مكائد أسرة كرزاي في أفغانستان

377

مكائد أسرة كرزاي في أفغانستان
جيمس ريزن
ترجمة سناء عبد الله
واشنطن ــ فيما تلوح في الأفق نهاية وشيكة لأيام الرئيس حامد كرزاي في منصبه كرئيس لأفغانستان، يحاول أفراد أسرته بذل ما يستطيعون من أجل حماية مكانتهم، اذ يتدارسون سبل التشبث بالحكم في وقت تدور فيه حرب سرية في ما بينهم للسيطرة على الثروة التي جمعوها خلال السنوات العشر الماضية.
ويفكر أحد أشقاء الرئيس ويدعى قيّوم كرزاي بالترشح الى منصب الرئيس في أفغانستان عندما يحين موعد تنحي شقيقه عن السلطة سنة 2014. وفي غضون ذلك، دخل بقية الأشقاء في حرب للهيمنة على جوهرة التاج في امبراطورية العائلة، وهي أكبر مشروع اسكان خاص في افغانستان. وقد تسبب النزاع على المشروع الذي يعرف في أفغانستان باسم آينو مينا ، في تبادل اتهامات السرقة والابتزاز بين أفراد الأسرة، بل حتى تردد وقوع حوادث اغتيالات ذات صلة بالمشروع. في هذا الصدد، يقول قيّوم كرزاي أنها الأسرة. لقد كان هناك غضب، وسيزول مع مرور الوقت. آمل أن يتمكنوا من تجاوز المشكلة .
ويتردد أيضا أن أحد أشقاء كرزاي قام مؤخرا باعتقال أحد المساعدين القدامي للرئيس كرزاي في محاولة لدفعه الى الكشف عن مكان وجود الأموال والأصول التي خبأها شقيقه أحمد ولي كرزاي، وهو شقيق آخر للرئيس كرزاي ، كان مسؤولا عن منطقة جنوب افغانستان قبل أن يتم اغتياله العام الماضي. وكان أحمد ولي غالبا ما يُتهم بجني الأرباح من تجارة الأفيون وطيف واسع من العقود الفاسدة، رغم نفيه لتلك الاتهامات في حينه.
ويتسبب الانسحاب الوشيك للقوات الأمريكية ولقوات حلف الناتو سنة 2014 من الحرب التي لم تحسم بعد، مع خروج الرئيس كرزاي من القصر الرئاسي، بالقلق في صفوف النخبة الأفغانية التي كانت من أكبر المستفيدين من الحرب في أفغانستان، والذين أثروا بسببها من خلال العقود العسكرية الأمريكية، والعقود التجارية المحلية مع الشركات الأجنبية، والفساد الحكومي وتجارة المخدرات.
في هذا الصدد، يقول سيث جونز، المحلل في مؤسسة راند ان كنتَ واحدا من النخبة الافغانية، فان مسألة أين تضع نقودك وأين تعيش يشكلان سؤالا لا اجابة عليه في الوقت الحاضر. لأن ذلك يعني بأنك تفكر في تحويل أموالك والعثور على بديل مناسب لمكان عيشك المستقبلي .
ويؤكد الكثير من رجال الأعمال وكبار الموظفين الأفغانيين بأن عائلة الرئيس كانت من بين أكثر العوائل التي أثرت ثراءً فاحشاً في البلاد. ويذكر في هذا الصدد أن العديد من أفراد أسرة الرئيس الأفغاني كرزاي يحملون الجنسية الأمريكية، وكانوا قد عادوا الى البلاد بعد اطاحة القوات المتحالفة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بنظام طالبان سنة 2001 وجاءت بالرئيس كرزاي الى السلطة.
