مع الكتابة للأطفال مرة أخرى

ذكرياتي 31

مع الكتابة للأطفال مرة أخرى

عبدالرزاق عبدالواحد

للمشرفين على ثقافة الطفل أن يقدروا أن الابداع في هذا المجال شعراً كان أو قصة أو رسماً أو موسيقى ، إبداع مغبون من الناحيتين : المادية والمعنوية .. فمبدعوا الاطفال لا ينالون من الشهرة والمكانة الابداعية ما يناله زملاؤهم مبدعو الكبار ، وحتى النقد في وطننا العربي لا يقترب كثيراً منهم ، ذلك أننا لم تؤسس لدينا حتى الآن طقوس ومعايير للتعامل مع الابداع ، ولا هذا الجانب من الثقافة (ثقافة الطفل) .

يزيد الطين بلّة الاعتقاد بان الابداع للطفل ابداع سهل ، وهو جانب من النظرة المستصغرة للطفل ، والتي تشمل بالتبعية استصغار الابداع له!

هذا الخطأ الفادح يؤدي حتى في مؤسساتنا الرسمية إلى تهميش مبدعي الأطفال والتقليل من شأنهم ، وخاصة في التقييم المادي لما يبدعون مما يطفئ رغبتهم ويدفعهم مكرهين الى اهمال موهبتهم .

أريد أن أؤكد هنا ومن خلال تجربتي الشخصية كشاعر أن الكتابة للطفل هي أصعب أنواع الكتابة على الاطلاق ، قال ليو تولستوي ذات يوم ( الناس يعتبرونني كبيرا في روايتي الحرب والسلم ، أما أنا فلا أراني كبيرا إلاّ في ما كتبته للأطفال ).. !

يوم كنت مديراً عاما لثقافة الاطفال في العراق، كنت أتشبث بكل من أجد لديه رغبة في الكتابة لهم من الشعراء وكتاب القصة ، وكنت أجعل مكافأة القصيدة لهم ثلالة أضعاف ما يتقاضاه شعراء قصائد الكبار على قصائدهم. /  حين كبرت وتزوجت ، صار لي أولاد .. صرت أصنع لهم معتمداً على خبرتي القديمة ، طيارات ورقية أركض بها معهم نطيرها على سطح الدار ، ونتركها تتهادى في السماء وعيوهم عالقة بها حتى تغفوا  !

حتى اذا استيقظوا في الصباح وجدوا خيطا تذروه الريح!  ذات طيارة مقطوعة قال لي ابني الاصغر : بابا يمكن علقت بالقمر  ! !  وكان القمر ليلتها هلالا رائعاً  !  .. ضحكت بسعادة غامرة للقطة شعرية باهرة أوحى لي بها : طيارة الورق

ارتفعي .. إرتفعِي      في موجةِ الًواءْ

ورَفرِفي واندفعي     كالطيرِ في الفضاءْ

إرتفعِي

ارتفِعي

خَيطُكِ مازالَ معي       وأنتِ تبعُدينْ

عقَدتُهُ بإصبعي       فأين تَهرُبينْ ؟

إرتفعي

إرتفعي

إيّاكِ أن تميلي     بذيلِكِ الطّويلِ

فيُحدِقُ الخطرْ

يعلقُ بالنّخيلِ أو    يعلَقُ بالقمرْ !

إرتفعي

إرتفعي ..

طار ولدي فرحاً بالقصيدة .. وظل يسألني لمدة طويلة أن كنت فعلا رأيتها كما رآها هو في صبيحة تلك الليلة عالقة بالقمر  !

 أرسلت القصيدة إلى مجلة ( مجلتي ) للأطفال في بغداد .. حين قرأتها منشورة جننت غضبا لتبديل احدى مفرداتها . لقد تبرع المسؤول عن الشعر في المجلة – وكان أستاذا جامعياً في مادة الالسنيات ، ويكتب الشعر والنقد أيضا – تبرع بتبديل كلمة القمر بكلمة ( الشجر ) !

فصار البيت

       يعلقُ بالنَّخيلِ أو يعَلقُ بالشجَرْ  ! !

 حين قرأت القصيدة لولدي رأيت انكسارا موجعا في عينيه وهو يسألني: بابا .. لماذا حذفوا القمر ؟ قلت لأن المصحح اعتقد أن طيارة الورق لا تصل إليه . قال : ولكن انت تستطيع أن توصلها بابا . قلت : طبعا .. ألم تراها أنت عليه ؟ قال : نعم رأيتها  ! . وغطيت الكلمة بالحبر الابيض ، ووضعت كلمة ( القمر ) فوقها ، فابتسم .. ولكن عينيه ظلتا كسيرتين  !

