مكاتيب عراقية

350

مكاتيب عراقية
قبر ببطن قطة
علي السوداني
أليوم الذي يبدأ بسوء، ينتهي بسوء. كان هذا هو تمام ما كتبته، في مفتتح واحدة من قصار قصصي البائدة . عنوان القصة “اعلان مده ” وكانت مهداة الي عبد الخالق الركابي، الروائي والقاص الرافديني المدهش . بطل القصة لم يكن يمشي علي عكاز، او يجعل جديلته الشائبة، تنسرح من تحت قبّعة، أو يضحك، فيفقد عيناه . أنا أحببت قصتي تلك، لكنّ مفتتحها الحكيم، ظل يطاردني كما لعنة. صرت منسجماً حدّ التواطؤ مع ذلك المستهل الناعق. أول البارحة، صحوت علي صوت خرخشة، منبعها جاء من صوب شرفتي الصغيرة . قمت متثاقلاً مشيولاً بقوة حدوس الأبوة وحناناتها المهلكة، لألقي الصغيرين، نؤاساً وعلي الثاني، يسوران قفص الطيور، بالأيدي وبالدمعات السواخن وبالحيرة. كان في القفص، عصفوران، من صنف تسميه الناس الآن “فناجس” وكانت الأنثي قد باضت خمس بيضات، فكرّكت هي والذكر، فوق البيضات الدافئات، وكانت العائلة ــ كلها ــ تنطر مرأي التفقيس والتطعيم والزق الذي شفناه غير مرة ومرة، من علي شاشة التلفزيون. لسوء الحظ، فإن الأمر لم يحدث، ونؤاس وعلي الثاني، مازالا يحضنان القفص برفق وهدوء، لم يكسره انشتال الأب التعبان، فوق رأسيهما. كان عليّ أن أتصرف بقوة مثل تلك التي رأيت عليها، فرقة موسيقي بديعة، ظلت تعزف لحن البقاء، وطوق النجاة، حتي اللحظة التي انقصم بها ظهر الباخرة المشهورة ” تايتانيك”. انحنيت علي الولدين الحلوين، ومشطت شعرهما المسدول، بأصابع حريفة، وأخبرتهما، بأن هذا الصنف من الطير، يسمي ــ أيضاً ــ طيور الجنة. سألني نؤاس الشاطر المشاكس، سؤالاً مربكاً مبلبلاً، فأجبته اجابة مفحمة، كنت تعلمتها من زخّ المخيال المرشوش فوق جسد قصتي القصيرة “اعلان مدهش”. فتحت باب القفص الساكت، ومددت يدي في بطن العش المعلق بسقفه، وأمسكت بالطيرين الجامدين فوق خمس بيضات. ثمة وصلة قماش فائضة مشمورة تحت ماكنة الخياطة، خاصة ايمان. لففت الطيرين الجميلين، بقطعة القماش، وخرجت صحبة نؤاس وعلي الثاني، خارج الدار، حيث زيتونة مدرارة تنمو في مربع من تراب حر. أخبرتهما، بأن علينا أن نترك العصفورين المكفنين، تحت ظل الشجرة، وفي أول المساء، سيأتي ملك صالح، ويطير بالطيرين الي الجنة الخالدة. في تلك اللحظة المبروكة والمرتبكة ربكة فاضل الخياط، كان بوسعي أن أري قطة من قطط شباط اللبّاط، تنزرع بموضع شبهة، حيث حاوية الزبالة، وتتلمظ وتمسح شاربيها بلسان فصيح يكاد يحكي. دخلنا الدار علي قدر عظيم من راحة البال والضمير ــ أنا علي الأقل ــ ويعلم الله، بأنني قد بذلت كل ما تبقي من روح هذا اليوم، من أجل أن ينسي الولدان، حكاية الملاك الصالح، وعشبة الخلود التي بلعها الطيران قبل نفوقهما، الّا أنهما أصرا علي سحلي الي مساء اليقين، كما لو أن واحدهما، بوده أن يقول لي: أنه يصدقني تماماً، لكن فقط يريد أن يطمئنّ قلبه. بباب الدار، وفوق تراب الزيتونة، كان ثمة قطعة قماش مفضوضة، وريشات تتطاير، وقطة تتلمّظ فوق الرصيف الثاني، وترشّ علينا، تلويحات الأمتنان والحبور والرضا. عندما عدنا الي الدار، لم يكترث الولدان المضجران، لعرض “توم وجيري” الحديث، بل واصلا طعني بنبال الأسئلة الموجعة، عن سر الريش المبعثر تحت شجرة الزيتون، ووصلة القماش المتهتكة. واصلت ليلتي كلها، أحكي وأحاجج وأفسّر، حتي خدر الولدان الكبدان وناما نومة العوافي، وتركا أباهما المتدروش الحيران، منهشة ومركلة، لألف سؤال وثلاثة. كونوا بخير، أنتم والبلاد، مع زخة أحلام وردية!!
/2/2012 Issue 4122 – Date 14- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4122 – التاريخ 14/2/2012
AZP20
ALSO

مشاركة