وقال العديد من المراقبين السياسيين في كابل بأن أي ترشح للرئاسة من جانب قيوم كرزاي، وهو من سكنة ولاية ماريلاند الأمريكية وعمل في البرلمان الافغاني، ستكون بمثابة مغامرة كبيرة بسبب الاجهاد الذي عانت منه البلاد تحت حكم حامد كرزاي والاستياء الواسع من الفساد المستشري الذي ساد حكومته. ولا تقتصر الشكوى على هؤلاء بل ترد انتقادات مشابهة من شركاء عائلة كرزاي في الأعمال التجارية. الى ذلك، قال عبد الله نادي، وهو مستثمر أمريكي من أصول أفغانية من ولاية فرجينيا وهو شريك في مشروع آينو مينا ولكنه يحاول الخروج من المشروع لدينا حكومة غير شرعية وغير مسؤولة بسبب كرزاي وأسرته .
وفي الوقت الذي تستغل فيه الأسرة الفرص المتاحة لها في أفغانستان، يتورط أفراد أسرة كرزاي منذ سنين في مشاحنات، ومشاعر غيرة، وخلافات تجارية، ونزاعات عائلية، بل حتى اتهامات بالقتل. وفي عائلة تسودها الانقسامات، يصعب في أغلب الأحيان الوقوف على الحقيقة، لكن الجميع متفقون على أن الخلاف على السيطرة على الامبراطورية يمكن أن يرجع الى موت أحمد ولي كرزاي في شهر تموز من سنة 2011، والذي تحول من مجرد نادلٍ في مدينة شيكاغو ليصبح واحدا من أقوى رجالات افغانستان، ويحتل منصب رئيس مجلس محافظة قندهار.
ولقد ترك مقتله على يد رجل أفغاني، يعتقد أنه كان مواليا له، فراغا سياسيا في قندهار، وكذلك في أسرة كرزاي. وقام الرئيس كرزاي فيما بعد بتعيين شقيق آخر له يدعى شاه ولي كرزاي لكي يحل محل الشقيق المقتول كرئيس للقبيلة التي ينتمي اليها كرزاي. ولم يتوقع أحد الشيء الكثير من ذلك الشقيق. ويعد شاه ولي رجلا هادئا ومحافظا طغت عليه الى حد كبير شخصية شقيقه أحمد ولي كرزاي، حتى أنه سكن في المجمع ذاته الذي سكن فيه شقيقه في قندهار.
لكن مهمة شاه ولي كرزاي شهدت تحولا خلال السنة الماضية. فعلاوة على دوره كزعيم للقبيلة، فهو يعمل كمدير لمشروع آينو مينا السكني المترامي الأطراف الذي يشيد في ضواحي قندهار من جانب مؤسسة آفكو وهي شركة تجارية يمتلكها شقيق آخر يدعى محمود كرزاي مع شركائه الأربعة.
ولقد قامت هذه الشركة بتشييد ثلاثة آلاف مسكن، وهي تخطط لتشييد نحو 14700 وحدة سكنية. ويقوم المستثمرون بتشييد هذه المساكن فوق قطعة أرض تبلغ مساحتها عشرة آلاف هكتار، وهي أرض يقول القادة العسكريون في افغانستان بأنها تعود لوزارة الدفاع وقد تم الاستيلاء عليها بصورة غير شرعية.
في غضون ذلك، غابت مشاعر القناعة التي كانت ظاهرة على شاه ولي كرزاي، الذي شعر بالقوة بعد وفاة شقيقه أحمد ولي كرزاي، اذ لم يعد يقبل بأن يكون مجرد موظف في شركة آينو مينا. وفي خلال الأشهر القليلة الماضية، قام بتأسيس شركته التجارية الخاصة في قندهار وقام سراً بتحويل كل المبالغ النقدية من حسابات المصرف المعني ببناء المجمع السكني الى حسابات جديدة خاصة بشركته التجارية الجديدة.
ووفقا للعديد من شركائه في شركة آفكو ، فقد قام شاه ولي كرزاي بتحويل نحو 55 مليون دولار أمريكي الى حساب آخر. في هذا السياق يقول محمود كرزاي قام بكل بساطة بفتح حساب لشركة أخرى، ووضع الأموال في حساب الشركة الجديدة .
