مكافحة الفساد ودور الأجهزة الرقابية – حيدر عبد الامير الغريباوي

136

مكافحة الفساد ودور الأجهزة الرقابية – حيدر عبد الامير الغريباوي

يعد الفساد في العراق آفة متأصلة في البنية المجتمعية منذ قيام الدولة العراقية الحديثة في عام 1921 وتباين تطورها وتأثيرها في البناء السياسي للنظم السياسية العراقية المتعاقبة، وصولاً الى عام 2003 وما تلا ذلك من سقوط النظام السياسي وقيام نظام سياسي ديمقراطي تعددي واقرار دستور دائم في عام 2005الا ان النظام الجديد واجه تحديات عديدة تختلف في شدتها وخطورتها وكان الفساد أحد اهم هذه التحديات.وأن أهم مخاطر الفساد على المستوى المحلى تتمثل في إهدار الأموال العامة، وسوء تخصيص الموارد وإمكانات التنمية في الوحدات المحلية، وعدم كفاءة الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، وإضعاف المناخ الاستثماري، وانخفاض النمو الاقتصادي وقد صنف الكثير من الباحثين والدارسين الفساد إلى عدد من الاشكال والمظاهر السلوكية، ومن الواضح أن أشكال الفساد كثيرة ومتنوعة، وأساليبه أيضا متنوعة، وبالتالي لا يمكن حصر أشكال الفساد بعدد محدود من الأشكال والمظاهر السلوكية، فلربما يظهر بعد فترة من الزمن شكل آخر جديد من أشكال ومظاهر الفساد، لدى الانسان القابلية على الإبداع والابتكار في هذا المجال كما في المجالات الحياتية األخرى،  وليس الفساد بحد ذاته مشكلة بل المشكلة في شرعنة الفساد وإضفاء الشرعية بطرق مبتكرة وغاية في الاحتراف،. وتعاني مختلف المؤسسات الحكومية من ظاهرة الفساد الاداري والمالي، وبدأت تلك المظاهر تتسع وتتسع لتأخذ أشكال عديدة ومتنوعة، فلكل ظاهرة من مظاهر الفساد أشكال وسبل وطرق عديدة .تحاول هذه الدراسة من خلال تناول الفساد واسبابه ودور الجهات الرقابية في الحد من ظاهرة الفساد في المؤسسات الحكومية، فلابد أن نعرف ما هو الفساد؟ وما مدى تغلغله في الجسد الحكومي العراقي وتوضيح مخاطر هذه الظاهرة التي تمتد الى عدة أبعاد منها الاقتصادية والاجتماعية .

شفافية عالمية

تعرف منظمة الشفافية العالمية الفساد المالي والإداري بـأنه (إساءة استخدام السلطة العامة لتحقيق كسب خاص) اما تعريف صندوق النقد الدولي IMF بانه (علاقة الأيدي الطويلة المعتمدة التي تهدف إلى استحصال الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد أو مجموعة ذات علاقة بين الأفراد)

ويشير الفساد من الناحية القانونية الى ( تجاوز الموظف المختص في الدولة حدود واجباته ومن ثم مخالفته للقوانين والأنظمة السارية أو المرعية بقصد تحقيق منفعة غير مشروعة له أو لغيره مثل الاستيلاء على المال العام ، أو الأملاك الخاصة في الدولة من  أراضي أو عقارات أو آليات)

الجهات المسؤولة على مكافحة الفساد عالمياً ، حددت الجهات التالية كجهات دولية مهمتها مكافحة الفساد الإداري على نطاق عالمي وهي:

أ- منظمة الأمم المتحدة

أصدرت الأمم المتحدة عدد من القرارات لمحاربة ومكافحة الفساد للقناعة التامة بخطورة الفساد وما له من مخاطر وتهديد على استقرار وامن المجتمعات وأصدرت أيضاً اتفاقية لمكافحة الفساد سنة 2004  وقد انضمت إليها كثير من دول العالم .

ب- البنك الدولي

وضع البنك الدولي مجموعة من الخطوات والاستراتيجيات لغرض مساعدة الدول على مواجهة الفساد والحد من أثاره السلبية على عملية التنمية الاقتصادية .

ت- صندوق النقد الدولي

لجأ صندوق النقد الدولي إلى الحد من الفساد بتعليق المساعدات المالية لأي دولة يكون فيها الفساد عائق في عملية التنمية الاقتصادية .

ث- منظمة الثقافة العالمية

أنشأت هذه المنظمة سنة 1993 وهي منظمة غير حكومية (أهلية) تعمل بالشكل الأساسي على مكافحة الفساد والحد منه من خلال وضوح التشريعات وتبسيط الإجراءات واستقرارها وانسجامها مع بعضها في الموضوعية والمرونة والتطور وفقاً للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية .

مكافحة الفساد

ويبرز دور الاجهزة الرقابية في مكافحة الفساد في العراق وما يترتب عليه من الآثار السلبية على كافة مفاصل الدولة والتي أدت الى تعدد سبل مكافحته وذلك من خلال المحاسبة اي خضوع الأشخاص الذين يتولون المناصب العامة للمساءلة القانونية والإدارية عن نتائج أعمالهم، أي أن يكون الموظفين الحكوميين مسؤولين أمام رؤسائهم ( الذين هم في الغالب يشغلون قمة الهرم في المؤسسة أي الوزراء ومن هم في مراتبهم ) الذين يكونون مسؤولين بدورهم أمام السلطة التشريعية التي تتولى الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية .

فلا بد من المسائلة التي هي واجب المسؤولين عن الوظائف العامة، سواء كانوا منتخبين أو معينين، فيتوجب عليهم تقديم تقارير دورية عن نتائج أعمالهم ومدى نجاحهم في تنفيذها، وحق المواطنين في الحصول على المعلومات اللازمة عن أعمال الإدارات العامة ( أعمال النواب والوزراء والموظفين العموميين ) حتى يتم التأكد من أن عمل هؤلاء يتفق مع القيم الديمقراطية، وهو ما يشكل أساساً لاستمرار اكتسابهم للشرعية والدعم من الشعب .

إذ هناك جهات ترتبط بالسلطة التنفيذية، وأخرى بالسلطة التشريعية، وأخرى مستقلة – تعمل تحت إشراف مجلس الوزراء، وهناك مؤسسات رقابية في العراق تعمل على مكافحة الفساد الإداري والمالي في العراق والتي تتمثل بالاتي:

– ديوان الرقابة المالية : والتي تعد الجهة المسؤولة عن التدقيق المالي في العراق أنشأ سنة 1990 مهمته تزويد الجمهور والحكومة بالمعلومات الدقيقة الخاصة بالعمليات الحكومية والأوضاع المالية لغرض تعزيز الاقتصاد من خلال مهمة التدقيق المالي وتقييم الأداء لغرض مكافحة الفساد المالي وبعد 2003 وتم تفعيل دورها بموجب الأمر 77 لسنة 2004 لتعزيز الاقتصاد من خلال مهمة التدقيق المالي وتقييم الأداء لغرض مكافحة الفساد المالي، وديوان الرقابة المالية الاتحادي مرتبط بمجلس النواب، ومسؤوليته الرقابة اللاحقة على عن أعمال التدقيق على المال العام أينما وجد، فضلا عن مهامه في تقويم الاداء في الجهات الخاضعة لرقابته، ويعد أعلى مستوى للرقابة في الدولة (الدور الرقابي لمجلس النواب)

– هيئة النزاهة : أنشأت هيئة النزاهة بموجب الأمر 55 لسنة 2004 مهمتها التحقيق في حالات الفساد المشكوك فيها قبول الهدايا والرشاوي والمحسوبية والمنسوبية والتمييز على الأساس العرقي أو الطائفي واستغلال السلطة لتحقيق أهداف شخصية أو سوء استخدام الأموال العامة من خلال وضع أسس ومعايير للأخلاق الخدمة العامة وثقافة مبنية على الشفافية والنزاهة والشعور بالمسؤولية التي يستوجب الالتزام بتعليماتها مـن قبل جميع موظفي الدولة، فضلاً عن عقد ندوات وإعداد برامج توعية للتثقيف وتبني ثقافة مبنية على الشفافية والنزاهة والشعور بالمسؤولية، وهي من الهيئات المستقلة التي نص عليها الدستور صراحة، وأخضعتها المحكمة الاتحادية العليا الى إشراف مجلس الوزراء، وتتولى التحقيق في قضايا الفساد تحت إشراف القضاء ولها بعض الادوار الوقائية المتمثلة بملاحقة الكسب غير المشروع، والتثقيفية المتمثلة بنشر ثقافة النزاهة، والشفافية، والمساءلة.

-مجالس المحافظات، ولها دور رقابي على عمل المحافظ، والتشكيلات المرتبطة به، وعمل التشكيلات التي تعمل في حدود المحافظة.

– تشكيلات التدقيق والرقابة الداخلية المرتبطة بالوزير أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة، وتتولى إجراءات الرقابة السابقة للصرف في الوزارة. ومن المهم أن نشير ان تعدد المؤسسات الرقابية واختلاف مسؤولياتها ليست من مصلحة العمل الرقابي حيث انها ستطول الإجراءات و الآراء والتفسيرات بالاضافة الى حجم التأثيرات الخارجية على كل منها، اذ من الاجدى توحيد تلك المنظومة الرقابية في جهاز واحد ذات صلاحيات واسعة ويضم كل الخبرات المحاسبية والادارية والتحقيقية والقضائية من اجل اتخاذ قرارات حاسمة بوجه الفساد باسرع وقت وباقل جهد وتكاليف . ورغم اداء هذه الجهات الرقابية الا ان الفساد بقى ينتشر وترتفع مؤشراته وهذا يعطي انطباعا خطيرا عن العراق خصوصا وان مؤشر المنظمات الدولية قد وضع العراق في المراتب المتأخرة في الترتيب الدولي للفساد، والذي ينبني على مؤشرات متعددة لايمكن للرغبات السياسية الحكومية تغييرها او التأثير عليها، وهو يؤشر انخفاض قدرة الحكومة العراقية على ادارة ملف الفساد المالي، وهو يرجع لوجود عدة تحديات تجعل القدرة على ادارة هذا الملف الشائك غير ممكنة، اذ تم اتخاذ تدابير عديدة لمواجهة الفساد على صعيد إقرار بعض القوانين ودعم الهيئات الوطنية المعنية بمكافحة الفساد في مؤسسات الدولة، بات الفساد الاداري آفة إدارية متفشية في القطاعين العام والخاص على حد سواء في جميع دول العالم بلا إستثناء، حتى أنه يكاد يمر يوم من دون أن تطلع علينا وسائل العالم المكتوبة أو المرئية أو المسموعة بأخبار عن هذا الداء العضال، وفي مسح أجراه البنك الدولي تناول 3600 منشأة في 69 دولة في العالم عام 1997 تبيَّن أن الفساد يعدُّ من العقبات الرئيسة التي تواجه التنمية في تلك الدول.

مشاركة