مكالمة مع نخلة الله

حسن النواب:

أفقتُ‭ ‬عند‭ ‬الفجر‭ ‬ولساني‭ ‬يلهج‭ ‬بمقطع‭ ‬قصيدة‭ ‬للشاعر‭ ‬الكبير‭ ‬حسب‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر‭:‬‭ ‬دخّنْ‭ ‬ودخّنْ‭ ‬ليس‭ ‬غير‭ ‬الدخانْ،‭ ‬واسأل‭ ‬بقايا‭ ‬الكأس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حانْ‭:‬‭ ‬كيف‭ ‬مضى‭ ‬الماضي‭ ‬وفات‭ ‬الأوانْ؟‭ ‬عند‭ ‬الظهيرة‭ ‬عصف‭ ‬بقلبي‭ ‬الحنين‭ ‬لسماع‭ ‬صوت‭ ‬نخلة‭ ‬الله‭ ‬الذي‭ ‬فارقتهُ‭ ‬منذ‭ ‬‮١٦‬‭ ‬عاما،‭ ‬آخر‭ ‬لقاء‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬الأدباء‭ ‬عام‭ ‬‮٢٠٠٤‬‭ ‬بحضور‭ ‬الحبيب‭ ‬گزار‭ ‬حنتوش‭ ‬وابنه‭ ‬‮«‬‭ ‬محمد‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفارقهُ‭ ‬مُذْ‭ ‬التجئا‭ ‬إلى‭ ‬الأردن‭ ‬هرباً‭ ‬من‭ ‬بطش‭ ‬الطاغية،‭ ‬لكني‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬رقم‭ ‬ولده‭ ‬‮«‬محمد‮»‬‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬جهات‭ ‬الاتصال،‭ ‬فاستعنتُ‭ ‬بالماسنجر،‭ ‬جاءني‭ ‬صوت‭ ‬محمد‭ ‬هادئاً‭ ‬تشوبهُ‭ ‬اللهفة،‭ ‬وبعد‭ ‬تبادل‭ ‬التحايا‭ ‬سألتهُ‭ ‬لأطمئن‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬الطائر‭ ‬السومري‭ ‬الذي‭ ‬اخترق‭ ‬زئبق‭ ‬مرآة‭ ‬القصيدة‭ ‬وأخبرتهُ‭ ‬بحنيني‭ ‬لسماع‭ ‬صوت‭ ‬نخلة‭ ‬الله،‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬طريقي‭ ‬إلى‭ ‬المنزل،‭ ‬وربما‭ ‬أتأخر‭ ‬قليلاً،‭ ‬سأرسل‭ ‬لك‭ ‬رقم‭ ‬غيث‭ ‬ابن‭ ‬اختي‭ ‬نؤاس‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬الوالد،‭ ‬حالما‭ ‬وصلني‭ ‬الرقم‭ ‬اتصلت‭ ‬به،‭ ‬سمعت‭ ‬نبرة‭ ‬الفتى‭ ‬غيث‭ ‬مستفسراً‭ ‬عن‭ ‬المتكلم،‭ ‬أعلنتُ‭ ‬له‭ ‬اسمي،‭ ‬فهتف‭:‬‭ ‬جدو‭ ‬تعرف‭ ‬حسن‭ ‬النوَّاب؟

ومن‭ ‬بعيد‭ ‬تناهت‭ ‬لمسامعي‭ ‬همهمة‭ ‬نخلة‭ ‬الله‭ ‬كأنها‭ ‬لجواد‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬خضمِّ‭ ‬معركة‭ ‬طاحنة،‭ ‬وأعلمني‭ ‬غيث‭ ‬أنَّ‭ ‬جدَّه‭ ‬سيتصل‭ ‬بي‭ ‬حالما‭ ‬ينتهي‭ ‬من‭ ‬استبدال‭ ‬ملابسه‭. ‬انتظرتُ‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭ ‬ورنَّ‭ ‬هاتفي،‭ ‬وملأت‭ ‬مسارب‭ ‬روحي‭ ‬نبرة‭ ‬صوت‭ ‬نخلة‭ ‬الله‭:‬

‭-‬حسوني‭ ‬مشتاق‭ ‬لك

‭-‬من‭ ‬يسمع‭ ‬صوت‭ ‬نخلة‭ ‬الله،‭ ‬لا‭ ‬يقترب‭ ‬منه‭ ‬كورونا‭ ‬ولا‭ ‬الوباء‭.‬

ضحك‭ ‬بقوة‭ ‬وقال‭:‬

‭-‬أنا‭ ‬أشكو‭ ‬من‭ ‬الإنفلونزا‭ ‬الآن‭.‬

‭-‬سلامتك‭ ‬ألف‭ ‬سلامة

‭-‬أبناؤك‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مرحلة‭ ‬دراسية؟

‭-‬تبارك‭ ‬ثالث‭ ‬طب‭ ‬نفسي،‭ ‬وحسنى‭ ‬مرحلة‭ ‬ثانية‭ ‬طب‭ ‬نفسي‭ ‬أيضاً‭.‬

كان‭ ‬نخلة‭ ‬الله‭ ‬يستعين‭ ‬بغيث‭ ‬لإيصال‭ ‬كلامي‭ ‬له‭ ‬أحياناً،‭ ‬وسألني‭ ‬مستغرباً‭:‬

