مقتل‭ ‬رهبان‭ ‬تبحيرين‭: ‬اللغز‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬حل

455

الجزائر‭ ‬‭- (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)‬:‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الغموض‭ ‬يحيط‭ ‬بمقتل‭ ‬رهبان‭ ‬تبحيرين‭ ‬الذين‭ ‬سيتم‭ ‬تطويبهم‭ ‬السبت‭ ‬في‭ ‬وهران‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬رجل‭ ‬دين‭ ‬وراهبة‭ ‬آخرين‭ ‬كاثوليك‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬اغتيالهم‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ .‬

واقعة‭ ‬القتل

ليل‭ ‬السادس‭ ‬والعشرين‭ ‬إلى‭ ‬السابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬1996،‭ ‬خطف‭ ‬نحو‭ ‬عشرين‭ ‬مسلحا‭ ‬سبعة‭ ‬رهبان‭ ‬من‭ ‬دير‭ ‬سيدة‭ ‬الأطلسي‭ ‬في‭ ‬تبحيرين،‭ ‬معقل‭ ‬الأصوليين‭ ‬في‭ ‬المدية‭ ‬الى‭ ‬جنوب‭ ‬غرب‭ ‬العاصمة‭ ‬الجزائرية‭.‬

واتجهت‭ ‬الشكوك‭ ‬نحو‭ ‬الجماعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬يشهد‭ ‬حربا‭ ‬أهلية‭. ‬وصدر‭ ‬أول‭ ‬تبن‭ ‬للخطف‭ ‬في‭ ‬26‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬عرض‭ ‬فيه‭ ‬زعيم‭ ‬الجماعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬جمال‭ ‬زيتوني‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬الفرنسية‭ ‬مبادلة‭ ‬الرهبان‭ ‬بأعضاء‭ ‬في‭ ‬الجماعة‭ ‬معتقلين‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬أيار‭/‬مايو،‭ ‬أعلنت‭ ‬الجماعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬أنها‭ ‬قامت‭ ‬بقتل‭ ‬الرهائن‭ ‬بقطع‭ ‬رؤوسهم‭ ‬قبل‭ ‬يومين‭ ‬بسبب‭ ‬رفض‭ ‬باريس‭ ‬التفاوض‭.‬

وعثر‭ ‬الجيش‭ ‬الجزائري‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الرهبان‭ ‬في‭ ‬30‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬المدية،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬جثثهم‭.‬

تساؤلات

شككت‭ ‬شهادات‭ ‬بسرعة‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الرسمية‭ ‬الجزائرية‭. ‬وطرحت‭ ‬فرضيتان‭ ‬أخريان‭ ‬هما‭ ‬خطأ‭ ‬ارتكبه‭ ‬الجيش‭ ‬الجزائري‭ ‬أو‭ ‬تلاعب‭ ‬من‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الجزائرية‭ ‬لتشويه‭ ‬صورة‭ ‬الجماعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬المسلحة‭.‬

في‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬2002،‭ ‬قال‭ ‬عسكري‭ ‬جزائري‭ ‬سابق‭ ‬يدعى‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬شوشان‭ ‬إن‭ ‬جمال‭ ‬زيتوني‭ ‬كان‭ ‬زعيم‭ ‬الجماعة‭ ‬الاسلامية‭ ‬المسلحة‭ ‬وعميلا‭ ‬للاستخبارات‭ ‬الجزائرية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬أكد‭ ‬أحد‭ ‬الكوادر‭ ‬السابقين‭ ‬في‭ ‬المخابرات‭ ‬الجزائرية‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬تيغا‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬2002‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬ليبيراسيون‭ ‬الفرنسية‭ ‬أن‭ ‬الرهبان‭ ‬خطفوا‭ ‬بأمر‭ ‬من‭ ‬السلطات‭ ‬الجزائرية‭ ‬باستخدام‭ ‬خدمات‭ ‬جماعة‭ ‬زيتوني‭. ‬وتم‭ ‬تسليم‭ ‬الرهبان‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬لمجموعة‭ ‬مسلحة‭ ‬أخرى‭ ‬تابعة‭ ‬للجماعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بقتلهم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭.‬

في‭ ‬2004،‭ ‬فتحت‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬التي‭ ‬لجأ‭ ‬إليها‭ ‬أقرباء‭ ‬الضحايا،‭ ‬تحقيقا‭ ‬قضائيا‭.‬

وفتح‭ ‬التحقيق‭ ‬مجددا‭ ‬في‭ ‬2009‭ ‬بعد‭ ‬شهادة‭ ‬أدلى‭ ‬بها‭ ‬الجنرال‭ ‬فرنسوا‭ ‬بوشوالتر،‭ ‬الملحق‭ ‬الدفاعي‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الجزائرية‭ ‬أمام‭ ‬قاضي‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬مارك‭ ‬تريفيديك‭.‬

