ملاحقات الدكتور قاسم حسين صالح التشخيصية

462

ملاحقات الدكتور قاسم حسين صالح التشخيصية

التأنيب الحاد و المكاشفة المهذبة

عادل سعد

يس تناقضاً من الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح أن يكون فاحصاً مهذباً و لكنه في ذات الوقت يعتمد القسوة في تشخيص علل و ندب (جمع ندبة) و فقاعات تستحوذ على الواقع العراقي و العربي عموماً، فهو الباحث المتمرس الذي لم يترك نقطة معينة في متابعاته إلا و قد أخضعها في تشخيصات جدلية و هكذا جاءت بمثابة حساء متعدد النكهات، تتضمن التأنيب الحاد بحرارته و مرارته، هذا ما نجده في كتابه الثلاثين الذي جاء ضمن عنوان (أحوال العراق و العرب و خيبات الزمن الردي) و ضمن عنوان فرعي تحليلي (سيكوبولتك) و على وفق معجم كامبريدج أن السيكوبولتك (يستخدم لوصف الإختلافات بين مجموعات من الناس في ما يتعلق بمعتقداتهم السياسية).

لقد نأى الدكتور قاسم حسين صالح رؤية الإمام الشافعي صاحب القول:(نعيب زماننا و العيب فينا)، و بمعنى مضاف أن الرداءة ليست بالزمن بل بشخوصه، بالمقابل أجد إلى حد بعيد تناغماً واضحاً بين رؤية الدكتور صالح و رؤية الفيلسوف الألماني إريك فروم صاحب نظرية التحذير من التلوث العقلي ومراهقة الوهم القائمة على متوالية من البحث عن السعادة بأساليب لا يمكن أن تقود إليها.

اسباب ومعالجات

لقد تضمن كتاب الدكتور قاسم حسين صالح ثلاثة أقسام هي سيكوبولتك، و الثاني ثقافة ومجتمع، و الثالث جاء تحت عنوان علي الوردي، و قد تناول المؤلف في القسم الأول غطرسة السلطة و سطوتها و العقل السياسي العراقي و إشكالية الأزمة و الوطن بين سياسي بعقل أحول و مواطن أثول، و الفساد في العراق الأسباب و المعالجات، و الأفكار اللاعقلانية وسايكلوجية الغالب و المغلوب، و عند العرب الماضي أهم من المستقبل، والسلطة و الإسلام السياسي، والفساد في العالم العربي مدخل لحلحلة أزمة العقل العربي، ودراستين تحليليتين عن الشخصية العربية فكراً و سلوكاً، و ثورة الحسين دروس للحكام و الشعوب، و إجراءات لتفعيل دور برلمان لم ينتخبه الشعب، و كراهية العراقيين لحكامهم الديموقراطيين، و ميكافيلي عراقي، و دراسة استطلاعية عن الفساد و غياب رجل الدولة في العراق، و العالم العربي الأسوأ قد حصل فما الذي بعده، و على مسؤوليتي السياسيون العراقيون مرضى نفسياً، و عنوان العلمانيّون و الدينيّون هل يلتقون، كما تضمن القسم الأول من الكتاب عناوين أخرى جاءت أصلاً برؤية سايكوبلتكية أيضاً، أما القسم الثاني من الكتاب فقد تضمن تحليلات ثقافية إجتماعية و من عناوينه، العراقيون مازوشيون مقال تحريضي، و المعلم العراقي ثلاثة ازمان، و أجاب أيضاً على حقيقة إجتماعية لماذا تذهب المرأة إلى العرافين، و دراسة تحليلية عن سايكلوجية العنف الجندري (النوع الإجتماعي)، و العراقيون و سلطة الرمز الديني، و الديموغوجية و صناعة الطائفيات القاتلة، و الضد و ضده النوعي في الشخصية العراقية، و الطلاق في الزمن الديموقراطي، و المواطنة في تحليل للشخصيتين المصرية و العراقية، و الاحتجاج الجمعي و ثقافة التظاهرات، كما تناول في تحليل سايكولوجي ما بعد اللامعقول في المسرح السياسي العراقي، و من مقالاته في هذا القسم أيضاً التسامح هل يمكن أن يتحقق في العراق، و تناول في دراستين تحليليتين التطرف الديني و صناعة الموت، ثم تساءل في مقال آخر، قيم الحسين هل ستطيح بالفاسدين، و من مقالاته التي تحمل الطرافة المرة حدث هذا في بغداد بعد كذا سنة، فنتازيا لحقيقة مؤجلة، و توقف الباحث في القسم الثالث من الكتاب عند محطة بشرية ساسيولوجية أسسها العالم الإجتماعي العراقي علي الوردي صاحب المواقف النقدية لإزدواجية الشخصية العراقية كما ذهب الباحث الدكتور قاسم حسين صالح إلى الحد الذي قال فيه أن نظرية الوردي لم تعد صالحة.

