ملاحظات حول اليسار العربي في أوروبا.. بدايات ونهايات

255

 

د‭. ‬نزار‭ ‬محمود

إن‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬كانوا،‭ ‬أو‭ ‬لازالوا،‭ ‬ينتمون‭ ‬لتنظيمات‭ ‬يسارية‭ (‬شيوعية،‭ ‬ماركسية،‭ ‬اشتراكية‭) ‬ممن‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الأوروبية‭ ‬يتجاوز‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭. ‬منهم‭ ‬من‭ ‬لازال‭ ‬مؤمناً‭ ‬مدافعاً‭ ‬معلناً‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الانتماء،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬آثر‭ ‬الاستقلال‭ ‬بأفكار‭ ‬ومبادئ‭ ‬انتمائه‭ ‬وراح‭ ‬متدبراً‭ ‬للهفوات‭ ‬والزلات،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬جرفته‭ ‬الايام‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬انهزامية‭ ‬أو‭ ‬استسلامية‭ ‬أو‭ ‬ضبابية‭ ‬أو‭ ‬إنفصامية‭ ‬أو‭ ‬إزدواجية‭ ‬في‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمواقف‭ ‬والتصرفات‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬بيع‭ ‬النفوس‭ ‬والضمائر‭ ‬بالمزاد‭. ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬لازال‭ ‬يحلم‭ ‬بسلطة،‭ ‬أو‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬إرث‭ ‬نضال‭.‬

‭ ‬والتنظيمات‭ ‬اليسارية‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تتطابق‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬مواقفها‭ ‬وتكتيتاتها‭. ‬فاليسار‭ ‬اللبناني‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬اليسار‭ ‬العراقي،‭ ‬وهكذا‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وهكذا‭ ‬السوداني‭. ‬أذكر‭ ‬أنني‭ ‬تعرفت‭ ‬على‭ ‬يساري‭ ‬سعودي‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬دولي‭ ‬للشباب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬برلين‭ ‬ألمانيا‭ ‬الديمقراطية‭ ‬عام‭ ‬1987،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أذكر،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬لم‭ ‬تزل‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الايرانية‭ ‬قائمة،‭ ‬وكيف‭ ‬أني‭ ‬قرأت‭ ‬في‭ ‬لكنته‭ ‬ونظرته،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬وتبجحه‭ ‬ما‭ ‬اختلف‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬رفاقه‭ ‬اليمنيين‭ ‬أو‭ ‬السوريين‭ ‬أو‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مفاهيم‭ ‬الوطنية‭ ‬وحتى‭ ‬القومية‭ ‬والدين‭ ‬والثقافة‭ ‬والعائلة‭ ‬والتراث‭ ‬وتصوراتهم‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬مختلفة‭ ‬برغم‭ ‬وحدة‭ ‬العقائد‭ ‬والأفكار،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مفروض‭. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬مثار‭ ‬استغراب،‭ ‬فالدول‭ ‬العربية‭ ‬وفلسطين‭ ‬مجتمعات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تتباين‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مشتركاتها‭ ‬وانحداراتها‭ ‬التاريخية‭ ‬وبيئتها‭ ‬الجغرافية‭ ‬المتصلة‭. ‬إن‭ ‬البيئة‭ ‬السياسية‭ ‬للبنان‭ ‬هي‭ ‬غيرها‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬أو‭ ‬الأردن‭ ‬أو‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬بلدان‭ ‬الخليج‭ ‬أو‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭. ‬وفي‭ ‬ذات‭ ‬الاتجاه‭ ‬جاء‭ ‬آنذاك‭ ‬توضيح‭ ‬أستاذ‭ ‬الشيوعية‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬همبولدت‭ ‬الألمانية‭ ‬في‭ ‬برلين‭ ‬لذلك،‭ ‬مستشهداً‭ ‬بتباين‭ ‬التجارب‭ ‬كذلك‭ ‬بين‭ ‬ألمانيا‭ ‬وبولونيا‭ ‬ورومانيا‭ ‬وحتى‭ ‬جمهوريات‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬حيث‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬المساجد‭ ‬لصلاة‭ ‬الجمعة‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬الرفاق‭ ‬الشيوعيين‭.‬

‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭: ‬البدايات

‭ ‬والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاجابة‭ ‬عليه‭ ‬باستفاضة‭ ‬أو‭ ‬تحليل‭ ‬تفصيلي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬نشأت‭ ‬الأحزاب‭ ‬الشيوعية‭ ‬العربية،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬البدايات؟

من‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬تنظيمات‭ ‬الشيوعية‭ ‬بدأت‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وفي‭ ‬العقد‭ ‬الثالث‭ ‬تحديداً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬بلدان‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭. ‬فانتصار‭ ‬ثورة‭ ‬اكتوبر‭ ‬الاشتراكية‭ ‬وتأسيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬وسقوط‭ ‬الخلافة‭ ‬العثمانية‭ ‬والتواجد‭ ‬العسكري‭ ‬البريطاني‭ ‬والفرنسي‭ ‬ومعاهدة‭ ‬سايكس‭ ‬بيكو‭ ‬وتشكل‭ ‬الحكومات‭ (‬الوطنية‭) ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬أو‭ ‬الانتداب‭ ‬أو‭ ‬المعاهدات،‭ ‬وما‭ ‬تلاها‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬حركات‭ ‬تحرر‭ ‬وطني‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬التيارات‭ ‬والحركات‭ ‬السياسية‭ ‬الرئيسية‭ ‬التالية‭:‬

‭ ‬التيار‭ ‬الوطني‭  ‬ذو‭ ‬البعد‭ ‬القومي‭ ‬احياناً‭) ‬الداعي‭ ‬لإقامة‭ ‬الدول‭ ‬المستقلة‭ ‬ذات‭ ‬القيادات‭ ‬الوطنية،

‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬قيادات‭ ‬عسكرية،‭ ‬والذي‭ ‬بقى،‭ ‬غالباً،‭  ‬حبيس‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬خارجية‭.‬

‭ ‬التيار‭ ‬القومي‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬وحدة‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬اساس‭ ‬قومي،‭ ‬مثل‭ ‬حزب‭ ‬البعث

‭ ‬العربي‭ ‬الاشتراكي‭ ‬الذي‭ ‬اسسه‭ ‬ميشيل‭ ‬عفلق،‭ ‬المسيحي‭ ‬الدين،‭ ‬وانتشاره‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬

‭ ‬ولبنان‭ ‬والأردن‭ ‬أولاً،‭ ‬والناصريين‭ ‬وحركة‭ ‬القوميين‭ ‬العرب‭ ‬لاحقاً‭.‬

‭ ‬التيار‭ ‬الديني‭ ‬المتمثل‭ ‬بحزب‭ ‬الاخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬ولاحقاً‭ ‬حزب‭ ‬التحرير‭ ‬والدعوة‭ ‬والعديد‭ ‬من

‭ ‬الجمعيات‭ ‬ذات‭ ‬الأهداف‭ ‬السياسية‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭.‬

‭ ‬التيار‭ ‬الشيوعي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬الماركسية‭ ‬اللينينية‭ ‬والمدعوم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأممية‭ ‬العالمية‭ ‬وتحالف‭ ‬الدول‭  ‬الاشتراكية‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭.  ‬ولقد‭ ‬شكلت‭ ‬أهداف‭ ‬العدالة‭ ‬المطلقة‭ ‬في‭ ‬معانيها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وبحث‭ ‬الشباب‭ ‬منهم،‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬يشبع‭ ‬حاجاتهم‭ ‬الجسدية‭ ‬وتطلعاتهم‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬تقدمية‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬والتقاليد‭ ‬والاديان،‭ ‬وطموح‭ ‬الضعفاء‭ ‬إلى‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬الأقوياء،‭ ‬والاقليات‭ ‬من‭ ‬هيمنة‭ ‬الأكثريات،‭ ‬وأسباب‭ ‬شخصية‭ ‬بحتة‭ ‬وعوامل‭ ‬خارجية،‭ ‬شكلت‭ ‬دوافع‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الأحزاب‭ ‬الشيوعية‭ ‬العربية‭.  ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ظروف‭ ‬العداوة‭ ‬للدول‭ ‬الاوروبية‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭ ‬أو‭ ‬المنتدبة‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والدعم‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تقدمه‭ ‬المنظومة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬للأحزاب‭ ‬الشيوعية‭ ‬العربية‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬انتشارها‭ ‬الطموحة‭ ‬واستلامها‭ ‬للقيادات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ (‬عدا‭ ‬اليمن‭ ‬الجنوبي‭ ‬ولفترة‭ ‬زمنية‭ ‬غير‭ ‬طويلة‭. ‬وتعود‭ ‬أسباب‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬تقديرنا،‭ ‬إلى‭ ‬العوامل‭ ‬الأساسية‭ ‬التالية‭:‬