وقال‭ ‬الضابط‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬أنه‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬معلوماته‭ ‬من‭ ‬عسكري‭ ‬جزائري،‭ ‬إن‭ ‬الكهنة‭ ‬قتلوا‭ ‬برصاص‭ ‬أطلق‭ ‬من‭ ‬مروحيات‭ ‬عسكرية‭ ‬جزائرية‭ ‬فتحت‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬أنه‭ ‬معسكر‭ ‬للجهاديين‭.‬

في‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر‭ ‬2011،‭ ‬تضمن‭ ‬كتاب‭ ‬الصحافي‭ ‬جان‭ ‬باتيست‭ ‬ريفوار‭ ‬جريمة‭ ‬تبحيرين‭ ‬شهادات‭ ‬جديدة‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬أساسي‭ ‬مفترض‭ ‬للاستخبارات‭ ‬الجزائرية‭ ‬في‭ ‬خطف‭ ‬وقتل‭ ‬الرهبان‭.‬

في‭ ‬خريف‭ ‬2014،‭ ‬توجه‭ ‬قضاة‭ ‬وخبراء‭ ‬فرنسيون‭ ‬إلى‭ ‬الجزائر‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬جثث‭ ‬الرهبان‭.‬

في‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬2015،‭ ‬تحدث‭ ‬الخبراء‭ ‬عن‭ ‬فرضية‭ ‬وفاة‭ ‬‭(‬الرهبان‭)‬‭ ‬بين‭ ‬25‭ ‬و27‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭ ‬1996”‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسابيع‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬أعلن‭ ‬في‭ ‬تبنى‭ ‬الجماعة‭ ‬الاسلامية‭ ‬المسلحة،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬الشكوك‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الرسمية‭.‬

اللغز‭ ‬لم‭ ‬يحل

في‭ ‬شباط‭/‬فبراير‭ ‬2018،‭ ‬أكد‭ ‬الخبراء‭ ‬الثمانية‭ ‬الذين‭ ‬اختارهم‭ ‬قضاة‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬وقاموا‭ ‬بتحليل‭ ‬عينات‭ ‬من‭ ‬جماجم‭ ‬الرهبان‭ ‬بعد‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الأجزاء‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬الجثث‭ ‬أن‭ ‬نتائج‭ ‬التحاليل‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬أي‭ ‬دليل‭ ‬إضافي‭ ‬حول‭ ‬السبب‭ ‬المباشر‭ ‬للموت‭.‬

لكن‭ ‬التقرير‭ ‬شكك‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬التبني‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬الجماعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬المسلحة‭ ‬وخصوصا‭ ‬حول‭ ‬نقطة‭ ‬رئيسية‭ ‬تتعلق‭ ‬بتاريخ‭ ‬مقتلهم‭. ‬وأكد‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الجماجم‭ ‬تحمل‭ ‬آثار‭ ‬قطع‭ ‬الرأس‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭.‬

ويرى‭ ‬الخبراء‭ ‬أن‭ ‬فرضية‭ ‬وفاة‭ ‬حصلت‭ ‬بين‭ ‬25‭ ‬و27‭ ‬نيسان‭/‬ابريل،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬الإعلان‭ ‬الرسمي‭ ‬عن‭ ‬الوفاة،‭ ‬تبقى‭ ‬منطقية‭.‬

ويوضح‭ ‬محامي‭ ‬عائلات‭ ‬الرهبان‭ ‬باتريك‭ ‬بودوان‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬آثار‭ ‬رصاص‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬فرضية‭ ‬حدوث‭ ‬خطأ‭ ‬محتمل‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬الجزائري‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬نفذت‭ ‬من‭ ‬مروحية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استبعاد‭ ‬ذلك‭ ‬نهائيا‭ ‬لأننا‭ ‬لم‭ ‬نر‭ ‬الجثث‭.‬

وبعد‭ ‬التقرير،‭ ‬طلب‭ ‬محامو‭ ‬العائلات‭ ‬تحليل‭ ‬المعطيات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالطقس‭ ‬بين‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬وأيار‭/‬مايو‭ ‬1996‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬قتل‭ ‬فيها‭ ‬الرهبان‭ ‬لتأكيد‭ ‬أن‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬قتلوا‭ ‬فعلا‭ ‬قبل‭ ‬23‭ ‬أيار‭/‬مايو‭.‬

ووافقت‭ ‬قاضية‭ ‬التحقيق‭ ‬ناتالي‭ ‬بو‭ ‬التي‭ ‬تأمل‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬عائلات‭ ‬الرهبان‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬لإطلاعهم‭ ‬على‭ ‬تقدم‭ ‬التحقيقات،‭ ‬على‭ ‬طلبهم‭.‬

مشاركة