و بشيء من التفصيل فعلى صعيد الفساد عربياً أشار المؤلف إلى أن (المفارقة الغريبة أن التوزيع الطبيعي للناس فيما يخص الفساد حدث فيه إنقلاب. فالقلة المنبوذة التي تمارس الفساد، أصبحت الآن كثرة، و الكثرة التي كانت ملتزمة بمبدأ الحلال و الحرام توزعت بين من أحل نفسه من هذا الإلتزام، و من ضعف أو تخلخل لديه فصار متردداً، و من يجاهد في الحفاظ عليه.. و هم القلة.

و هذا يعني أن الفساد انتشر في العالم العربي بطريقة مشابهة لعدوى الوباء، و تحول من فعل كان خزياً.. إلى تصرف لا يعد خزياً.. ولا فضيحة، بل صار يعد (شطارة) و (انتهاز فرصة)!.. برغم أن الجميع يرفضونه، و برغم تشكيل منظمات مدنية في العالم العربي لمحاربته شبيهة بمنظمة “مصريون ضد الفساد”).

و أرى أن هذا التشخيص فاق التعريف الذي جاء ضمن قاموس كامبريدج عن الفساد و يعني بالضرورة أن الفساد على وفق تشخيص الدكتور صالح وجد شرعنة له في الحياة العامة و أن لا حدود تكبحه، و لا يمكن أن ينتظر أحد على وفق مقولة بهيج طبارة وزير العدل اللبناني الأسبق و الرئيس الحالي للمنظمة العربية لمكافحة الفساد.

و في دراسة تحليلية تضمنها الكتاب للفكر و السلوك أشار المؤلف إلى (أن تعدد الرؤى حالة إيجابية و مطلوبة في تغيير الحاضر إلى ما هو أفضل. غير أن الإشكالية هي أنك إذا أحصيت الرؤى في مجتمعاتنا، (و هي عسيرة على أن يجمعها جامع)، فإنك ستصل، و من بين استنتاجاتك، إلى أن الفرد العربي يصاب بالدوار منها. و أنه إذا انشغل بها فإنه قد يتعرض بسببها إلى اضطراب عقلي. و لأنه لا يريد هذا ولا ذاك، فإنه يلجأ إلى أن ينأى بنفسه عنها في حالة يأس منها و من المستقبل. يرافق ذلك أن أجهزة الإعلام العربي أوصلت الفرد العربي إلى حالة من (التقيؤ الفكري) لكثرة تردادها لما يزيد عن خمسين سنة مقولة “إن الأمة العربية تمر الآن بأزمة خطيرة”، برغم تعاقب الأزمنة و تنوع السلطات، و كأنها مبرمجة لتيئيس الفرد العربي من أمته و مستقبلها، لأن التكرار و على مدى هذا الزمن الطويل، كفيل بأن يولد، سيكولوجيا، حالة الإقناع بأن “الآن” هذه مزمنة ولا خلاص للأمة منها.. ما دامت الأسرة و النظام التربوي و السلطة تنتج حكومات فاشلة و فاسدة.. و الناس عليها بين راضين و غير مكترثين و عاجزين عن فعل التغيير.. و لك في العراق أنموذجاً قل نظيره!).