واتهم السيد نادي، وهو أحد الشركاء في شركة آينو مينا، اتهم شاه ولي كرزاي بتزوير توقيعه على مستندات لتبدو وكأنه قد وافق على تأسيس شركة شاه ولي كرزاي بوصفها الشركة المسؤولة عن مشروع آينو مينا. وأضاف السيد نادي في مقابلة مع الصحيفة قائلا لم تكن لدي أدنى فكرة عما كان يدور .
وعندما اكتشف محمود كرزاي بأن شقيقه قد فعل ما فعل، طالب شاه ولي باعادة الأموال. غير أن الأخير رفض ذلك، بل أصر على القول بأنه أصبح شريكا في آينو مينا. وفي حين رفض محمود وشركاؤه الواقع الجديد، فقد نشب بين الطرفين خلافا مريرا.
من جانبه، لا ينكر شاه ولي كرزاي تحويل الأموال الى شركته الجديدة. لكنه يبرر فعلته بالقول بأنه تصرف من أجل حماية الأموال خدمةً للشعب في قندهار. ونُقل عنه قوله للبعض في قندهار بأنه لو لم يستحوذ على الأموال تلك، ربما كان شقيقه محمود كرزاي قد قام بتحويلها الى حسابات مصرفية سرية في دبي. ويضيف شاه ولي مبررا بأن آينو مينا كانت ستتعرض الى خطر الفشل كما حصل تماما مع بنك كابل ، وهو مشروع آخر تعود ملكيته لمحمود كرزاي.
ويعتبر محمود كرزاي شخصية رئيسية ضالعة في الفضيحة التي كادت أن تطيح ببنك افغانستان سنة 2010، وهو أكبر مصرف في البلاد. وقد خسر البنك في خضم تلك الفضيحة نحو 900 مليون دولار جراء صفقات غير مشروعة داخل البنك، ويعتقد أن غالبية هذه الصفقات انتهى بها المطاف في حسابات سرية في دبي. وفي السنة الماضية، قامت هيئة محلفين اتحادية عليا في واشنطن ببحث جنائي في نشاطات محمود كرزاي التجارية في افغانستان، وتابعت الاتهامات الموجهة اليه ذات الصلة بجرائم التهرب الضريبي والكسب غير المشروع والابتزاز. ولم توجه أية اتهامات ضد محمود كرزاي الذي يحمل الجنسية الأمريكية. في هذا الصدد، قال شاه ولي كرزاي في بيان ردا على اسئلة تتعلق بتحويله الأموال الخاصة بالمشروع السكني أن الأموال تعود الى الشعب في قندهار. لقد دفع الشعب معظم هذه الأموال لتمويل البنى التحتية في آينو مينا. وعندما أصبحت مديرا للمشروع، كان المشروع مديناً بالأموال للبنك وللمقاولين المحليين، فتم تسديد كل الديون وبذلك حولت الشركة من شركة تكاد أن تكون مفلسة الى شركة ناجحة .
وقال محمود كرزاي بأنه تقدم مع شركائه بشكاوى الى المدعي العام في افغانستان اتهموا بها شاه ولي كرزاي بسرقة أموالهم واستخدام اسلوب الابتزاز للاستحواذ على حصة شريك في مشروع آينو مينا. بيدّ أن المدعي العام رفض الطلب المقدم ضد شاه ولي كرزاي، ويبدو أنه لم يكن مستعدا لأن يتورط في ما رآه حربا عائلية.
من جانبه، قال قيوم كرزاي بأنه حاول التفاوض من أجل التوصل الى تسوية للمشكلة، لكنه تراجع عن ذلك فيما بعد، حيث قال في مقابلة أجريت معه بأنه لاحظ أن الأعصاب مشدودة. لقد حاولت التوسط، لكني فشلت .
