ملفات‭ ‬قديمة- محمد زكي ابراهيم

‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬النظر‭ ‬بتاريخنا‭ ‬القريب‭ ‬ستواجه‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬باستنكار‭ ‬واسع،‭ ‬واستهجان‭ ‬مريع،‭ ‬وستضع‭ ‬صاحبها‭ ‬أمام‭ ‬اتهامات‭ ‬لا‭ ‬أول‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬آخر،‭ ‬تنال‭ ‬من‭ ‬وطنيته‭ ‬وانتمائه،‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭  ‬يحجم‭ ‬الكثيرون‭ ‬عن‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الملفات‭.‬

‭ ‬وتكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬والمواقف،‭ ‬والثورات‭ ‬والحروب،‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بهذه‭ ‬البلاد،‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬إلحاق‭ ‬أضرار‭ ‬بالغة‭ ‬فيها،‭ ‬وكانت‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬تخلفها‭ ‬عن‭ ‬الركب،‭ ‬وتراجعها‭ ‬عن‭ ‬الصدارة،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬منحها‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬الثروات‭ ‬المادية‭ ‬والبشرية‭ .. ‬والتاريخية‭!‬

‭ ‬لكن‭ ‬أحداً‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتناول‭ ‬أياً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬بالنقد،‭ ‬أو‭ ‬يسلط‭ ‬عليها‭ ‬الأضواء،‭ ‬لأنها‭ ‬باتت‭ ‬من‭ ‬المسلمات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬الجدل،‭ ‬ولا‭ ‬تخضع‭ ‬للمسائلة،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬الاقتراب‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬قليل‭ ‬أو‭ ‬كثير،‭ ‬وستناله‭ ‬الألسن،‭ ‬وربما‭ ‬الأيدي‭ ‬أيضاً،‭ ‬وخاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬ببدايات‭ ‬تأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭.‬

‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬تحولات‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية،‭ ‬وبدأت‭ ‬الأفكار‭ ‬القومية‭ ‬تجد‭ ‬لها‭ ‬صدى‭ ‬كبيراً‭ ‬بين‭ ‬الشعوب،‭ ‬ومنها‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬شكلوا‭ ‬جمعيات‭ ‬ومنظمات‭ ‬نخبوية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭ ‬العراقية‭ ‬بمستوى‭ ‬الحدث،‭ ‬ولم‭ ‬تتناغم‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬البيئات‭ ‬الأخرى‭ ‬تبشر‭ ‬به،‭ ‬وتعمل‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭!‬

‭ ‬لقد‭ ‬زج‭ ‬العراقيون‭ ‬بثمانية‭ ‬عشر‭ ‬ألف‭ ‬رجل‭ ‬لدعم‭ ‬القوات‭ ‬العثمانية‭ ‬في‭ ‬البصرة،‭ ‬لمواجهة‭ ‬الاحتلال‭ ‬البريطاني‭ ‬عام‭ ‬1915،‭ ‬وقد‭ ‬زحف‭ ‬هؤلاء‭ ‬بأسلحتهم‭ ‬البدائية‭ ‬من‭ ‬بلدات‭ ‬الفرات‭ ‬الأوسط‭ ‬خصوصاً،‭ ‬وضفاف‭ ‬دجلة،‭ ‬وبعض‭ ‬مناطق‭ ‬الشمال،‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬المعركة‭ ‬ليقفوا‭ ‬وجهاً‭ ‬لوجه‭ ‬أمام‭ ‬الجنود‭ ‬الهنود‭ ‬الذي‭ ‬شكلوا‭ ‬عماد‭ ‬القوات‭ ‬البريطانية،‭ ‬وكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬كما‭ ‬يعرفها‭ ‬الجميع‭ ‬مخيبة‭ ‬للآمال،‭ ‬وانتهت‭ ‬بانتحار‭ ‬القائد‭ ‬العثماني‭ ‬سليمان‭ ‬بك‭ ‬العسكري،‭ ‬كمداً‭ ‬وحسرة‭.‬

