مقتل البغدادي

رافد جبوري

كثيرون‭ ‬لم‭ ‬يتوقعوا‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬زعيم‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬ابو‭ ‬بكر‭ ‬البغدادي‭ ‬موجودا‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬ادلب‭ ‬شمال‭ ‬غربي‭ ‬سوريا‭. ‬فالمحافظة‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬تنظيم‭ ‬هيئة‭ ‬تحرير‭ ‬الشام‭ ‬واهم‭ ‬مكوناته‭ ‬جبهة‭ ‬النصرة‭, ‬وهي‭ ‬العدو‭ ‬اللدود‭ ‬لتنظيم‭ ‬داعش‭. ‬كان‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬البغدادي‭ ‬مختبأ‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ,‬فالبغدادي‭ ‬وتنظيمه‭ ‬يعرفون‭ ‬العراق‭ ‬جيدا‭ ‬ومن‭ ‬المنطقي‭ ‬الافتراض‭ ‬بانهم‭ ‬في‭ ‬اسوأ‭ ‬الظروف‭ ‬كانوا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الاختباء‭ ‬فيه‭ ‬للاعداد‭ ‬للانطلاق‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬لكن‭ ‬البغدادي‭ ‬لقى‭ ‬حتفه‭ ‬في‭ ‬هجوم‭ ‬اميركي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬السورية‭ ‬التركية‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬مايبدو‭ ‬يحاول‭ ‬الهرب‭ ‬الى‭ ‬تركيا‭ ‬او‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بالتنقل‭ ‬بين‭ ‬سوريا‭ ‬وتركيا‭. ‬اما‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يعتقد‭ ‬انه‭ ‬اوى‭ ‬البغدادي‭ ‬فهو‭ ‬ابو‭ ‬البراء‭ ‬الحلبي‭ ‬او‭ ‬مهيب‭ ‬شالاتي‭ ‬وهو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬اعضاء‭ ‬داعش‭ ‬السابقين‭ ‬الذي‭ ‬انظموا‭ ‬لتنظيم‭ ‬حراس‭ ‬الدين‭ ‬التابع‭ ‬للقاعدة‭ ‬والذي‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الجيوب‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬ادلب‭. ‬تلك‭ ‬التفاصيل‭ ‬لم‭ ‬يعلنها‭ ‬الرئيس‭ ‬الاميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬الذي‭ ‬اعلن‭ ‬فيه‭ ‬قيام‭ ‬قوة‭ ‬اميركية‭ ‬خاصة‭ ‬بالهجوم‭ ‬على‭ ‬البيت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬البغدادي‭ ‬يختبأ‭ ‬فيه‭ ‬ومطاردته‭ ‬الى‭ ‬نفق‭ ‬ذي‭ ‬نهاية‭ ‬مغلقة‭ ‬حيث‭ ‬فجر‭ ‬نفسه‭ ‬هناك‭. ‬خطاب‭ ‬ترامب‭ ‬كان‭ ‬مطولا‭ ‬وتبعه‭ ‬مؤتمر‭ ‬صحفي‭ ‬مطول‭ ‬تحدث‭ ‬فيه‭ ‬ترامب‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬نصرا‭ ‬كبيرا‭ ‬لبلاده‭ ‬ولادارته‭ ‬وشكر‭ ‬دولا‭ ‬عديدة‭ ‬هي‭ ‬روسيا‭ ‬وتركيا‭ ‬وسوريا‭ ‬والعراق‭ ‬وكرد‭ ‬سوريا‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬التعاون‭ ‬الاستخباراتي‭ ‬او‭ ‬المعلومة‭ ‬الاخيرة‭ ‬التي‭ ‬ادت‭ ‬الى‭ ‬قتل‭ ‬البغدادي‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬انه‭ ‬عرف‭ ‬منذ‭ ‬اسبوعين‭ ‬انه‭ ‬في‭ ‬ادلب‭. ‬

تعرض‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬الى‭ ‬ضربات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الاخيرة‭ ‬ادت‭ ‬الى‭ ‬خسارته‭ ‬للاراضي‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يقيم‭ ‬عليها‭ ‬سلطته‭ ‬التي‭ ‬اعلنها‭ ‬دولة‭ ‬اسلامية‭ ‬ليفتح‭ ‬الباب‭ ‬امام‭ ‬فصل‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الحركات‭ ‬الجهادية‭ ‬المتشددة‭. ‬اخر‭ ‬الجيوب‭ ‬التي‭ ‬فقدها‭ ‬التنظيم‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الباغوز‭ ‬السورية‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬وذلك‭ ‬مطلع‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭. ‬اما‭ ‬مقتل‭ ‬زعيم‭ ‬التنظيم‭ ‬ابراهيم‭ ‬عواد‭ ‬البدري‭ ‬السامرائي‭ ‬المعروف‭ ‬ب‭ ‬ابو‭ ‬بكر‭ ‬البغدادي‭ ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬ليضرب‭ ‬الدعامة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬فكرة‭ ‬التنظيم‭ ‬وهي‭ ‬الخلافة‭. ‬واذا‭ ‬كان‭ ‬التنظيم‭ ‬قد‭ ‬خسر‭ ‬كل‭ ‬الاراضي‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬فان‭ ‬هناك‭ ‬تنظيمات‭ ‬جهادية‭ ‬اخرى‭ ‬تعتبر‭ ‬نفسها‭ ‬جزءا‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬اماكن‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬افريقيا‭ ‬وشمالها‭ ‬وفي‭ ‬الشرق‭ ‬الاوسط‭ ‬و‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬اسيا‭. ‬لذلك‭ ‬فأن‭ ‬هوية‭ ‬من‭ ‬سيخلف‭ ‬البغدادي‭ ‬والطريقة‭ ‬التي‭ ‬سيتم‭ ‬بها‭ ‬التوصل‭ ‬الى‭ ‬تلك‭ ‬الخلافة‭ ‬ستكون‭ ‬مهمة‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬اجرائها‭ ‬وايضا‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬اعتراف‭ ‬التنظيمات‭ ‬التابعة‭ ‬لداعش‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الاخرى‭ ‬بها‭. ‬

