:
“من أنا؟”
لا أنتظر جوابًا.
يكفيني أن أُصغي إلى قلبي
حين ينبض دون استئذان
وأعرف… أنني ما زلتُ هنا.
…الغياب ليس غيابًا
هو مِثلُ الكتاب المفتوح أمامنا
نتصفحه كل يوم
دون أن نقرأ سطرًا واحدًا منه.
في كل لحظة غياب
تتسلل الأسئلة من بين أصابعنا
لكننا نرفض أن نمسك بها.
نحن لا نبحث عن المعنى
بل نخاف أن نكتشف أنه قد تسرّب من بيننا منذ زمن.
أتساءل:
هل نعيش الحياة كما هي
أم نرتبها بحسب ما نريد أن نراه؟
وإذا كان المعنى هو السراب
فهل هو سراب نلاحقه
أم هو مرآة نعيد تشكيلها؟
الغياب لا يعني أن شيئًا قد انتهى
إنه فقط بداية لوجودٍ آخر
بداية لقصّة تُكتب بلغة الصمت
وبحروفٍ من العدم.
أحيانًا،
أفكر في المعنى كما أفكر في الماء:
أبحث عنه في كل مكان
لكن عندما أظن أنني أملك الجواب
يظل بعيدًا
يتسرب من بين يديّ
ويختفي في الظلال.
هل تعتقد أن هناك من يمتلك المعنى؟
أم أننا جميعًا مثل الطيور
لا تعرف ماذا يعني أن تكون طائرًا
نتنقل من لحظة إلى لحظة
من غياب إلى آخر
نحاول أن نصنع شعاعًا من الضوء في ظلام لا ينتهي؟ .
لا أريد أن أمتلك المعنى
لكني أتمنى أن أعيشه لحظةً بلحظة
كحلمٍ عابر
أمسكه على أطراف أصابعي
ثم أتركه يمضي
كما يمضي القمر في السماء
دون أن يبقى لنا من مساره سوى الحنين.
الغياب هو الفجوة التي تتيح لنا أن نملأها بالكلمات
أو بالحجارة
أو بالأوهام.
لكننا لا نملك الجواب؛
نحن فقط نعيش في الأسئلة.
وفي الغياب
نكتشف كيف نكون بلا تفسير.
المعنى ليس نجمًا ننتظره
هو شمسٌ غابت
لكنه لا يزال يضيء على السطح المظلم من أعماقنا،
ونحن ننتظر…
أن نكتشف كيف نعيش في الظل.
وأنا،
أقف بين غيابين
بين لحظةٍ لا نعرف كيف تبدأ
وأخرى لا نعرف كيف تنتهي.
هل أحتاج إلى المعنى؟
ربما لا
فكلّ غياب يحمل في داخله معنى آخر
ربما نكتشفه في الصمت الذي يخلو من الكلمات.
…اللا شيء
هو الحقيقة الوحيدة التي يمكن أن تكتمل
والوحيدة التي لا يمكن أن نغيرها.
أقبلُ صمته
كما أقبل العدم
كحقيقةٍ لا تجرؤ الكلمات على المساس بها.
كلما سقطت الأجوبة
وكلما تأملنا في الفراغ الذي تركه السؤال
أدركنا أن اللاشيء هو من صنعنا
هو الإطار الذي تلوّن به كل شيء آخر.
لا أحد يمتلك “الجواب”،
لا أحد يستطيع أن يخترق “الفراغ”.
نحن نعيش فيه
وهو يعيش فينا
كالماء الذي يختفي عندما تبحث عنه
والهواء الذي لا تراه ولكنك تشعر به.
أدركتُ أنني لو وصلت إلى الحقيقة
لن تكون إلا الفضاء اللامحدود
ذلك الذي لا يختفي
ولا يظهر
بل يظل هناك
بلا لون، بلا اسم، بلا شكل.
اللا شيء هو المكان الذي تُسحب منه كل التفاسير
وتظل أنت…
بلا أبعاد
بلا فكرة عن ذاتك
ولكنك هناك
تعيش في اللحظة التي لا تعني شيئًا.
لو طلبت منك أن تُحضر المعنى
فإنك ستراني أخفيه بين يديّ
ولكن عند فتحها
لن تجد إلا الهواء.
هذه هي النهاية التي تصل إليها:
أن لا شيء يعني كل شيء
وكل شيء هو اللاشيء.
وهكذا،
أقف في وجه العدم
أراه أمامي…
وأفهم في اللحظة التي لا أستطيع أن أشرح فيها:
إنه أنا…
وهو أنا…
واللا شيء بيننا.
اللاشيء هو المساحة التي كنا نبحث فيها طوال الوقت،
وها نحن قد وصلنا إليها.
…منذ اختَرْتُ الوحدة،
بدأتُ أفقد وجهي ببطءٍ مدروس،
صار يشبه كلَّ شيءٍ إلا أنا:
ساعةً مكسورة،
أثرَ فنجانٍ على طاولة
أو غبارَ نافذةٍ لم تُفتح منذ الشتاء الماضي.
لم أعد أسأل:
“من أنا؟”
لأنني فهمتُ أنه في الوحدة لا يكون هناك إجابة،
وإنما سكونٌ طويل
حيث تتشكل الأسئلة وتنسحب
تمامًا كما تسحب الموجة الرمال،
ولا تترك وراءها إلا فراغًا منتظرًا.
الوحدة،
هي الخيار الذي اتخذته
منذ اللحظة التي اكتشفت فيها أنني لا أستطيع أن أكون إلا مع نفسي.
لا كلمات
لا أيدي ممتدة
لا حوار مع العالم.
فقط سكون
لا ينطق باللاشيء
ولا يُترجم إلى أشياء.

أدركتُ
أنني عندما أقول “وحدي”،
أنا لا أعبّر عن غياب الآخر
بل عن حضور الذات
حيث لا أكترث للتفسير
ولا للمعنى.
والوحدة،
تجعلنا نعيش في صمت ٍ
لا يطلب منا شيئًا
في الفراغ الذي لا يستهلكنا
بل يُعيدنا إلى شكلنا الأول
إلى اللحظة التي قررنا فيها أن نبقى
لا لأننا لا نستطيع الرحيل
ولكن لأن الرحيل عن الوحدة
هو الرحيل عن أنفسنا.
وأنا أقف هنا
لا أحتاج إلى شيء
إلا أن أظل وحدي
داخل هذا الفراغ
حيث الوحدة مع اللاشيء.
في الوحدة،
أدركتُ أنني لا أحتاج إلى إجابة
ولا إلى تفسير.
الوجود هو الإجابة .
الوحدة هي :
أن لا شيء يعنينا
إلا أن نكون… كما نحن
في صمتٍ طويل.
فقط… نحن.
الوحدة :
أن أُقفلُ البابَ…
وأضعُ المفتاحَ في كوبِ القهوة.
أعني — أنني اخترتُ أن أُقيم في داخلي.
إن سألتني الآن:
ما الذي تعلمته من الوحدة؟
سأجيب:
أن أُحبّ صوت مروحة السقف حين تُحدّثني
أن أكتب جملةً واحدة
وأعيش تحتها كأنها وطن.



