الأخطاء‭ ‬النظرية‭ ‬والأفكار‭ ‬الطوباوية‭ ‬التي‭ ‬مثلتها‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬الفلسفة‭ ‬الشيوعية‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬مع

‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬روحه‭ ‬ونفسه‭ ‬وقيمه‭ ‬ونزواته‭ ‬وميوله،‭ ‬اي‭ ‬في‭ ‬فطرته،‭ ‬وأملها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬

‭ ‬كائن‭ ‬سام‭ ‬ناكر‭ ‬لذاته‭ ‬وهويته‭ ‬الخاصة‭ ‬ومرتبطاً‭ ‬بطبيعة‭ ‬مادية‭ ‬محددة‭.‬

‭ ‬الواقع‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬للمجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬وتاريخها‭ ‬وحضارتها‭ ‬وطموحاتها‭ ‬

‭ ‬وقيمها‭ ‬وأعرافها‭ ‬وفلسفاتها،‭ ‬وارتباطاتها‭ ‬الجديدة‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الخلافة‭ ‬العثمانية‭. ‬ولعل‭ ‬مسائل‭ ‬الدين

‭ ‬والقومية‭ ‬والعائلة‭ ‬والملكية‭ ‬والعلاقات‭ ‬الجنسية‭ ‬والإرث‭ ‬وما‭ ‬شابه‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الشيوعي،‭ ‬قد‭ ‬حظيت

‭ ‬باهتمام‭ ‬سلبي‭ ‬مبكر‭ ‬وكبير‭ ‬لدى‭ ‬المناهضين‭ ‬للشيوعية‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬المبدئي‭ ‬أو‭ ‬الكيدي‭.‬

  ‬محدودية‭ ‬التأثير‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬لأغلب‭ ‬الذين‭ ‬انتموا‭ ‬إلى‭ ‬الأحزاب‭ ‬الشيوعية

‭ ‬العربية‭ ‬وصغر‭ ‬أعمارهم‭ ‬نسبياً‭ ‬وما‭ ‬عرف‭ ‬عن‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬أخلاقيات‭ ‬غير‭ ‬مقبولة‭ ‬اجتماعياً

‭ ‬وبالتالي‭ ‬ضعف‭ ‬نفوذهم‭.  ‬لجوء‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬أقليات‭ ‬قومية‭ ‬ودينية‭ ‬ومذهبية‭ ‬للانخراط‭ ‬المبكر‭ ‬في‭ ‬الأحزاب

‭ ‬الشيوعية‭ ‬العربية‭ ‬وتولي‭ ‬قياداتها،‭ ‬غالباً،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬دوافع‭ ‬هذه‭ ‬الخصوصيات‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬

‭ ‬وتعقيدات‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬تقبل‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬لهذه‭ ‬الأحزاب‭ ‬وتشكيكهم‭ ‬في

‭ ‬نوايا‭ ‬قياداتها،‭ ‬مما‭ ‬سهل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأطراف‭ ‬المعادية‭ ‬للشيوعية‭ ‬وحتى‭ ‬الاشتراكية،‭ ‬من‭ ‬رأسماليين

‭ ‬وأقطاعيين‭ ‬ومتدينين‭ ‬وقوميين،‭ ‬تعبئة‭ ‬وحشد‭ ‬الناس‭ ‬ضد‭ ‬انتشارالشيوعية‭.‬

