منحوتات بغداد.. حكاية هوية 

 

 

 

بين الفن والسياسة

منحوتات بغداد.. حكاية هوية

معتز عناد غزوان

يمثل الفن الوجه الحقيقي لقياس تقدم الشعوب وتطورها وتقدمها في شتى ميادين الحياة وينعكس ذلك بمختلف صوره كالرسم والنحت والخزف والجداريات والفن الكرافيتي وغيرها. ولعل فن النحت والجداريات من الفنون التي تتميز بانها ذات ابعاد ثلاثة تتميز بتجسيد الشكل بقدرة تعبيرية هائلة من حيث التمثيل الكتلي وطبيعة حركته في المشهد سواء اكان النحت مجسماً او بارزاً. فالفن بشكل عام والنحت بشكل خاص هو مقاربة ما بين فكر الفنان والجمهور وكما يقال ان لكل مثال مثيل وان لكل فنان ذات وانها تمثل قيمته الانسانية والتعبيرية والجمالية التي تكون من خلال شخصيته الاسلوبية منعكسة بشكل جلي في اعماله الفنية.

وسيلة تحفيز

من خلال ما تقدم فقد جاء كتاب (منحوتات بغداد بين الفن والسياسة) دراسة الفن في الفضاء العام كوسيلة لتحفيز هوية وطنية في مجتمع يعاني من صراعات كعنوان جانبي هادف وموجه بحسب مؤلفة الكتاب المعمارية والكاتبة والسياسية ميسون سالم الدملوجي، فقد طرحت مشكلة دراستها هذه بشكل واضح في محاولة للولوج الى قيمة التعالق الوطني والشعور بالانتماء من خلال فن النحت كنصب وتماثيل وجداريات متنوعة في بغداد حصراً، وبين ما شهده العراق المعاصر من تحولات جيوسياسية وصراعات اثنية وعقائدية وغيرها ادت بالفعل الى احداث تغيرات مجتمعية اسهمت في الوعي والتصدي للقيم البالية وبعض الاحكام التي تتناقض معها.  ان الحديث عن الهوية والخصوصية مهم للغاية ولاسيما ان الهوية تمثل روح الانتماء الى المكان- المكان الحضاري- العراق/ بغداد تحديداً كما حددت المؤلفة وتطرقت الى تلك الاعمال النحتية المنتشرة في بغداد منذ بداية تأسيس الدولة العراقية عام 1921م حتى اليوم. فالهوية كما تطرقت اليها المؤلفة كمدخل مباشر للكتاب بأنها الظاهرة المتفردة في تركيبها البيئي المشخص والمتميز والحي في طبيعة تكوينها ومعانيها المتجلية في الفنون النحتية لتسبغها صفة الإقليمية والتميز والتفرد التي تلاقحت بالخبرة والتجربة والفعل ورد الفعل بالنسبة لطبيعة تكوين المجتمع فضلاً عن ذاتية الفنان العراقي تحديداً وطبيعة تكوينه التي تنعكس بشكل موضوعي بوعي تام أو لا أرداي من خلال اللاوعي المتوارث بطبيعة التكوين الإنساني وفكر المواطنة. وهذا ما تجسد في اختيار المؤلفة لمدينة بغداد بوصفها مدينة حضارية واسلامية مهمة بل هي عاصمة الدولة الاسلامية في العصر العباسي بعد ان شيدها الخليفة ابي جعفر المنصور والتي سميت بمدينة السلام او المدينة المدورة. بدأت المؤلفة دراستها القيمة هذه بالتطرق الى بناء الدولة العراقية الحديثة ما بين الاعوام 1921- 1958م، وتحدثت عن دور مجلس الاعمار الذي اقره البرلمان العراقي عام 1950م، والذي يعد الحجر الاساس لبدء المشاريع الفنية والعمرانية في العراق اذ وجهت الدعوات الى كبار المعماريين العالميين آنذاك لتنفيذ مشاريعهم في بغداد ومنهم المعماري الامريكي فرانك لويد رايت الذي كان ينعت بجني بغداد من شدة شغفه وحبه لبغداد حتى انه من وضع تصاميم مبنى دار الاوبرا العراقية التي لم تر النور للأسف الى يومنا هذا، فضلاً عن معماريي مدرسة الباوهاوس الالمانية العريقة التي اسسها والتر غروبيوس عام 1919م، وقام بتنفيذ مبنى جامعة بغداد الحالي في منطقة الجادرية، فضلاً عن المعماري لكوربوزيه الذي نفذ مشروع ملعب الشعب في بغداد، وغيرهم من معماريي الحداثة العالمية. لاشك ان من اهم محطات هذا الكتاب هو ما استعرضته الدملوجي من كم هائل من النصب والتماثيل والجداريات في بغداد ولاسيما بعد تأسيس الدولة العراقية وصولاً الى النصب والتماثيل بعد ثورة 1958م، التي شهدت نهضة واسعة في انتشار العديد من النصب والتماثيل بعد ما كانت مقتصرة على تمثالين احدهما للملك فيصل الاول والجنرال مود فضلاً عن تمثال رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون، وقد ازيلت كل من تمثال الملك فيصل والجنرال مود بعد صبيحة ثورة تموز عام 1958م، بينما اعيد تشييد تمثال الملك فيصل الاول الذي صنعه الفنان الايطالي (كانونيكا) من جديد في موقعه القديم على ضفة كرخ بغداد في منطقة الصالحية عام 1988م، وقد قام بصبه الفنان العراقي علي الجابري. ومن تلك النصب المهمة التي تعرضت اليها المؤلفة هو نصب الجندي المجهول للمعماري رفعت الجادرجي عام 1959م، ونصب الحرية للفنان جواد سليم الذي بدأ العمل فيه عام 1958م، والذي توفي اثناء عمله في هذا النصب عام 1961م، ويذكر الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد في استذكاره لتلك اللحظات المهمة في تشييد هذا النصب حول ثقة جواد سليم بنفسه في اكمال عمله المهم هذا، ((سمعت ان احدهم يقول ان جواد سليم سوف لا يتمكن من اتمام النصب… وانا اعرف ان منيتي قد قربت ولكني سوف اكمل النصب وهذا هو عزائي الوحيد)).