لم‭ ‬يعين‭ ‬التنظيم‭ ‬نائبا‭ ‬معروفا‭ ‬للبغدادي،‭ ‬اما‭ ‬التقارير‭ ‬الاعلامية‭ ‬التي‭ ‬تحدثت‭ ‬قبل‭ ‬مدة‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬عراقية‭ ‬استلمت‭ ‬فعلا‭ ‬القيادة‭ ‬التنفيذية‭ ‬من‭ ‬البغدادي‭ ‬وتستعد‭ ‬لخلافته‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬دقيقة‭. ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬ان‭ ‬يحسم‭ ‬التنظيم‭ ‬امر‭ ‬تعيين‭ ‬خلف‭ ‬للبغدادي‭ ‬سريعا‭ ‬لأنّ‭ ‬أي‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬سيؤدي‭ ‬الى‭ ‬اضطراب‭ ‬اكبر‭ ‬في‭ ‬صفوفه‭. ‬واذا‭ ‬كان‭ ‬كلام‭ ‬ترامب‭ ‬صحيحا‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬اميركا‭ ‬تعرف‭ ‬اسماء‭ ‬المرشحين‭ ‬لخلافة‭ ‬البغدادي‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬عنهم‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬قتلته‭ ‬فيه‭ ‬فذلك‭ ‬يجعلهم‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬اصعب‭ ‬واقرب‭ ‬للرصد‭ ‬والتصفية‭. ‬

نهاية‭ ‬البغدادي‭ ‬تشكل‭ ‬نهاية‭ ‬لمرحلة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الحركات‭ ‬الجهادية‭ ‬شكل‭ ‬فيها‭ ‬التنظيم‭ ‬ادعاءه‭ ‬بانشاء‭ ‬دولة‭ ‬بعد‭ ‬تمدده‭ ‬عسكريا‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬تنظيمات‭ ‬معارضة‭ ‬اسلامية‭ ‬وجهادية‭ ‬وكردية‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬القوات‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وعلى‭ ‬حساب‭ ‬القوات‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬وقد‭ ‬تجاوز‭ ‬تنظيم‭ ‬القاعدة‭ ‬واصبح‭ ‬اكبر‭ ‬واكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الحركات‭ ‬الجهادية‭ ‬العالمية‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬تضعه‭ ‬في‭ ‬اولوية‭ ‬اهدافها‭ ‬وتنظر‭ ‬اليه‭ ‬كتهديد‭ ‬اكبر‭ ‬للسلم‭ ‬والامن‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وجهة‭ ‬التنظيم‭ ‬القادمة‭ ‬ليست‭ ‬واضحة‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬تواجد‭ ‬زعيمه‭ ‬في‭ ‬ادلب‭ ‬في‭ ‬ايامه‭ ‬الاخيرة‭ ‬قد‭ ‬يشي‭ ‬بشئ‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬القاعدة‭ ‬والتنظيمات‭ ‬المشابهة‭ ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬صعب‭ ‬جدا‭ ‬بسبب‭ ‬حجم‭ ‬الخلاف‭ ‬بينها‭ ‬وتاريخ‭ ‬العنف‭ ‬والصراع‭ ‬الدموي‭ ‬بينهما‭ ‬لكن‭ ‬الامر‭ ‬سيعتمد‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬قيادة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬داعش‭ ‬والطريق‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تمضي‭ ‬اليه‭, ‬اما‭ ‬اذا‭ ‬لم‭ ‬تبرز‭ ‬قيادة‭ ‬جديدة‭ ‬خلفا‭ ‬للبغدادي‭ ‬فسيذوب‭ ‬عناصر‭ ‬التنظيم‭ ‬و‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬ان‭ ‬تنظم‭ ‬بقاياهم‭ ‬الى‭ ‬القاعدة‭ ‬وهو‭ ‬التنظيم‭ ‬الاقدم‭ ‬والذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بوجود‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬عديدة‭ ‬هو‭ ‬الاخر‭. ‬

واشنطن