‭-‬الإثنان‭ ‬طب‭ ‬نفسي؟

‭-‬نعم‭ ‬‭-‬لماذا؟

‭-‬حتى‭ ‬يعالجا‭ ‬والدهم‭ ‬المكتئب‭ ‬دائما‭.‬

ضحك‭ ‬من‭ ‬سويداء‭ ‬قلبه‭ ‬الأخضر‭ ‬كحقل‭ ‬من‭ ‬نعناع‭ ‬وريحان،‭ ‬استمرت‭ ‬ضحكته‭ ‬لحظات،‭ ‬فسألتهُ‭ ‬عن‭ ‬زيارة‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الأمير‭ ‬الحمداني‭ ‬إلى‭ ‬منزله،‭ ‬أجابني‭ ‬مثل‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬عيد‭:‬

‭-‬إنسان‭ ‬طيب‭ ‬ومتواضع‭ ‬ودمث‭ ‬الأخلاق،‭ ‬يعرف‭ ‬قيمة‭ ‬المبدع،‭ ‬وقارب‭ ‬نجاة‭ ‬للثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬الحرج‭.‬

أخبرتهُ‭ ‬أنَّ‭ ‬دار‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭ ‬بدأت‭ ‬بإصدار‭ ‬الكتب‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬وسمك‭ ‬كرمز‭ ‬للثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬جائزة‭ ‬حسب‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر،‭ ‬ابتهج‭ ‬لسماع‭ ‬هذا‭ ‬النبأ‭ ‬وكرر‭ ‬الشكر‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭:‬

‭-‬وعدني‭ ‬الأخ‭ ‬الوزير‭ ‬بطبع‭ ‬كتبي‭ ‬المخطوطة‭. ‬

فأجبتهُ‭ ‬واثقاً‭:‬

‭-‬ليست‭ ‬كتبك‭ ‬فحسب‭ ‬إنما‭ ‬أنجاز‭ ‬تمثال‭ ‬نصفي‭ ‬لوجهك‭ ‬السومري‭ ‬كما‭ ‬علمت‭.‬

وعندما‭ ‬سألتهُ‭ ‬عن‭ ‬علاقته‭ ‬بابنة‭ ‬الكروم‭ ‬والتدخين،‭ ‬فاجأني‭ ‬أنه‭ ‬هجرها‭ ‬منذ‭ ‬عامين،‭ ‬ولا‭ ‬يدخن‭ ‬سوى‭ ‬سيجارة‭ ‬واحدة‭ ‬بعد‭ ‬تناول‭ ‬وجبة‭ ‬الغداء،‭ ‬واسترجعتُ‭ ‬معه‭ ‬الذكريات‭ ‬في‭ ‬التسعينيات‭ ‬وسنوات‭ ‬الأردن‭ ‬العجاف،‭ ‬وأمنيته‭ ‬بالإقامة‭ ‬في‭ ‬فنلندا؛‭  ‬فقال‭ ‬لي‭:‬‭ ‬

‭-‬الثلج‭ ‬الذي‭ ‬حلمت‭ ‬أراهُ‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬هلسنكي،‭ ‬غزا‭ ‬رأسي‭ ‬الآن‭. ‬

‭-‬كنتُ‭ ‬أتمنى‭ ‬مواصلة‭ ‬الحديث‭ ‬معه،‭ ‬لكني‭ ‬شعرت‭ ‬بتعبه،‭ ‬قلت‭ ‬لغيث‭ ‬إلثم‭ ‬يد‭ ‬جدك‭ ‬وجبينه‭ ‬وقل‭ ‬له‭ ‬هاتان‭ ‬القبلتان‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬النوَّاب،‭ ‬كنت‭ ‬اسمع‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬غيث‭ ‬لهُ؛‭ ‬ضحك‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وإذا‭ ‬بنبرة‭ ‬صوت‭ ‬حسب‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر،‭ ‬هذا‭ ‬العملاق‭ ‬الذي‭ ‬أبهر‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬والعربية‭ ‬بإبداعه‭ ‬النادر‭ ‬تملأ‭ ‬أذني‭:‬

‭-‬حسوني،‭ ‬قبَّلْ‭ ‬وجهك‭ ‬في‭ ‬المرآة‭.‬

عندما‭ ‬أغلقتُ‭ ‬الهاتف‭ ‬خطر‭ ‬في‭ ‬خَلَدي‭ ‬هذا‭ ‬المقطع‭ ‬الشعري‭ ‬لنخلة‭ ‬الله‭:‬‭ ‬كلَّ‭ ‬مساء‭ ‬كنت‭ ‬أصيخ‭ ‬السمع‭ ‬وأفتح‭ ‬بابي،‭ ‬لكني‭ ‬لا‭ ‬أسمع‭ ‬غير‭ ‬طيور‭ ‬البحر‭ ‬وخفق‭ ‬الأجنحة‭ ‬البيضاء‭:‬‭ ‬وداعًا،‭ ‬لن‭ ‬تدركني،‭ ‬في‭ ‬الفجر‭ ‬أعود‭ ‬دخانًا‭ ‬أبيض‭.‬

hassanalnawwab@yahoo‭.‬com