مفتاح الفلسفة في رواية (عالم صوفي) للنرويجي جوستاين غاردر

مفتاح الفلسفة..  رواية

دلال بشار

دلال بشار

بداية الفلسفة سؤال، والسؤال هو الرافد الأساس الذي يصب في نهر التفلسف ومن ثم بحر المعرفة. كيف يمكن أن نعرف الفلسفة والكثير من الناس يكره كتب الفلاسفة لما تحتويه من معلومات قد تكون معقدة  وموغلة في التنظير . اذا ما بدأنا بالبحث في رفوف الكتب فبالتأكيد سنواجه ما كتبه فولتير وديكارت، وسنقف عند فرويد، ومن ثم ننتقل الى كانط وغيرهم الكثير من الذين تركوا لنا أفكارا تهطل كالمطر على عقولنا، ولكن ليس من السهل ونحن في بداية الطريق ان نقرأ كتابا بعنوان هكذا تكلم زرادشت، او نحاول فهم رسائل فلسفية  ونحن لم نضع قدمنا حتى على الدرجة الأولى للفلسفة، فلكل باب مفتاح ،ومفتاح الفلسفة يكمن في رواية!

الاهتمام بالفلسفة لم يكن جزءا من أفكاري حيث كان يصعب عليّ فهم الأفكار التي جاء بها الفلاسفة على الرغم من حبي للصعب في بعض الاحيان إلا أن ما قاله الفلاسفة على مر العصور يصعب إدراكه من القراءة الأولى خاصة لغريب ، وما اكثر الغرباء امام عالم الفلسفة ،  يرغب بتأشيرة دخول لعالم معرفة ما وراء الوجود! فكان لا بد من شيء يرطب هذا الجو المعقد ويمهد الطريق نحوه ويحبب القارئ ويجعله يفهم أن الفلسفة إدراك للحياة ذلك لمن أراد أن يدرك معنى حياته.

عالم صوفي ..هي الرواية التي فتحت باب الفلسفة على مصراعيه وبالتالي جعلت القارئ يغرق في عالم من التفلسف يقوده سؤال ليوصله بسؤال اخر فيبحر بما أوتي من قوة لاصطياد الأجوبة ومعرفة الحقائق.

جوستاين غاردر، الكاتب النرويجي في روايته (عالم صوفي) أراد أن يجعل من القارئ البسيط بل وحتى الأطفال أن يدركوا الفلسفة ويعرفوا تاريخها ذلك على أقل تقدير، فهو جعل الفلسفة على شكل قصة ذلك أن الجميع يرغب بسماع القصص والحقيقة أن الصغار بل وحتى المراهقين يفضلون القصة على قدر كرههم لقراءة الكتب التي غالبا ما تكون حبلى بالمعلومات والأفكار..

صوفي الفتاة الصغيرة بحياتها البسيطة والطفولية وأستاذها الخفي ذي الخمسة والخمسين عاما بعلمه وافكاره استطاعوا أن يدخلوا عقولنا ويعلقوا الفلسفة لوحات على جدران أدمغتنا.. لم تكن صوفي ذات الرابعة عشر عاما مهتمة بالفلسفة كاهتمامها بتناول الحلوى واللعب في بيت الشجرة بعد عودتها من المدرسة إلا أن ورقة وجدتها ذات يوم من قبل شخص خفي جعلتها تفكر بطريقة أعمق بل وأخذتها تلك الورقة إلى مكان أبعد من بيت الشجرة التي كانت تعتقد أن متعة الحياة وجدت داخله.

من أنت؟ ومن أين جاء العالم؟ سؤالان طرحهما الأستاذ الخفي على صوفي لتبدأ رحلتها في عالم الفلسفة والتفكير بما وراء الموجود.. جعلا عقلها يبحر في أجوبة واستنتاجات يصعب على فتاة بعمرها أن تفكر بهم.. بدأت الأسئلة تنهال عليها يوما بعد اخر وبدأ تفكيرها يأخذ منعطفا جديدا مع مرور الوقت ذلك أنها أصبحت تدرك المعنى الأوسع والأعمق للحياة وما تخفيه بين ثنياتها، لم يعد يغريها كلام الأصدقاء الطفولي حيث أصبحت أكبر منهم عقلا وأعمق تفكيرا.. هكذا بدأ أستاذها يعطيها الدروس على شكل أسئلة ومن ثم ينتظر منها جوابا لكل سؤال يرسله لها ومن ثم اذا ما عجزت عن إيجاد جواب مناسب يبدأ بإرسال الجواب لها مع شرح الأسباب.

استطاع أستاذها بذكائه أن يسحب صوفي ونحن نحو عالم التفلسف بشكل لا يخطر على بال إنسان لا يعرف من الحياة سوى سطحها، أعطى صوفي تذاكر سفر في عصور الفلسفة حيث جعلها وجعل كل من يقرأ الكتاب يسافرون من عصر إلى أخر ويرجعون بالزمن بشكل يجعل العقل منبهرا.. جعلنا نتمشى بين عصور الفلسفة وكأنها طريق ما بين مدينتين وأخذنا بجولة في مدارسها وتاريخهم ومن ثم انتقل ليعرفنا على من ولدتهم الحياة فكانوا فلاسفة! قدم الفلسفة على شكل شجرة ومن ثم علق على أغصانها كل ما يتعلق بها وبعدها غرس هذه الشجرة داخل فكرنا. مرة في كنيسة ومرة في مقهى صغير والمرة الثالثة من داخل منزله بأزياء العصور الوسطى، كان يمثل كل عصر ليجعل صوفي تفهم السطح لتغوص في المحيط بعدها.

إن ما جاء في الرواية جعلني أفهم الفلسفة بشكل بسيط وسلس ومن ثم فتح لي الطريق أمام ما جاء به الفلاسفة على مر العقود.. من يفهم الأصل والتاريخ سيسهل عليه فهم الأفكار وهذا هو السحر الذي كان يكمن بين سطور الرواية. عالم صوفي استطاعت أن تجعل من الفلسفة متعه ومن ثم تبقي احداثها داخل روح القارئ لتشده لإكمال الطريق نحو الأعمق والأصعب..

الفلسفة قد تكون إحدى الطرق لمعرفة الإجابات عن العالم، هذا ما يؤمن به ألبرتو كونكس الرجل الذي تكفل بسفرنا نحو عالم لا تراه العين بل يدركه العقل!

 

مشاركة