  ‬موقف‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬بقية‭ ‬دول‭ ‬المعسكر‭ ‬الاشتراكي‭ ‬والأحزاب‭ ‬الشيوعية‭ ‬ومنها‭ ‬العربية،

من‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وقرار‭ ‬التقسيم‭ ‬وقيام‭ ‬دولة‭ ‬اسرائيل‭.‬

‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬أوروبا

‭ ‬لما‭ ‬سبق‭ ‬من‭ ‬أسباب،‭ ‬وبسبب‭ ‬استلام‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قيادات‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬قومية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المعادين‭ ‬للفكر‭ ‬الشيوعي‭ ‬ومحاربتها‭ ‬للأحزاب‭ ‬الشيوعية،‭ ‬إرتاى‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الشرقية‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬بادئ‭ ‬الأمر‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬التضامن‭ ‬السياسي،‭ ‬أو‭ ‬لأسباب‭ ‬علاقات‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬اقتصادية‭ ‬مع‭ ‬أنظمة‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬هرباً‭ ‬أو‭ ‬لجوءًً‭ ‬أو‭ ‬للدراسة‭ ‬أو‭ ‬للاستمرار‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬للعمل‭ ‬أو‭ ‬العيش‭ ‬الهادئ‭. ‬ويشكل‭ ‬اليسار‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬بسبب‭ ‬طبيعة‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وظروف‭ ‬الحروب‭ ‬والتهجير‭ ‬واللجوء،‭ ‬والدوافع‭ ‬والمصالح‭ ‬الخاصة‭ ‬للدول‭ ‬الاشتراكية،‭ ‬خصوصية‭ ‬في‭ ‬تواجده‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬

‭ ‬ولعلي‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬دوافع‭ ‬وأسباب‭ ‬تواجد‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬اوروبا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خبراتي‭ ‬الشخصية‭ ‬البحتة‭ ‬باعتبارها‭ ‬نماذج‭ ‬تمثل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشيوعيين‭ ‬العرب‭ ‬المقيمين‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬وتتباين‭ ‬نسب‭ ‬هذه‭ ‬الأمثلة‭ ‬وتختلف‭ ‬دوافع‭ ‬وجودها‭ ‬اختلافاً‭ ‬كبيراً‭ ‬وجوهرياً‭ ‬أحياناً‭. ‬وعليه‭ ‬أستطيع‭ ‬تبويب‭ ‬دوافع‭ ‬القدوم‭ ‬أو‭ ‬الهجرة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أهميتها‭ ‬النسبية،‭ ‬في‭ ‬المجموعات‭ ‬التالية‭:‬

  ‬مجموعة‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬الاضطهاد‭ ‬والعنف‭ ‬السياسي‭ ‬أوالبحث‭ ‬عن‭ ‬النجاة‭ ‬بالحياة‭.‬

‭ ‬مجموعة‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬حرة‭ ‬يشبع‭ ‬فيها‭ ‬الأنسان‭ ‬حاجاته‭ ‬وميوله‭ ‬دون‭ ‬قيود‭ ‬أو‭ ‬منغصات‭.‬

‭ ‬مجموعة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬وفرص‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومعيشية‭ ‬أفضل

‭ ‬مجموعة‭ ‬المنفيين‭ ‬أو‭ ‬المبعدين‭ ‬السياسيين

‭ ‬مجموعة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬ظروف‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬لاكمال‭ ‬النشاط‭ ‬السياسي‭.‬

‭ ‬مجموعة‭ ‬ذوي‭ ‬المشاكل‭ ‬مع‭ ‬سفارات‭ ‬بلدانها‭ ‬في‭ ‬الخارج‭.‬

‭ ‬مجموعة‭ ‬ذوي‭ ‬المشاكل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬البحتة‭ ‬ممن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يطيقوا‭ ‬الحياة‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬بلدانهم‭.‬

‭ ‬مجموعة‭ ‬الراغبين‭ ‬بفرص‭ ‬دراسية‭ ‬أو‭ ‬علمية‭ ‬لم‭ ‬تتح‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬بلدانهم‭.‬

