مقبرة الغرباء بين رثاء الذات ورثاء الشاعر –  أحمد الشطري

502

مقبرة الغرباء بين رثاء الذات ورثاء الشاعر –  أحمد الشطري

لعل من بدهي القول ان الرثاء يعد من بين اكثر الاغراض فاعلية في الشعر، على مر العصور ولمختلف الثقافات، وربما يحدث التمايز في كيفية التعبير ومدياته بين ثقافة واخرى وبين عصر وآخر غير أن الباعث الاساسي والمحرك الفاعل في عملية الرثاء هو ذات الشعور بفداحة الفقدان، ومن الطبيـــــــــــــــــعي ان تكون حجم الفداحة هذه مختلفة من راث الى آخر تبعا لدرجة التأثر والذي يخضع لعدة مؤثـــــــــرات منها على سبيل المثال لا الحصر: عظمة المرثي ودرجة القــــــــرابة وليس المقصود بها هنا القرابة النسبــــــــية وانما القرابة التفـــــــــاعلية.

واذا كان المفهوم المتعارف او الشائع للرثاء انه مقصد استذكاري بكائي للفقيد او تعداد لمناقبه او استعراض لمشاعر الحزن التي تعــــــــــتلج في نفس الراثي، فان الرثاء في نماذج كثيرة يتحول الى فعل اثاري سواء كانت هذه الإثارة تحريضية ام تنويرية. وسواء كان خطاب التحــريض او التنوير هذا موجها للذات ام للغير.

عتبة النص

وتأسيسا على ما تقدم يمكنني ان اقف عند (قصيدة) الشاعر جواد الحطاب التي قرأها في الجلسة الافتتاحية لمهرجان المربد الثالث والثلاثين والتي وضعها تحت عنوان” مقبرة الغرباء” محاولا قراءتها مستضيئا بالموجه القرائي الذي وضعه تحت عتبة النص على انها ” نص في رثاء الجواهري” و سأبدأ من أخر مقطع والذي يقول فيه:

“بعيدا عن دجى وطني

أنا؛ والشمس؛ نرتجفُ

فهل موتي: أودسيوس

وأيثاكا: هي النجفُ”

ومن خلال الثنائيات المتقابلة في الشطرين الاول والثاني والمتمثلة بـ:

بعيدا نرتجف

أنا والشمس دجى وطني

نلحظ ان الشاعر لم يجعل ذاته والشمس بمقابلة ضدية مع دجى الوطن كما يوحي به المعنى التضادي لمفردتي (الشمس والدجى) بل جعلها مقابلة (تكاملية) ان جاز التعبير، مقابلة الجزء المحتاج للآخر المكمل وبناء على هذا قرن الابتعاد عن الوطن بالارتجاف. وسواء كان هذا الارتجاف ناتج عن الخوف وعدم الاحساس بالأمان ام هو ناتج عن الاحساس بالبرودة وفقدان الدفء رغم انه قد جعل ذاته بصحبة الشمس والتي هي باعثا للدفء والامان باعتبارها مصدر الضوء والحرارة الا انه يرى ان الوطن رغم العتمة التي تحيطه والتي هي مصدر الخوف والبرد يبقى الباعث الاقوى للإحساس بالأمان والدفء.

ثم ينتقل الى ثنائيتين آخريين هما :

موتي = اوديسيوس

أيثاكا= النجف

ومن خلال هاتين الثنائيتين نرى ان الشاعر يفتح بابا للتساؤل عن الكيفية التي يلتقي بها بالجواهري او يسترده من غربته، وهو تساؤل لا احسبه استفهاميا بقدر ما هو اسى وحسرة على غربة الجواهري وبعده عن وطنه. وهل يمكن ان يكون الموت هو الوسيلة التي يدخل من خلالها الى طروادة الجواهري ( مقبرة الغرباء) متخــــــــــليا عن النجف التي هي مملكة الجواهري الافتراضية كما تخلى اوديسيوس عن ايثاكا!؟

مقبرة الغرباء

وهو قبل هذا قدم شكوكه بان تكون مقبرة الغرباء موصلة الى اخر الصراط كونها تحتاج الى حشد من (العظماء) مقارنة بمقبرة النجف والتي لاشك انها ستكون اكثر يقينية بالوصل استنادا الى عاملين رئيسين: الاول هو: ما ترسب في قناعة العراقيين من المكانة القدسية للنجف والثاني: هو فرضية ان تراب الوطن هو القادر على منح الانسان التوازن في السير على الصراط، بكل ما يحمل الصراط من دلالات رمزية.

وبناء على ذلك فاني ارى ان مرثية جواد الحطاب لم تكن مرثية بكائية ولا مناقبية بقدر ما هي فعلا تحريضيا ضد الظلم الذي يدفع بالمبدع ان يعيش ويموت بعيدا عن وطنه وان لا يحــــــــــظى بمكان رمزي فيه. وهو (النص) بالنتيجة اليس رثاء للجواهري فحسب بل لكل مبدع مهدد بالعيــــــــــش والموت غريبا سواء في وطنه ام خارجه.

اذن هي رثاء تحريضي ضد (تغريب) الانسان بصفة عامة والانسان المبدع بصفة خاصة مهما تنوعت اشكال هذا (التغريب) واساليبه.

ارى ان جواد الحطاب قد قدم نصا عاليا جديرا بالاحتفاء به لما يحمله من دلالات وجماليات متعددة لا يقل جمالا عن نصوصه الأخرى الزاخرة بالإبداع.

مشاركة