عودة الجواهري الى العراق

أنا في عِزّة هنا غير أنّي     في فؤادي ينّز جرحُ الشرّيد

لي عتاب على بلادي شديّد     وعلى الاطيبين جدُ شديد

الجواهري _ براغ

 يوم وصلت قصيدة الجواهري هذه الى  العراق لم يغمض جفن

لأديب شريف فيه !

وعاد الجواهري الى العراق لم يترك له صالح مهدي عماش منفذا للاعتذار .. لقد حاصره بحب العراق وحب العراقيين ..

حاصره بكل قصائده التي كتبها له ولهم !

شدّوا اليك نياط القلب  والعصبَ

           ووَطَّأ وأخطؤكَ الاجفان والهدبَ

لو استطاعوا أضاءوا من محاجرهم

            على طريقك في تلكَ الدّجى شُهباً

  وسيّروا الرّيح من أنفاسهم شرفاً

              ان يحمِلوكَ على أنفاسهِم حُدُبا

أن يَلمسوا منكَ كفَاً في اللظى غمست

            ويلثموا منك وجها بالسنّا عُصِبا

ويحضنوُا ذلكَ الصدر الذي حضنت

 عظامه الكون كل الكون ما رحبا

 والقاعة صاجة بالتصفيق حدّ فقدان الوعي .. وأنا ذاهل عن نفسي وجسدي كله يرتعش انفعالا!

ثلاث مرات أعدت قراءة المقطع والقاعة تلح على إعادته .. ! كان يوما لا يمكن نسيانه ..

 مرارا طلب مني الجواهري أن أقرأ له القصيدة .. وفعلت . احدى هذه المرات كنا في بيته، وكان يعتز بأنه راوية الجواهري .

طلب مني الجواهري أن أعيد عليه قراءة القصيدة وفعلت .. حتى اذا بلغت قولي :

            وأين تَلقى عظيماً قالَ قافيِة

                         فقادَ في كل بيتٍ جحفلاً لَجَيا

اعترضني الدجيلي قائلا : (عبد الرزاق .. لو قلت : فقادَ من كلّ بيتٍ .. لكانت أقوى) . نظرتُ الى الجواهري الذي قال له غاضباً 🙁 ولك إنتَ شكوت تكوم تفتهم الشعر ؟؟ شنو ؟ يسويا ليبت جحفل ، ويسوكه ؟ )

ثم التفت اليّ قائلا 🙁 كمّل عبد الرزاق) . وواصلت قراءدة القصيدة وأنا متشَفّ بأستاذي الذي حاول أن يعيد عليّ أستذته !

وبينما كنت أواصل القراءة نطّ الدجيلي قائلا : (أكَول) فوثب عليه الجواهري قائلا بغضب : (إنتَ ما تكول أي شي . لو تكعد لو تكوم تطلع )! رحمكما الله يا شيخي ويا أستاذي ..

 أسبابُ أهلِكَ يا أوفاهمُو رَحمِاً

                       أقاطِعٌ أنتَ من أسبابِهِم  سبَبَا !؟

حاشا .. حاشا …

 ردّدها الجواهري الجالس في صدر قاعة الاحتفال ، وهو يهزّ يده بانفعال شديد ، وعماش إلى جانبه يحاول تهدئته ممسكاً بيده، والقاعة الهائلة المحتشدة بالحضور لا تتحول عيونها عنه لحظة واحدة . حتى اذا وصلت القصيدة الى هذا المقطع :

سّل العراق الذي غنيّتَ .. ما وَصِبا

                   وما تحدّى وما استعدَى وما غَضِبا

ألم يكُنْ منهُ أفواهٌ ممزقّة

                   تعج ، والدّم بيتا منكَ ملتهِبا ؟

خمسين عاماً صواريهم يجيش بها

                   خصمُ شعرِكَ ما لانتْ ولا نضَبا

أولاءِ واللهِ .. لو خيل الفرات كبَا

                     طُوفانُها ، عذروا أن الفرات كبَا

إلاكَ يا حاديَ الطُوفان ..

ما حدث هنا ظلّ حديث الناس لزمن طويل .. !

نهض الجواهري من مقعده .. أمسك بقميصه وفرعه مقطعا كل   أزراره .. ثم أمسك بشعر رأسه يريد تقطيعه ، وعماش ممسك به بكلتا يديه.

مشاركة