‭ ‬مجموعة‭ ‬المأجورين‭ ‬لهذه‭ ‬الجهة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭.‬

‭ ‬مجموعة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أجواء‭ ‬أكثر‭ ‬ثقافة‭ ‬وتحضراً‭ ‬من‭ ‬بلدانها‭.‬

مجموعة‭ ‬المرتبطين‭ ‬بزيجات‭ ‬أجنبية‭ ‬يصعب‭ ‬معها‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬بلدانهم‭.‬

‭ ‬مجموعة‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬التزامات‭ ‬وطنية‭ ‬لعدم‭ ‬القناعة‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الرغبة‭ ‬فيها‭.‬

‭ ‬ملاحظة‭.. ‬يمكن‭ ‬لشخص‭ ‬أن‭ ‬تنطبق‭ ‬عليه‭ ‬صفات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭.‬

‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنظومة‭ ‬الاشتراكية‭ (‬قبل‭ ‬انهيارها‭.‬

‭ ‬عاش‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬الشيوعيين‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنظومة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬سابقاً‭. ‬منهم‭ ‬من‭ ‬لجأ‭ ‬إليها‭ ‬هارباً‭ ‬أو‭ ‬لاجئاً،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬بقي‭ ‬فيها‭ ‬بعد‭ ‬دراسة‭ ‬أو‭ ‬أسباب‭ ‬أخرى‭. ‬وقد‭ ‬تذبذب‭ ‬نشاطها‭ ‬السياسي‭ ‬الموجه‭ ‬والمقنن‭ ‬حسب‭ ‬علاقة‭ ‬تلك‭ ‬الدولة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬بدولة‭ ‬الشخص‭ ‬أو‭ ‬المجموعة‭ ‬الشيوعية،‭ ‬والظروف‭ ‬الدولية‭ ‬وحسب‭ ‬تقدير‭ ‬دول‭ ‬المنظومة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬ومصالحها‭. ‬وكانت‭ ‬مجالات‭ ‬العمل‭ ‬للشيوعيين‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الاشتراكية‭ ‬محدودة‭. ‬فالذين‭ ‬عملوا‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الترجمة‭ ‬أو‭ ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬أو‭ ‬الصحافة‭ ‬والاعلام‭ ‬الرسمي‭ ‬أو‭ ‬الدراسات‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬التعلبم،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬أقسام‭ ‬اللغات‭ ‬أو‭ ‬الاستشراق‭ ‬أو‭ ‬الثقافات‭ ‬والفنون‭ ‬الشرقية‭ ‬أو‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬السفارات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الاشتراكية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬السياحة‭ ‬والترجمة‭ ‬والمرافقة‭. ‬كما‭ ‬انزلق‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬غير‭ ‬شرعية‭ ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬اخلاقية‭.‬

وبعد‭ ‬انهيار‭ ‬المعسكرالاشتراكي‭ ‬بدايات‭ ‬عقد‭ ‬التسعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬هاجرت‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الشيوعيين‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬والدول‭ ‬الاسكندنافية‭ ‬لاجئين‭ ‬أو‭ ‬عاملين‭ ‬أو‭ ‬مهتمين‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي‭. ‬وهذا‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬اليساريين‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬لجأوا‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬للعمل‭ ‬أو‭ ‬الدراسة‭ ‬أو‭ ‬العيش‭.‬

‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭:‬

‭ ‬تميز‭ ‬تواجد‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬أوروبا،‭ ‬وتبعاً‭ ‬لاختلاف‭ ‬الأجواء‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬بحرية‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬والتظاهر‭ ‬وعقد‭ ‬اللقاءات‭ ‬والتجمع‭ ‬والعمل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬لهذه‭ ‬الأجواء‭ ‬تأثيرها‭ ‬الواضح‭ ‬على‭ “‬الليبرالية‭ ‬النسبية‭” ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الشأن‭ ‬السياسي‭ ‬فهماً‭ ‬وتطبيقاً‭ ‬قياساً‭ ‬برفاق‭ ‬اليسار‭ ‬في‭ ‬اوروبا‭ ‬الشرقية‭. ‬إن‭ ‬طبيعة‭ ‬الدراسات،لا‭ ‬سيما‭ ‬العلمية‭ ‬والتقنية،‭ ‬وحتى‭ ‬الانسانية‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعية‭ ‬منها،‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬اوروبا‭ ‬الغربية،‭ ‬والتي‭ ‬اتيحت‭ ‬لعدد‭ ‬منهم‭ ‬انهائها‭ ‬وبالتالي‭ ‬تمكنهم‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أعمال‭ ‬داخل‭ ‬أوروبا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬تركت‭ ‬آثارها‭ ‬البالغة‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬والمواقف‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬لهم‭.‬

‭ ‬ملاحظات‭ ‬ختامية

‭ ‬ولي‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬الملاحظات‭ ‬التالية‭   ‬إنني‭ ‬أرى‭ ‬أنه‭ ‬يتوجب‭ ‬على‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬الشجاعة‭ ‬للسمو‭ ‬بالنفس‭ ‬عن‭ ‬الأحقاد‭ ‬والعداوات‭  ‬والضغائن،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تليق‭ ‬إلا‭ ‬بصغار‭ ‬النفوس‭ ‬ومرضى‭ ‬الضمائر،‭ ‬ومراجعة‭ ‬الذات،‭ ‬ولتكن‭ ‬روح‭  ‬المبادئ‭ ‬الوطنية‭ ‬والانسانية،‭ ‬وليست‭ ‬آلياتها،‭ ‬نبراس‭ ‬الجميع‭ ‬وبوصلة‭ ‬مركبه،‭ ‬وراحة‭ ‬نفسه،‭ ‬وأكثرهم

‭ ‬في‭ ‬خريف‭ ‬العمر‭. ‬إنه‭ ‬من‭ ‬الفضيلة‭ ‬والشجاعة‭ ‬أن‭ ‬يتصارح‭ ‬المرء‭ ‬مع‭ ‬ذاته‭ ‬وهو‭ ‬يراجعها‭ ‬في‭ ‬صوابها‭  ‬وخطأئها،‭ ‬وهنا‭ ‬أعني‭ ‬مبادئ‭ ‬الانتماء‭ ‬ودوافعه‭ ‬والهجرة‭ ‬والنظرة‭ ‬الجديدة‭ ‬والأكثر‭ ‬صواباً‭ ‬للمستقبل‭.‬

‭ ‬إنني‭ ‬أشد‭ ‬عتباً‭ ‬على‭ ‬الشجعان‭ ‬والمثقفين‭ ‬من‭ ‬يسارنا‭ ‬العربي‭ ‬ممن‭ ‬عاشوا‭ ‬ويعيشون‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭  ‬شرقها‭ ‬وغربها،‭ ‬والتي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تسمى‭ ‬دولهم‭ ‬بكنيات‭ ‬قومياتهم‭ ‬وتحكم‭ ‬عقولهم‭ ‬الباطنة‭ ‬دياناتهم‭ ‬وقيمهم‭  ‬الروحية‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬انفكوا‭ ‬يرجعون‭ ‬لها‭ ‬ويحتكمون‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬قياداتهم‭ ‬ومؤسساتهم‭ ‬البنوية‭ ‬التوجيهية‭  ‬والتربوية،‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الوطنية‭ ‬أو‭ ‬القومية‭ ‬أو‭ ‬دياناتهم‭ ‬سوى‭ ‬التخلف‭ ‬والقهر‭ ‬والظلام‭.  ‬ها‭ ‬هي‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬قومياتها‭ ‬ودياناتها‭ ‬مخلفة‭ ‬وراءها‭ ‬الاطنان‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬التثقيف

