مفاوضات الجنوب اليمني بين الأمس واليوم – لطفي نعمان

282

مفاوضات الجنوب اليمني بين الأمس واليوم – لطفي نعمان

منذ انطلقت تحضيرات وفعاليات مؤتمر الحوار الوطني اليمني 18 مارس 2013م حتى اختتمت بصدور مخرجات الحوار الوطني يناير 2014م، تصدرت القضية الجنوبية أولويات الاهتمام، وأطلت مخاوف وقوع الحرب بين الأطراف اليمنية.   وقد أطلت نذر المواجهــــــة واختتـمت في سبتمبر 2014م حينما أبرم اتفاق السلم والشراكة الوطنية بحلول جماعة أنصار الله (الحوثيون) بالقوة محل القوى المحسوبة على التجمع اليمني للإصلاح التنظيم المتبرئ ببياناته من الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين.. حل الحوثيون محل المحسوبين على الإصلاح في التأثير على دوائر قرار الرئيس عبدربه منصور هادي، وصنف بالانقلاب.

وجرى حوار سياسي من يناير – مارس 2015م، أعقبه حرب قاده التحالف العربي لدعم الشرعية بموجب طلب الرئيس اليمني المعترف به دولياً والموجه “لكل” قادة دول مجلس التعاون الخليجي، والناص على “ردع الهجوم المتوقع من الحوثيين على عدن ومناطق الجنوب”.

مخاوف وقوع الحرب بعد إجراء الحوار، جددت ذكريات الحوار عام 1993- 1994م وقد خرجت بوثيـــقة العهد والاتفاق الموقعة في العاصمة الأردنية عمان، فبراير 1994م وأعقبها حرب صيف 1994م.

قاعدة فريدة

هكذا تتضح القاعدة اليمنية الفريدة المتمثلة خطواتها في: إجراء حوار، توقيع اتفاق، وقوع الحرب ثم خروج أحد أطراف (الحوار، الاتفاق، الحرب) طالما دارت رحاها في نطاق ضيق قرّب أوان خروج هذا الطرف وقد فقد بريقه وحضوره، وبقاء ذاك الطرف مع بروز نوازع محلية ضيقة، وإقصاء سياسي، ودور خارجي.

جنوب اليمن الواحد، منفصلاً كان أم بقي موحداً، لا يشذ مساره عن هذه القاعدة، ولا أدل على ذلك مما شهدته المدن اليمنية الجنوبية خلال الشهر المنصرم في الوقت الذي تدعو فيه المملكة العربية السعودية أطراف القتال جنوبي اليمن: الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي (بعدما كانا جبهة واحدة، قبل قرارات عزل قيادات المجلس من مواقعهم الرسمية مع الشرعية، وانفرطوا عن جيش الشرعية وأشعلوا المعارك بقواتهم المناطقية الخاصة في مناطق جنوبية يمنية أخرى مسنودين من قبل بعض دول التحالف الداعم للشرعية) إلى لقاء وحوار بمدينة جدة يعيد توجيه دفة الأحداث صوب مواجهة الحوثيين شمالي اليمن. والتحرر من نفوذ بعض القوى اليمنية!

ولأن الشيء بالشيء يُذكر فإن تدافع الأحداث بعثت على استعادة محطة حوار واتفاق وحرب سابقة شهدها جنوب اليمن عام 1967م قبل نيل الاستقلال عن لندن. أبطال المشهد المنقسم والمحتدم يومذاك هما: جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، والجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، وهما جبهتان وطنيتان مقيمتان على الأرض مع تفاوت تقدير قوى كلا الجبهتين وتأثيرهما وشعبيتهما وامتداد نشاطهما وكذا ظهيرهما الخارجي الذي بدا أميل لكفة جبهة التحرير.

أبرز شهود تلك الفترة ووقائعها وتطوراتها المؤسفة، دولة الأستاذ محمد سالم باسندوة رئيس وزراء اليمن الأسبق (2011- 2014م) المناضل الوطني والعضو القيادي بجبهة التحرير، دوّن شهادته على تلكم الوقائع في كتابه “قضية جنوب اليمن المحتل في الأمم المتحدة.. ذكريات، وثائق، خواطر”، بدءً من جهود القاهرة ورعايتها للحوار “بغية تحقيق التفاهم بين القادة الوطنيين، والتلاحم بين الفرقاء في الجنوب” تسهيلاً لنجاح بعثة الأمم المتحدة في تنفيذ القرارات الأممية الصادرة حينذاك.

