منذر معاليقي: عرفت الأدب مرآة للواقع

حوار: ضحى عبدالرؤوف المل

الدكتور منذر معاليقي هو أحد الأسماء اللامعة في مجال الأدب والفكر العربي. في الحوار معه نستعرض رحلة فكرية طويلة امتدت بين الماضي والحاضر، لتكشف لنا عن مبادئه الثابتة التي طالما التزم بها في مواجهة التحديات الفكرية والأدبية. من خلال هذا اللقاء، يفتح الدكتور معاليقي أمامنا نافذة على تطور الأدب العربي في ظل التحولات الرقمية والثقافية، ويستعرض تأثير هذه التحولات على الأجيال الجديدة من الكتاب والأدباء.

كما يتناول الحوار قضايا عديدة تلامس واقعنا العربي المعاصر، بدءًا من دور الأدب في تعزيز الحوار بين مختلف الاتجاهات الفكرية، وصولًا إلى الإسهامات المهمة التي قدمتها مؤلفاته في معالجة قضايا الأمة العربية والإسلامية. في هذا السياق، يتحدث عن أهمية التفاعل بين الأدب الورقي والرقمي، وكيفية الاستفادة من التقنيات الحديثة في تعزيز الرسائل الثقافية والفكرية.

لا يقتصر الحوار على الحديث عن قضايا الفكر العربي فحسب، بل يتناول أيضًا أسماء أدبية ومفكرين كبار كان لهم دور محوري في تطوير الفكر العربي، مثل لويس عوض، عبد الوهاب البياتي، وجبران خليل جبران. يعكس هذا الحوار تجربة الدكتور معاليقي في الإبحار عبر تاريخ الفكر العربي، محاولًا إعادة صياغة هذا التاريخ بما يتناسب مع قيم الحرية والعدالة التي طالما نادى بها في أعماله.

تأخذنا هذه المقابلة إلى رحلة فكرية ثرية، حيث نغوص في عمق الأدب العربي وتحدياته، وتفتح أمامنا أبوابًا جديدة للتفكير في مستقبل الثقافة العربية وأدبها في عالم سريع التغير.

– دكتور منذر معاليقي بين اليوم والأمس، ما هي المبادئ التي التزم بها في رحلته الفكرية؟

أعتقد أن الكاتب والملتزم خاصة قد يخوض في حياته معارك أدبية وفكرية، تأتي تتويجًا لتاريخ صراعات نقدية طويلة، أو لسجالات الكتاب والمفكرين، واختلافاتهم الفنية والأدبية والفكرية، التي تتباين بنتيجتها المجتمعات بين متعاطف ومعارض، لأسباب مختلفة، مبدئية كانت، أو لمفاهيم متوارثة ومتزمتة، وتبقى منغلقة على الذات، ومع المصلحة الخاصة الضيقة.
إني في مسيرتي الفكرية والثقافية لطالما أيّدت الفكر الحر والراي الآخر، وأخذت بالمعارف العلمية، التي تعكس صورة المجتمع وأوضاعه الاجتماعية والأدبية، والتي تزيد المرء وعيًا والتزامًا بحقوقه.

إني أؤمن بأن الإنسان وُلد ليبقى، وُجد ليسعد، بالوسائل المتاحة، والإمكانات الموجودة. وأرى أنه عليه دومًا أن يجد ويسعى، متفاعلًا مع الآخر، في سبيل خير وسعادة الآخرين، يشارك الناس قضاياهم وهمومهم الاجتماعية والسياسية، ضمن رؤية فكرية هادفة تعمل للجميع وللمصلحة العامة، وبمنظار مبدئي التزمت به في مسيرتي الفكرية والوطنية، عكسته مؤلفاتي الأدبية والثقافية والفكرية، التي التزمت دوما بخدمة الإنسان _ حريته _ وحقوقه، وهدفت إلى رفعته وتقدمه، وبناء مجتمع أفضل تسوده الحرية والعدالة والكرامة.
بكلمة واحدة: عرفت الأدب مرآة للواقع، تكشف مظالمه، وتحاول تغييره، وهو ما زال وسيبقى برأيي رسالة يحمل قضية الإنسان في حريته وحياته الكريمة.