‭ ‬ودبابات‭ ‬السلام‭.‬

  ‬إنني‭ ‬انصح‭ ‬الصادقين‭ ‬في‭ ‬إنتمائهم‭ ‬للأحزاب‭ ‬الشيوعية‭ ‬عدم‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬مستنقعات‭ ‬بيع‭ ‬الانفس‭  ‬والمواقف‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬الكسب‭ ‬أو‭ ‬الاثراء‭ ‬المادي‭ ‬أو‭ ‬شفاء‭ ‬الغل‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المبادئ‭ ‬الإنسانية‭ ‬وشرف‭  ‬النضال‭ ‬الوطني‭ ‬وسمعة‭ ‬ودماء‭ ‬رفاق‭ ‬الدرب‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يحبوا‭ ‬أن‭ ‬يشعروا‭ ‬بخداعهم‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬قبورهم‭! ‬إن‭  ‬هناك‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬اليسار‭ ‬العربي،‭ ‬وبسبب‭ ‬خيبة‭ ‬أمل‭ ‬احسوا‭ ‬بها‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬المعسكر‭ ‬الشيوعي،‭ ‬أو‭ ‬قلة‭  ‬صبر،‭ ‬أو‭ ‬قنوط‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬أحلام‭ ‬ناضلوا‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬يعيشوا‭ ‬اليوم‭ ‬حالة‭ ‬ماسوخية‭ ‬في‭ ‬أشكال‭ ‬بيع

‭ ‬أقلامهم‭ ‬أو‭ ‬أفواههم‭ ‬أو‭ ‬أصواتهم‭ ‬لمن‭ ‬يدفع‭ ‬أو‭ ‬يشتري،‭ ‬أو‭ ‬يعد‭ ‬بكرسي‭ ‬وزارة‭ ‬أو‭ ‬برلمان‭ ‬أو‭ ‬بشهرة

‭ ‬عالمية‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬أتى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬ألد‭ ‬أعداء‭ ‬الانسانية‭ ‬أو‭ ‬المبادئ،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬سوى‭ ‬الفشل‭ ‬والخسران

‭ ‬والضياع‭. ‬إن‭ ‬من‭ ‬يغازل‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭ ‬ويغريه‭ ‬من‭ ‬دوائر‭ ‬وجهات‭ ‬مشبوهة‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬معاداة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو

‭ ‬وطني‭ ‬بتهمة‭ ‬الشوفينية،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قومي‭ ‬بتهمة‭ ‬العنصرية،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إسلامي‭ ‬بتهمة‭ ‬التعصب

‭ ‬والتطرف،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مقاوم‭ ‬بتهمة‭ ‬الإرهاب‭ ‬ومعاداة‭ ‬السلام،‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬لا‭ ‬لليسار‭ ‬العربي

‭ ‬ولا‭ ‬ليمينه‭ ‬من‭ ‬خير‭ ‬أو‭ ‬تقدم‭ ‬أو‭ ‬إخاء‭.‬

‭ ‬

‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬قيادات‭ ‬ومجموعات‭ ‬في‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭ ‬ممن‭ ‬يبرر‭ ‬خيانة‭ ‬العقيدة‭ ‬والتنكر‭ ‬للمبادئ‭ ‬واستباحة

‭ ‬المحظور‭ ‬الوطني‭ ‬والانساني‭ ‬تحت‭ ‬مسميات‭ ‬التكتيك‭ ‬السياسي‭ ‬والمناورة‭ ‬وكسب‭ ‬الوقت‭ ‬ودفع‭ ‬الضرر

‭ ‬الاكبر‭ ‬بالضرر‭ ‬الأصغر،‭ ‬كما‭ ‬يقال،‭ ‬أو‭ ‬إلقاء‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬زيد‭ ‬أو‭ ‬عمر‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬ظروف

‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وهم‭ ‬موقنون‭ ‬ويعلمون‭ ‬أنهم‭ ‬يخدعون‭ ‬الآخرين،‭ ‬وما‭ ‬يخدعون‭ ‬إلا

‭ ‬أنفسهم،‭ ‬لمال‭ ‬أو‭ ‬جاه‭ ‬أو‭ ‬رغد‭ ‬حياة،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬للمناضلين‭ ‬الصادقين‭ ‬أن‭ ‬وعدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬بها‭ ‬وهم‭ ‬يدفعون

