مع الرفيق بهاء الدين نوري في صومعته    2ش

388

مع الرفيق بهاء الدين نوري في صومعته    2

زكي خيري يجلد ذاته ويدين شخصه في إطار ممارسة حزبية

عبد الحسين شعبان

لم ألتقِ مع بهاء الدين نوري سوى مرّة واحدة في بغداد، ومرّة أخرى بشكل عابر في المدرسة الحزبية أواخر السبعينات حين زرتها، ولم يحدث أن جرى أي حديث ذا خصوصية بيننا، ولكن صورته كانت ترتسم في ذهني حتى قبل أن أراه. وفي خريف العام 1980 التقيت به في الشام وتبادلنا الحديث واستمعت إليه وسألته عن بعض المحطات الغامضة، فقد تسنى لي أن أقرأ أطروحاته في العام 1964 (بعد حين) في “مجلة الوقت” “قضايا السلم والاشتراكية” بشأن طريق التطور اللارأسمالي وخط آب (أغسطس) ومسألة الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي، وقد جاء على نقدها لاحقاً في مذكراته الصادرة في العام 1992 والتي أهداني إيّاها بطبعتها الأولى العام 1992? وبطبعتها الثانية عن دار الحكمة في لندن، وقرأتها ودوّنت عليها ملاحظاتي ليس فيما يتعلق بالسياسة والمنهج فذلك له حديث آخر، بل نقدي لتناوله بعض الجوانب الشخصية التي ما كان لها أن تؤثر لم تم حذفها، ثم أن ذكرها لن تكسب المذكرات أية قيمة إضافية، وهو ما تقبّله وإنْ لم يكن بسهولة، ولكن بعد نقاش طويل.

          لقد تعاملت إدارة الحزب المسؤول عنها عزيز محمد مع بهاء الدين نوري بقسوة شديدة  ولم تصحح الإدارات اللاحقة هذا الموقف، لا بحقه ولا بحق غيره من إداريي الحزب السابقين وشبكة واسعة من الكادر القيادي والمتوسط وجمهرة كبيرة من الأعضاء في ظل صراع محموم بعضه حول المراكز القيادية والامتيازات حتى لو تم تغليف بعضه الآخر  باعتباره صراعاً بين اليسار واليمين، فبهاء الدين نوري يعتبر إدارة عزيز محمد يمينية ذيلية، في حين يعتبرها فريق آخر من المفصولين ” متياسرة”، وألحقت ضرراً بهويّة الحزب الوطنية سواء في الموقف من الحرب أم من التبعية للحركة الكردية، أما فريق إدارة الحزب الرسمي، فقد اعتبر الجميع مخرّبين ويخدمون النظام بشكل مباشر أو غير مباشر، رافعة راية قص ” الحواشي الرخوة” والذين تعبت أكتافهم وقررت مقاطعتهم اجتماعياً بقرارات وردت في نشرات داخلية وتوجيهات مباشرة. ولأن الحوار والعقلانية وتوقير الصراع وترزين الخلاف كان غائباً، فالاتهامات طالت الجميع،وتداخل الحق فيها مع الباطل.

قائد حقيقي

لم يكن بهاء الدين إدارياً، بل كان قائداً حقيقياً بكل معنى الكلمة أخطأ أم أصاب، وكان شجاعاً بامتياز وعنيداً تحلّى بمواصفات فيها الكثير من الكبرياء والاعتداد بالنفس، وإذا كان البعض يتذلل ليتسلّق المواقع أو ” يتمسكن حتى يتمكّن” أو يسير مع السائرين ويبلع لسانه ويخدّر ضميره أو يغطّي نقاط ضعفه، فقد كان بهاء الدين غير ذلك، فهو صاحب رأي ويعتقد أنه جدير بالقيادة، بل لا يجد من هو أجدر منه من طاقم إداريي الحزب، ولذلك لم يتوان من طلب استحقاقاته، بالرأي والمواجهة والمشاكسة والتمرد، وحسب علمي هو الوحيد الذي لم يعتذر أو يتنازل أو يقدّم نقداً ذاتياً طلبته منه قيادة سلام عادل، ورفض ذلك بإصرار، وقال لي ونحن نتحاور لأكثر من شهر تقريباً على قمة جبل في موقع ناوزنك ” نوكان”، حيث نتمشى يومياً فوق سطح البناء الذي كنّا نعيش فيه والخيم التي ننصبها، وذلك عشية وبُعيد وخلال اجتماع اللجنة المركزية (1982): لقد رفضتُ أن أقدّم مثل ذلك النقد المشين والخالي من الكرامة.