تخويل كامل

وتقرر إجراء محادثات بين الجبهتين عبر ممثليهما، واتفق الممثلان عبدالقوي مكاوي (التحرير) وفيصل الشعبي (القومية) على “أن يكون وفداهما مخولين بالكامل لعقد اتفاق بشأن الوحدة الوطنية، وتشكيل حكومة مركزية انتقالية تستلم السلطة من المملكة المتحدة، وصياغة برنامج عمل لفترة الانتقال، ووضع دستور مؤقت لتطبيقه أثناء المرحلة الانتقالية” أعقب ذلك اشتراط الجبهة القومية وقد صارت قوة تدك الأرض، “أن يكون تشكيل الحكومة بحسب حجم تأييد كل جبهة على حدة”، ومضت إلى أبعد من ذلك باشتراط “عدم التعاون مع بعض القوى الجنوبية”، مما أعطى انطباعاً بنوازع إقصاء مغلفة بدعاوى سياسية ووطنية وتصنيفات مسبقة (…).

شرع وفدا الجبهتين يتحادثان في القاهرة، حسب باسندوة، بعد افتتاح وزير الحربية رئيس المخابرات أمين هويدي (سفير سابق لدى العراق والمغرب) للاجتماع، وبعث في أعقابهم المندوب البريطاني الأخير همفري تريفليان (سفير سابق لدى بغداد والقاهرة) إلى البعثة الأممية “رسائل تجسم ما يقع من حوادث، وتهول مخاطرها على المنطقة بذكاء خبيث، منها: إن العنف العشوائي قد استؤنف، وأن خطراً حقيقياً طرأ يتمثل في احتمال تمزيق القوات المسلحة المحلية وفق انتماءاتها القبلية (…)” مع الحث الانجليزي على “مناشدة الطرفين (القومية والتحرير) إنهاء محادثاتهما بالقاهرة وتسلم حكم المنطقة في الحال”!

ولكل لفظٍ في المعاجم عندهم معنىً يقال بأنه معقولُ.

المهم “قطعت محادثات الوحدة الوطنية بين وفدي الجبهتين أشواطاً كبيرة على الاتفاق النهائي” ويؤكد المناضل باسندوة –بحكم مشاركته في محادثات القاهرة- أنها “كانت قاب قوسين أو أدنى من النجاح الكامل” وقد سُرّ المسئولون في الأقطار الشقيقة بتوصل الجبهتين إلى اتفاق على تشكيل وفد مشترك للتفاوض حول استلام السلطة من حكومة لندن، المنزعجة والقلقة من تقدم تلك المحادثات، واعتبر باسندوة ذلك التقدم “مثيراً لقلقها وانزعاجها”، لكنها “رحبت بما أعلن من اتفاق مخفيةً ما تدبره وراء الكواليس” ولعله تسليم الأمور للقوى الأثبت على الأرض، فكاً “للغموض الذي امتد طويلاً، ويدوم خطره الكامن فيما قد تفضي إليه الانقسامات القائمة في البلاد من تمزيق لقوات الجنوب العربي”. وقد كان.. فما أن أعلن وفدا الجبهتين من القاهرة الاتفاق في الفاتح من نوفمبر 67م، حتى أسفر نهار الثاني منه عن مواجهات مسلحة بين فدائيي الجبهتين وسط عدن، وانقسمت قوات الجيش بينهما، وأشيع أن السلطات البريطانية حضت على هذا الانقسام لتتغلب الجبهة القومية على جبهة التحرير، وهو ما ينفيه القيادي التحريري محمد سالم باسندوة ولا يصدقه تقيداً منه بالموضوعية وتفادياً للانسياق وراء الأهواء، وتجرداً من رواسب أحقاد الماضي ومراراته الأليمة.

زاد الأستاذ باسندوة توضيحاً أن من دوافع اندفاع الجيش لمقاتلة جبهة التحرير نصرةً للقومية هو “ارتيابهم في وجود مخطط أو نية لدى جبهة التحرير بأن تجعل من جيش التحرير الصغير الذي أنشأه جهاز المخابرات المصرية دون أن تربطه بقيادة جبهة التحرير!! نواةً لجيش بديل لتلك القوات في المنطقة عقب استقلالها، فاستشعروا موقفاً غير ودي من مصر وجبهة التحرير فمالوا إلى القومية التي برزت نتظيماً مستقلاً، رافضاً للدمج (الذي تم سنة 1966م) مع التحرير من وقت مبكر.. بل انفكوا عن التحرير الذي بحسب باسندوة، “يغلب على تركيبه التنظيمي التفكك والهزال، ويفتقر إلى التماسك، ولا تسوده روح الانضباط”.

نهاية الامر

أخيراً انتهى الأمر وفقاً لتوقع القيادي التحريري عبدالله الأصنج بأن وفد القومية “لن يواصل لقاءاته بالقاهرة بعدما حسم الموقف في المنطقة لصالح تنظيمهم واعتراف بريطانيا به وحده دون سواه”. فعلاً ذهبوا إلى جنيف عبر بيروت دون توديع نظرائهم التحريريين في الحوار والاحتراب يتفاوضون مع الانجليز على استلام الحكم وحدهـــم لا شريك لهم من نوفمبر 1967م، وتبدأ فيما بينهم دورات العنف والدم والجنون في الجنوب.

مشاركة