‭ ‬بالبسطاء‭ ‬لتقديم‭ ‬أنفسهم‭ ‬قرابين‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬ما‭ ‬هم‭ ‬يخونوه‭ ‬اليوم‭.‬

‭ ‬

‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬عدد‭ ‬ليس‭ ‬بالقليل‭ ‬من‭ ‬الشيوعيين‭ ‬العرب‭ ‬ممن‭ ‬باع‭ ‬مبادئه‭ ‬اليسارية‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والدين

‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والثقافة،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ديمقراطية‭ ‬من‭ ‬االليبراليين،‭ ‬وأكثر‭ ‬طائفيةُ‭ ‬من‭ ‬المذهبيين،‭ ‬وأكثر

‭ ‬جشعاً‭ ‬واستغلالاً‭ ‬وسرقة‭ ‬من‭ ‬الرأسماليين‭, ‬وأكثر‭ ‬ترفاً‭ ‬في‭ ‬ثقافته‭ ‬من‭ ‬البرجوازيين،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬راح

‭ ‬مدافعاً‭ ‬عن‭ ‬الحقوق‭ ‬القومية‭ ‬أو‭ ‬الدينية‭ ‬للآخرين،‭ ‬طالما‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عائداً‭ ‬سياسياً‭ ‬أو‭ ‬مالياً‭ ‬من‭ ‬وراء

‭ ‬ذلك‭.‬

‭ ‬

‭ ‬إنني‭ ‬أحيي‭ ‬الصادقين‭ ‬في‭ ‬يسارنا‭ ‬العربي‭ ‬ممن‭ ‬دفعتهم‭ ‬غرائزهم‭ ‬الإنسانية‭ ‬النبيلة‭ ‬وتطلعاتهم‭ ‬لحياة‭ ‬أكثر

‭ ‬حرية‭ ‬وكرامة‭ ‬وعدالة‭ ‬لانتمائهم‭ ‬السياسي‭ ‬ونضالاتهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك،‭ ‬بغض‭ ‬النظرعن‭ ‬كل‭ ‬الاختلافات

‭ ‬الفلسفية‭ ‬أو‭ ‬التطبيقية،‭ ‬وما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬تجارب‭ ‬الدول‭ ‬الشيوعية‭. ‬إن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬كانوا‭ ‬قد

‭ ‬توقعوا‭ ‬ما‭ ‬ستؤول‭ ‬إليه‭ ‬ممارسات‭ ‬الأحزاب‭ ‬وهذه‭ ‬الدول‭ ‬وعقيدتها،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬جاهر‭ ‬بذلك،‭ ‬ومنهم‭ ‬من

‭ ‬صبر‭ ‬وتأمل،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬آثر‭ ‬العزلة‭ ‬وإنزوى‭.‬

‭ ‬

‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ذكرته‭ ‬فإنني‭ ‬أجد‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وجامعتها‭ ‬التفكير‭ ‬بعقلية‭ ‬جديدة‭ ‬وقلب

‭ ‬أكبر‭ ‬ونفس‭ ‬منفتحة‭ ‬وضمير‭ ‬حي‭ ‬ومسؤول‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬الأبناء‭ ‬وقبول‭ ‬الآخر،‭ ‬واتاحة‭ ‬الفرصة

‭ ‬لأبنائها‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬مصلحة‭ ‬أوطاننا،‭ ‬وعمل‭ ‬كل‭ ‬التسهيلات‭ ‬القانونية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التمكين‭ ‬من‭ ‬ذلك،

‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬ونحن‭ ‬نعيش‭ ‬ظروف‭ ‬التحولات‭ ‬الدولية‭ ‬الكبيرة‭ ‬وطبيعة‭ ‬المفاهيم‭ ‬السائدة‭ ‬حول‭ ‬الديمقراطية

‭ ‬والحرية‭ ‬والتداول‭ ‬السلمي‭ ‬لإدارة‭ ‬البلدان‭ ‬وشؤون‭ ‬الشعوب‭.‬

‭ ‬

‭ ‬

برلين،‭ ‬22‭/‬12‭/‬2008

‭ ‬

مشاركة