– كيف ترى مستقبل الأدب العربي في ظل التحولات الرقمية والثقافية الحالية؟

تعيش البلاد والأدب العربي خاصة، العصر الرقمي أو التحول الرقمي، المميز بتطبيق التكنولوجيا الرقمية الحديثة، من حاسوب وكمبيوتر ويوتيوب وتويتر وغوغل، التي غزت الحياة العامة، واخترقت الأعمال والمواقع، في جميع المؤسسات، وأثرت في التسويق والبيع، وفي فهم الموسوعات والمؤلفات الأدبية والعلمية، التي كان الواحد منا يجهد ويتعب في الوصول إليها، ويتمتع بقراءة نصوصها الورقية، متفحصًا جمالية معانيها وتراكيب أساليبها بدهشة وإعجاب. وإن كان التحول الرقمي من العمليات اليدوية يساعد في تقديم خدمات أسرع ويحقق نتائج أفضل.

هذه مرحلة شاع فيها ما يُعرف بالأدب الإلكتروني أو الأدب الرقمي، فاختلطت المفاهيم والمقاصد. فما زال بعض الكتاب والأدباء يفضلون استخدام الكتابة باليد والقلم على الحاسوب، في حين يتحسر آخرون على ضياع الوقت في التقميش والحصول على المعلومة، ويفضلون استخدام الأجهزة الرقمية مثل الحاسوب أو الكمبيوتر.

لقد غزت الثورة الرقمية حياتنا وعالمنا، وبتنا جميعًا أسرى تقنياتها وأجهزتها الحديثة، وبالطبع غزت هذه الأجهزة أدبنا وأصبح الأدب الرقمي عنصرًا هامًا في مجال العلوم الإنسانية والأبحاث الأكاديمية.

ومما لا شك فيه أن لكلا النوعين _ الورقي والرقمي _ فائدته ودوره ومزاياه، فالبعض يؤثر القراءة الورقية التقليدية، ويعتبرها أكثر راحة ومتعة من قراءة الكتب الإلكترونية على الهواتف الذكية في أيامنا الحالية. لأنها ذات صلة وثيقة بين القارئ والكتاب، وهذا ما لا يوفره الكتاب الرقمي المعروف بقلة تكلفته _ طباعة وحبر وورق ومصاريف نقل وشحن بخلاف الكتاب الورقي الذي يتطلب مشقة للوصول إليه، وفي حال كان مطبوعًا في بلد آخر.

إني لست في صدد تفضيل أحدهما على الآخر، فلكل منهما مزاياه وخصائصه. فإن كان الكتاب الرقمي قد فرض نفسه على الساحة المحلية والعالمية، فالمهم أن يحرص الإنسان على القراءة، سواء كانت مطبوعة ورقيًا أو مخزنة رقميًا.
لذلك أرى أن العلاقة بين كلا الكتابين الورقي والرقمي علاقة تكامل وتواصل، لا علاقة تنافس وخصومة. والواجب أن نستثمر هذه التقنية الحديثة لما فيه الخير والفائدة للبشرية كافة.

– كيف يمكننا تعزيز الحوار بين مختلف الاتجاهات الأدبية في العالم العربي؟

لا شك أن الثقافة العربية هي المرآة التي تعكس طبيعة الحياة الاجتماعية عند العرب، وهي التي تظهر مكونات المجتمع واتجاهاته الأدبية في العالم العربي. وأعتقد أن من أولى وسائل تعزيز الحوار بين المكونات العربية، واتجاهاتها المتنوعة، هو في تعزيز اللغة العربية وثقافتها الحضارية، التي نجحت على مدى قرون أن تبقى اللغة الجامعة والمشتركة لأبناء الضاد العرب. لكن وحدة التفاهم الفكري تواجهها مجموعة من التحديات المعاصرة، التي تعيق مسيرتها، وتؤثر سلبًا على تطلعاتها، وقد تؤدي إلى خلخلة التنوع الغربي، الأمر الذي يوجب الحوار الثقافي، ويعزز الوحدة الأدبية، من دون إلغاء الخصوصية الذاتية، انطلاقًا من أن التنوع الفكري هو مصدر غنى، وركيزة أساسية لتقدم المجتمع، وهو برأيي من أهم العوامل التي تساهم في تعزيز العمل الإبداعي، وإيجاد الحلول والتفاهمات.
كان الحوار في الأدب وما زال متعة روحية، تلتقي النخب من أهل الأدب إلى حالة من الفهم المشترك لتوليد صيغ مشتركة، وحالة من التأثير والتأثر بين مختلف الثقافات والاتجاهات.

