مقامات اللّغو الإجتماعي – مالك محمود الغشاميّ

540

مقامات اللّغو الإجتماعي – مالك محمود الغشاميّ

  لا يمكن معرفة دلالة أي عبارة بعيدًا عن المقام- الموقف- التي قِيلت فيه, والظروف المحيطة بالمتكلّم والمخاطب ، فمثلًا المعنى الحرفيّ لقولنا : (الحمد لله على السّلامة) هو الدّعاء لا أكثر , لكن هذه العبارة قد تدخل في مقامات اجتماعيَّة أخرى, وفي كلّ مقام تختلف النَّغمة التي تصحب نطق العبارة, مثلًا عندما ينطق مدير دائرة هذه العبارة بنغمة مختلفة في وجه الموظف المتأخِّر عن الدّوام .

فبكل تأكيد معنى العبارة  في هذا المقام ليس للدعاء, بل للتّوبيخ والسّخط. وهناك نوع من المقامات الاجتماعيّة أطلق عليها بعض علماء اللّغة المحدثين اسم (مقامات اللّغو الاجتماعيّ) ففي هذه المقامات أو المواقف يتبادل النّاس فيها الكلام، ولكنَّهم لا يقصدون به أكثر من شغل الوقت، وحل موقف اجتماعيّ لولا هذا اللّغو لكان فيه حرج. والكلام الذي يُقال في هذا المقام ليس مقصودًا لذاته، فقد يكون موضوعه الطّقس أو السّياسة أو أيّ موضوع عام آخر، والحقائق التي يشتمل عليها هذا الموضوع معروفة عند طرفي المحادثة فلا يفيد أحدهما من سماعها أيّ قدر من المعلومات الجديدة، ولكن كلًّا من الطرفين يلغو رفعًا للحرج الذي يتوقعه نتيجة للصمت, ويضرب عالم اللّغة المصريّ الدّكتور تمّام حسّان (ت2011م) مثالًا على هذه المقامات في جلوس شخص بمفرده في حجرة انتظار أحد الأطباء, ولم يحضر الطّبيب إلى عيادته فيظلّ بمفرده ينتظر قدومه، وفجأة يقدم عليه زائر آخر, فيجلس الاثنان لا ثالث لهما, فلو سكتا ولم يفتح أحدهما بابًا للكلام ,  فإنّهما سيتعرّضا لموقف مفعمًا بنوعٍ من الحرج الاجتماعيّ؛ فيشعر كلّ منهما برغبة في إنهاء الموقف؛ لتجنُّب هذا الحرج هي فتح موضوع لتبادل الكلام.

ولكن المشكلة تكمن بكيفيَّة فتح الموضوع بينهما, فليس بين الاثنين تجارب مشتركة، ولم يرَ أحدهما الآخر قبل اليوم. والجواب على ذلك أيضًا أن المجتمع الذي اخترع حيلة فتح الموضوع حدَّد بعض الموضوعات ذات الطّابع العامّ لهذا الغرض؛ بحيث لا يتعب إنسان في البحث عن موضوع ، وهذه الموضوعات ذات طابع عام غير شخصي؛ بحيث لا يتأذّى بفتحها إنسان لا غائب ولا حاضر، فمن ذلك الكلام في الطقس وما يحسّ المتكلّم والسّامع من حرّ أو برد أو جوٍّ ربيعيّ أو خريفيّ لطيف مع تذكر تجارب سابقة عن حالات جويَّة تستحق التّذكر. وقد تدعو مناسبة زيارة الطبيب إلى أن يفصح كل منهما للآخر عمَّا يشكو منه وعن تطوّر مرضه.

ومن الموضوعات المفضَّلة في هذه المواقف في البلاد العربيّة الكلام في السّياسة, ويروي بعض الظرفاء أنه إذا تقابل إنكليزيان فكلاهما في الطّقس، وإذا تقابل عربيان فكلامهما في السّياسة، وإذا تقابل يونانيان فكلاهما في المطاعم، والكلام في أوساط النساء عن الأزياء والأولاد , وهكذا.

والكلام في كلّ ذلك ليس مقصودًا لذاته إلّا حين يتحوّل اللّغو إلى مناقشة تتطلَّب أن يكون لكلّ واحد من الطرفين رأي يدافع عنه، نستنتج مما سبق ذكره أن المقصود باللّغو الاجتماعيّ : هو رفع الحرج الاجتماعيّ عن شريكين في موقف خلقته الصّدفة.

مشاركة