بيئة مختلفة

لقد ترك جواد سليم ارثاً بل واثراً يمثل جميع العراقيين من مختلف بيئاتهم وتكويناتهم الاجتماعية ورموزهم الوطنية في عناصر النصب الذي اصبح اليوم مكاناً مقدساً في طلب الحرية والدفاع عن حقوق الانسان واصلاح المجتمع بل واصبح اليوم رمزا لانتفاضات الشعب من اجل الاصلاح والبناء، وهنا كانت لدراسة الدملوجي دورها الكبير في تحول هذا المكان المهم الى رمز ثوري اجتمع تحت ظله الشباب في الاول من تشرين عام 2019م من اجل الاصلاح ومحاربة الفساد وكان شاهداً حياً على تلك الاحداث المهمة من تاريخ العراق. وهنا تصف المؤلفة تلك الحالة الوطنية المتعالقة مع نصب الحرية بان الجميع كانوا يشعرون بالانتماء الى الوطن وانهم متساوون تحت راية العراق على اختلاف ديانتهم ومذاهبهم كبارا ً وصغاراً.  تطرقت المؤلفة ميسون الدملوجي في كتابها المهم هذا الى احصاء كافة النصب والتماثيل في بغداد والحديث بتفاصيل مهمة ودقيقة حول تاريخ انجاز تلك الاعمال المهمة مثل نصب الشهيد لإسماعيل فتاح الترك ونصب الجندي المجهول لخالد الرحال ونصب المقاتل العراقي ونصب النسور للفنان ميران السعدي، وتماثيل مهمة ذات مغزى تراثي يحاكي الف ليلة وليلة وحكايات بغداد الجميلة منها تماثيل شهرزاد وشهريار وكهرمانة والقنديل السحري ونصب بساط الريح وبغداد للفنان محمد غني حكمت. كما وتطرقت المؤلفة الى دراسة تماثيل الحروب التي جاءت نتيجة لما تعرض له العراق من حروب دامت لسنوات طويلة، وقد حللتها بتفصيل فني وجمالي. ومن الموضوعات المهمة في هذه الدراسة هي تلك العلاقة ما بين النظام السياسي والفن خلال الانظمة السياسية التي حكمت العراق منذ عام 1958م الى يومنا هذا، وقد اكدت المؤلفة الى وجود نوع من التحكم الكبير في الفن ولاسيما التماثيل والنصب التي كان بعضها قد دمر او هشم لمعارضته من قبل نظام سياسي يأتي ونظام سياسي لاحق، فقد اعيد تشييد تماثيل الزعيم عبد الكريم قاسم في اكثر من مكان في بغداد، بينما هدمت تماثيل تعود الى انظمة سياسية لاحقة. من خلال ما تقدم يعد هذا الكتاب وثيقة مهمة وتاريخ مسجل وموثق للفن النحتي العراقي الحديث والمعاصر، بل يعد بمثابة سجل دقيق لتنوع الحركة التشكيلية العراقية ولاسيما النحت في العراق وتحديداً في بغداد.

مشاركة