مكاتيب عراقية ـ مائدة موحشة مثل أسمال الملوك ـ علي السوداني

221

مكاتيب عراقية ـ مائدة موحشة مثل أسمال الملوك ـ علي السوداني
لم يسر اليوم على ما خطّطت ُ واشتهيت وأردتُ وانتويتُ. في الزمن الذي كنت أحاول فيه، عصرَ ذاكرتي المعطوبة، كي أستعيد ملامح هذا الكائن الغريب، الذي فضّ بكارة مائدتي الموحشة، وقع ما لم يكن معتاداً ابداً في هذا الآن المبكر من زمان الحانة. الزبائن كرعوا أخير كؤوسهم وهم قيام. الرجل اليومي السمين، شفط كأساً عملاقة من عرق صرف، واستدار متلمظاً نازلاً أولى عتبات السلّم الذي بدا مظلماً هذه المرة. الآن انطفأت كل قناديل المكان، ولم يبق سوى ضوء شحيح لا يكاد يغطي المائدة. الساعة تحت مساء التاسعة بقليل، وهو ليس موعد تغليق الحانة. لم تطل حيرتنا، اذ اتى نادل الحانة ممدوح القبطي، مقبلاً علينا بوجه شال ابتسامة، هي خلطة من أسى وشماتة وخبث ومداعبة. قال بلهجة مصرية فرعونية مدعوكة بلكنة عمّونية
ــ يلّلا يا استاز سعدون، بدنا انسكّر.
ــ لكن الوقت ما زال مبكراً يا سي ممدوح يا أمير، خاصة ان اخبار المساء لم تشر الى غزو اسرائيلي وشيك
ــ الله عليك يا استاز سعدون، انت دايماً امفرفش وضارب الدنيا بالكندرة. يا سيدي لا هي اسرائيل ولا هو بطيخ امبسمر، بس الاذاعة حكت انو بكرة هيكون اول محرم.
ــ طيب لنحتفل اذن بمقدم العام الهجري الجديد ونرفع الكؤوس بصحة الرعية ــ ما انت عارف التعليمات يا استاز، ولو الشرطة دخلوا دلوكت، هيودّونه بداهية، بس علشان معزتك وغلاوتك عندي، هسيبكو تشربوا كاسين بالكتير، وتتسهلوا وتستروا علي الله يستر عليكم.
ــ متشكرين يا أمير الامرا، واذا بدّك، حطّ المزلاج بباب السلّم، وطفّي ضو الشارع، كي لا نرى الشرطي، ولا الشرطي يرانا.
ــ من عينيّ يا استاز، بس الله يستر عرضك، كاسين وبس.
ــ على راسي يا كبير يا طيب يا واد يا بتاع كلّو، وبتاع التلات ورقات
انشغل ممدوح القبطي بترتيب وتنظيف بقية الطاولات، مما خلّفه الزبائن الشاردون، أما أنا فلقد عدتُ الى قفص الذاكرة الذي حبسني فيه ضيفي الجديد. قلت له انعش ذاكرتي أيها الصاحب، بقصّة كنّاها معاً، كي تساعدني على استعادتك بقوة. قال سأفعل، لكن ألا ترى الى سي ممدوح، وهو ينطر انفناء الكأس الثانية، كي يسحلنا من أرجلنا ويرمينا خارج الحانة؟
قلت دعك من الولد ممدوح، لأنني انتهيت اللحظة، من تجهيز فخ له، سيجرّهُ ممتناً الى طاولتنا، وسيسهر على رعايتنا، طعاماً ساخناً وشراباً طيباً وغناء متصلاً حتى مخرز الفجر.
ممدوح يجلس اللحظة خلف بار الخشب ومقترباته، وقد خلقته ايادي المهرة الشوام. فوق رأسه تماماً، لوحة عملاقة ترسم آهة شهية من مارلين مونرو، قيل انَّ رسام الحارة وحكّاءها، غسان مفاضلة، كان صنعها وقدمها هدية الى صاحب الحان، في عصرية الافتتاح الكبير، وقيل أيضاً، انّ الرجل الطيب، داوود الشركسي مالك الحانة، قد دفع سعر حماقته تلك، ببذخ موصول، اذ كان الندل يقدمون الطعام والشراب المجاني، لصعلوك الحان ورسام الحارة، حتى انكسار كأسه الاخيرة. لقد سقط غسان تحت طاولته المرفهة باليسر ولم ينهض ثانية، لكنه في واحدة من سكراته الجسام، نهض متضعضعاً تالفاً، مائلاً قليلاً عن مركز ثقله، آمراً بلهجة محببة، كبير الندل ممدوح القبطي، أن يأتيه بورقة بيضاء، صارت تالياً، احدى مقتنيات الساقي العزيزة، الذي ما انفك يتطاوس بها ويتبختر، كلما رماه الدهر بنائبة. وقيل في مرويّة ثانية، أنَّ الوريقة البيضاء، فرّخت وريقات بيضاً ومسوّدات مبصّقة، مثل أسمال الملوك وصاحبها جان دمّو

AZP20
ALSO

مشاركة