– كيف ترى أن مؤلفاتك أسهمت في معالجة القضايا التي تراها مهمة في مجتمعاتنا؟

نعم، أعتقد أن مؤلفاتي المتنوعة في الفكر والأدب والدراسات الإسلامية قد عالجت الكثير من القضايا وموضوعات الأمة العربية والإسلامية، وأسهمت في معالجة العديد من الإشكاليات التي عرفتها مجتمعاتنا على مدى القرون والأزمنة. فعلى سبيل المثال، دراستي في ظاهرة الاستشراق، التي احتلت حيزًا واسعًا في تاريخنا الحديث والمعاصر، كانت انعطافًا رئيسًا في مجال الفكر والثقافة، والأدب. وكانت موضوعاتها مدار دراسة العديد من رجال الاستشراق الذين شوهوا حضارتنا، ونالوا من ثقافتنا وتاريخنا العربي والإسلامي.
إن أهمية مؤلفي كانت في كشفه المغالطات الاستشراقية التاريخية والدينية والأدبية، التي يكفيها أني ولجت بابًا له أثره الكبير في حياتنا ومجتمعاتنا، محاولًا أن أسلط الأضواء على مشاكل وقضايا، رغبة مني في الانتصار للحق والقضية، التي ناضلت من أجل تحررها من ألوان القهر السياسي والاجتماعي والثقافي، وأملًا في بناء أجيال واعية، تعمل على تنقية الدراسات العربية والإسلامية من الأراجيف، وإعادة كتابة التاريخ العربي والإسلامي من جديد، من أجل مجتمع عربي حضاري متآخٍ، ومتآلف، وقادر على العطاء، يحقق العدالة، ويقيم دولة الحرية والسعادة.

– ما هي الأسماء الأدبية التي تعتبرها محورية في تطوير الفكر العربي؟

أعتقد أن من أهم الأسماء التي عملت على تطوير الفكر العربي، وساهمت في النهضة المعاصرة، والحداثة الأدبية والفكرية، هم الكتاب لويس عوض، عبد الوهاب البياتي، محمود أمين العالم، وجبران خليل جبران، وغيرهم من كبار المفكرين أمثال محمد عابد الجابري في موضوعاته الحديثة وصيغه المعاصرة لنهضة اليوم، وكذلك لرؤيته المتقدمة لمشكلاتنا الفكرية والتربوية، بوصفه أحد أهم الناشطين في دراسة التاريخ العربي الإسلامي، وفي مشروع النهوض العربي.

كرّس الجابري اهتمامه للتراث الفكري العربي والإسلامي، تأليفًا ومعالجة، وبقي طوال حياته باحثًا وناقدًا، وظل همه الرئيسي قضية العروبة والإسلام والتراث والحداثة، مؤكدًا أن الإسلام لا يزال يلعب دور المحرك للتاريخ العربي في مختلف محطاته وتجلياته، في مختلف الميادين.

وكذلك الكاتب النقدي لويس عوض، الذي انتصر للعديد من الحركات النقدية والأدبية والسياسية، وإن كان لم يشارك في تنظيماتها السياسية، فقد كان متعاطفًا معها، يرى في العمل النقدي وسيلته ومبتغاه في المجتمع، ويُعتبر من جيل الرواد المؤسسين للثقافة في مصر والعالم العربي.

كما أنني من المعجبين بأدب جبران خليل جبران الرائد في نهضة الأدب العربي الحديث، وهو الثائر على التقاليد والعادات وعقائد الدين، الداعي إلى الحرية والتمرد وحقوق الإنسان، والحريص على الإسلام. الذي يحترمه ويتمنى عودة مجده، وإن كان ضد تسييس الدين الإسلامي أو المسيحي. أليس هو القائل: “أنا أحب الإسلام. وأنا أحب القرآن، ولكنني أزدري من يتخذ القرآن وسيلة لإحباط مساعي المسلمين. كما أنني أزدري الذين يتخذون الإنجيل وسيلة للتحكم برقاب المسيحيين.”

هذا هو جبران الذي أعجبت بفكره وقلمه ومفاهيمه الرائدة في تطوير وتقدم الفكر العربي. هذه بعض الشخصيات الفكرية والأدبية العربية التي لعبت مع غيرها الدور الكبير في التغيير والنهوض، والأمل في قيام حياة كريمة.