‭ ‬ولو‭ ‬قدر‭ ‬لهذا‭ ‬الجيش‭ ‬أن‭ ‬يوقف‭ ‬تقدم‭ (‬البريطانيين‭) ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المعركة،‭ ‬ويدفع‭ ‬بهم‭ ‬باتجاه‭ ‬البحر‭ ‬ثانية،‭ ‬لكان‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العراق‭ ‬سيبقى‭ ‬على‭ ‬حاله‭ (‬ثلاث‭ ‬ولايات‭) ‬عثمانية‭ ‬تحيط‭ ‬بها‭ ‬العشائر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬حدب‭ ‬وصوب،‭ ‬وتمنع‭ ‬عنها‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬أو‭ ‬حضارة‭ ‬أو‭ ‬تمدن‭!‬

‭ ‬إن‭ ‬مقاومة‭ ‬المحتل‭ ‬البريطاني‭ ‬تبدو‭ ‬مشروعة‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬البلاد‭ ‬تتمتع‭ ‬بالسيادة،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المنطقة‭ ‬ضمن‭ ‬ساحة‭ ‬حرب‭ ‬كونية‭ ‬كبرى،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أهلها‭ ‬يعاملون‭ ‬كمواطنين‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الثالثة‭ ‬أو‭ ‬الرابعة،‭ ‬ويحرمون‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬والوظائف‭ ‬والخدمات،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬لغتهم‭ ‬الأم‭.‬

وبوسع‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يتغاضى‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العشائر‭ ‬أعلنت‭ ‬الثورة‭ ‬على‭ ‬العثمانيين‭ ‬أيضاً،‭ ‬وحاولت‭ ‬انتزاع‭ ‬حقوقها‭ ‬بالقوة‭ ‬القاهرة،‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬حكم‭ ‬ذاتي،‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬سائداً‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬مثلاً‭.‬

‭ ‬وحينما‭ ‬أعلنت‭ ‬هذه‭ ‬العشائر‭ ‬الثورة‭ ‬على‭ ‬البريطانيين‭ ‬عام‭ ‬1920،‭ ‬لم‭ ‬تشارك‭ ‬مدن‭ ‬مثل‭ ‬البصرة‭ ‬والعمارة‭ ‬والكوت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الثورة،‭ ‬وفضلت‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬الحياد،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬قبلت‭ ‬بالإدارة‭ ‬الجديدة،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬وجدت‭ ‬أنها‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬سابقتها‭ ‬العثمانية‭.‬

‭ ‬وحينما‭ ‬استجابت‭ ‬بريطانيا‭ ‬لمطالب‭ ‬الثوار،‭ ‬وقررت‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬عراقية‭ ‬مؤقتة،‭ ‬تحت‭ ‬إشرافها‭ ‬المباشر،‭ ‬رفض‭ ‬زعماؤهم‭ ‬التعاون‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسعى‭ ‬وفضلوا‭ ‬الانتفاض‭ ‬عليها،‭ ‬فاستبعدتهم‭ ‬استبعاداً‭ ‬تاماً،‭ ‬ولم‭ (‬تتفضل‭) ‬عليهم‭ ‬إلا‭ ‬بمقعد‭ ‬وزاري‭ ‬واحد،‭ ‬بعد‭ ‬نقاشات‭ ‬مطولة‭ ‬مع‭ ‬شركائها‭ ‬المحتملين،‭ ‬هو‭ ‬وزارة‭ ‬المعارف‭. ‬وتكمن‭ ‬الغرابة‭ ‬أن‭ ‬البلاد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فيها‭ ‬سوى‭ ‬بضع‭ ‬مدارس‭ ‬ابتدائية،‭ ‬يؤمها‭ ‬أولاد‭ ‬موظفي‭ ‬الحكومة‭ ‬الميسورين،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يشاركوا‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الامبراطورية،‭ ‬ولم‭ ‬يلبوا‭ ‬نداء‭ ‬شيخ‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ (‬الأستانة‭) ‬للجهاد‭ ‬ضد‭ ‬الانكليز‭!‬

‭ ‬إن‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يدرس‭ ‬بعناية‭ ‬وتجرد،‭ ‬ويعاد‭ ‬النظر‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬مدة‭ ‬كافية‭ ‬لمراجعة‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬حوادث‭ ‬وسجالات،‭ ‬وسيكون‭ ‬من‭ ‬المناسب‭ ‬محاكمة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬والأخبار‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للنقد،‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬تلكؤ‭ ‬مسيرة‭ ‬البناء‭ ‬والإعمار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭.‬

‭ ‬