و يضع الدكتور قاسم حسين صالح حلولاً لإعادة الإعتبار إلى المعلم من خلال أربعة قنوات، القناة الأولى، أن تبتعد السياسة عن المؤسسات التربوية؟

و الثانية، أن يتولى مسؤولية وزارتي التربية و التعليم العالي تربويون و أكاديميون أصحاب إختصاص.. و ليت يتولى التعليم العالي أكاديمي بروفيسور..مسيحي!

و الثالثة، أن يصادق البرلمان على قانون يحمي المعلم و يرعاه.

أما الرابعة، أن يعمل المعلم ذاته على إعادة الإعتبار لنفسه و أن يكون بمستوى (كاد المعلم أن يكون رسولاً).(و السؤال هنا هل ترتقي السياسة و يرتقي المعلم نفسه إلى إدراك أن معظم التحولات الإيجابية و قادة التغيير في العالم كانوا معلمين.. و أن نعمل جميعاً على تفعيل دور المعلم العراقي..الذي يحتاجه الآن في زمن المحنة؟

في اليابان تقليد لطيف: في كل مناسبة تخرّج يجلس المعلمون ويضعون أرجلهم في طشوت ويقوم الطلبة بغسل أقدام معلميهم.

طبعاً طالبنا ما يسويها.. بس عالأقل من يشوف المعلم.. خل يذب الجكاره!) أي أن يلقيها خجلاً.

و من رؤياه الطريفة في الكتاب ما قاله تحليلاً عن العلاقة الجدلية بين المرأة و العراف في ظل نظام إجتماعي يصر بشكل أو بآخر على إخفاء فرصة المرأة في أن تجد حلولاً للإنتهاكات التي تتعرض لها و كيف أنها توهمت أن تجد في العراف ما يعينها على تجاوز محنتها فالعراف برأي الدكتور صالح (يعرف شغله و أهم ما في شغله أنه يسمعها ما ترغب في سماعه.. ما يبعد القلق عندها ويمنحها الطمأنينة.. ما يفتح لها نافذة في جدار حصارها المبني من الكونكريت. و العراف الجيد، يتمتع بفراسة و قوة حدس ونباهة و فطنة في قراءة تعابير الوجه، و ذكاء عاطفي يفهم ما في أعماق روح المرأة من انفعالات وتناقضات وجدانية، و ذكاء إجتماعي يعرف ما تتعرض له المرأة من اضطهاد، و خبرة متراكمة من حالات متشابهة، فيفاجأها بمعلومات عنها تولد لديها حالة من الإنبهار).

و في القسم الثالث من الكتاب يخوض الدكتور قاسم حسين صالح في نظرية عالم الاجتماع العراقي علي الوردي مشيراً إلى عنوان أنها لم تعد صالحة، مؤكداً أن ما أخذه الباحثون و الناس من تشخيص الوردي لإزدواجية شخصية الفرد العراقي معتبرين ذلك حكماً قطعياً ومتندرين على سلوك العراقيين بهذا الإستفراد لما قاله الوردي مع أن ما أشار إليه لم يتضمن تشخيصاً قاطعاً بالإستناد إلى ما قاله الوردي نفسه (لقد لاحظت بعد دراسة طويلة بأن شخصية الفرد العراقي فيها شيء من الازدواج “ثم استدرك قائلاً: و إني و إن كنت غير واثق من نتيجة هذه الدراسة” ثم عاد ليوحي ضمناً بأن حكمه هذا عن يقين بقوله: و لكني أجد كثيراً من القرائن تؤيد فيما أذهب إليه”. و من القرائن التي يذكرها عن إزدواج شخصية العراقي: أن المسلم العراقي من أشد الناس غضباً على من يفطر علناً و هو من أكثرهم إفطاراً، وأن الفرد العراقي من أكثر الناس حباً للوطن وتحمساً لخدمة العلم بينما هو في الواقع مستعد للتملص من خدمة العلم إذا آن الأوان”. ويؤكد بأن الفرد العراقي -في هذا- ليس منافقاً أم مرائياً كما يحب البعض أن يسميه، بل هو في الواقع ذو شخصيتين”.

الخلاصة، إن الباحث الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح لم يختبئ وراء عناوين غامضة فهو لا يجيد التورط في لعبة التأويل بل يذهب واضحاً إلى هدفه و تلك بحق من السمات القِيمية.

مشاركة