أما الرئيس كرزاي فقد كان مترددا بشأن بالوقوف الى جانب أي طرف في النزاع العائلي، رغم أن حكومته كانت قد أقحمت في الموضوع. وقد تدخل أخيرا البنك المركزي الأفغاني حيث قام بتجميد حسابات شركة شاه ولي كرزاي. الى ذلك، قال محمود كرزاي بأن الأمور تتجه نحو التوصل الى اتفاق لتسوية الأمر، غير أن الشركاء الآخرين يقولون بأن الخلاف لم يحسم بعد.
وفي خضم هذا النزاع، كشف المسؤولون الأمنيون الأفغان النقاب عن خطة لقتل محمود كرزاي. فقبل نحو شهرين، تعرفت الدائرة الوطنية للأمن، وهي وكالة الاستخبارات الداخلية الافغانية، على ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص، بمن فيهم موظفين اثنين سابقين في مشروع آينو مينا، ممن كانوا قد تورطوا في مؤامرة لقتل محمود كرزاي، وربما آخرين. وقد تم اعتقال أحد الأشخاص ثم اطلق سراحه فيما بعد. أما الرجلان الآخران اللذان كانا يعملان في آينو مينا اللذين تورطا في المؤامرة فقد طردا من جانب محمود كرزاي.
ولم يوجه المسؤولون الأمنيون الأفغان الاتهام الى شاه ولي كرزاي بشأن تورطه في المخطط. وفي هذه الأثناء، ينفي ولي شاه أي دور له في الأمر، فيما قال محمود كرزاي في مقابلة معه أرفض أن اصدق بأن لشقيقي أية صلة بهذا الأمر .
أما أفراد الأسرة فقد ذكروا بأن شاه ولي كرزاي كان يحاول حل لغز ثروة شقيقه المتوفى. فبعد مقتل أحمد ولي كرزاي، قام أقرب معاونيه الذي وثق به، ويدعى زاماراي، وهو كالكثير من الافغانيين يستخدم أسمه الأول فقط في التعريف عن نفسه، بالانتقال الى دبي. وقد تسببت التقارير الواردة من دبي حول أسلوب حياته الباذخ بتغذية مشاعر الشك داخل الاسرة والتي مفادها بأن زاماراي تمكن من الوصول الى مكان الثروات التي خبأها أحمد ولي كرزاي، وربما من خلال حسابات وممتلكات وضعت باسم زاماراي.
ووفقا لبعض الأقارب، ولدى عودة زاماراي مؤخرا الى قندهار ــ ادعى بعض أفراد الأسرة بأنه استدرج للعودة الى البلاد من جانب عزيز كرزاي، سفير افغانستان في روسيا وعم الرئيس كرزاي، وهو ادعاء ينفيه السفير بشدة ــ تم احتجازه من قبل رجال أمن يعلمون بامرة شاه ولي كرزاي.
في هذا السياق، يقول محمود كرزاي بأنه يعتقد بأن زاماري يعلم بمكان وجود مليون أو مليوني دولار . ويقول آخرون على اطلاع بالموضوع بأن شاه ولي كرزاي يشك بأن زاماراي يعرف مكان وجود ملايين الدولارات المخبأة في دبي وأماكن أخرى، بما في ذلك الأصول في المشاريع التجارية والعقارات في أفغانستان.
ويقول العديد من المطلعين على الموضوع الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم خوفا من تعرضهم للانتقام من جانب عائلة كرزاي بأن زاماراي معتقل في سجن ساربوسا في قندهار تحت حراسة رجال أمن تابعين لشاه ولي كرزاي وليس حراس السجن الاعتياديين. ولم توجه أية تهمة الى زاماراي. ولدى الاستفسار من جيرالد بوزنر، محامي عائلة كرزاي، عن زاماراي وفيما اذا كان محتجزا من جانب شاه ولي كرزاي، امتنع الأخير عن التعليق.
/6/2012 Issue 4229 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4229 التاريخ 19»6»2012
AZP07