وكان قد لفت انتباه الرفيق عزيز محمد ” أبو سعود” لقاءاتي لأكثر من مرّة مع بهاء الدين نوري، وبشكل مهذّب سألني وأنا أتسامر معه في خيمته عن أي شيء منهمكين في النقاش أنت وأبو سلام، فقلت له نقلّب صفحات من تاريخنا، إضافة إلى حوار حول الحرب العراقية- الإيرانية وآفاقها وتأثيراتها المستقبلية.

وكان الرفيق زكي خيري قد كتب نقداً مذّلاً ومهيناً بحق نفسه كان أقرب إلى “الجلد الذاتي” والإدانة لشخصه ، ولعلّ ذلك الأبشع في تاريخ النقد الحزبي كما أشرت في كتابي “تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف” وفعل الرفيق محمد حسين أبو العيس ذلك بحيث كتب نقداً لا يقلّ إساءة للنفس حسب مقتضيات التربية الحزبية الستالينية، وعلى الرغم من تنحيته من “قيادة الحزب”، فقد عذّب بوحشية في قصر النهاية واستشهد العام 1963? وقدّم عامر عبدالله نقداً ذاتياً مخفّفاً لنفسه حسبما ذكر حسين سلطان لكاتب السطور، لكن المكتب السياسي للحزب طلب منه نقداً معمّقاً لكشف نواقصه وتجريح ذاته كما فعل زكي خيري وهو ما أكّده بهاء الدين نوري، وما تذكره ثمينة ناجي يوسف (أرملة سلام عادل) في كتابها (سلام عادل – سيرة مناضل، جزءان) وحسب هذه الرواية امتثل له حسبما يبدو بتدبيجه رسالة أخرى، وقد تم إتلاف هذه الرسالة  (المقصود الثانية) من قبل نرجس الصفّار زوجة الشهيد جمال الحيدري يوم 8 شباط (فبراير) 1963 خوفاً من وقوعها بيد الحرس القومي مع وثائق أخرى.

          لكن عامر عبدالله ينفي ذلك ويقول أنه سأل السوفييت، فتركوا الأمر له، حيث كان متردّداً، وفي تلك الفترة حدث انقلاب 8 شباط (فبراير) فضاعت المساءلات وطويت المحاسبات وأعيد الثلاث الذين بقوا على قيد الحياة عامر عبدالله وزكي خيري وبهاء الدين نوري إلى إدارة مركب الحزب، وتصدّروا المشهد وخط آب، ولم يتحدّث أحد عن كتلة الأربعة أو “عصابة الأربعة”، فكأنها كانت حلماً سرعان ما تبخّر بعد اليقظة، وقد عالجتُ أطرافاً من هذه القضية في كتابي ” سلام عادل – الدال والمدلول وما يبقى وما يزول”، لاسيّما ببعدها الإنساني في إطار الثقافة الحزبية السائدة.

نقد ذاتي

يقول بهاء الدين نوري لكاتب السطور لقد شعر بالإهانة جرّاء مطالبته تقديم نقد ذاتي، بزعم “وجود تيار متذبذب واستسلامي ويتّصف بضيق الأفق القومي وإنه تصفوي ومعارض ومتكتّل وانتهازي” وكل ذلك ورد في وثائق الحزب ومحاضر اجتماعات المكتب السياسي واللجنة المركزية (أيلول /سبتمبر/1962)? فضلاً عن أن بعض الانتقادات إزاء النفس هي أقرب إلى ” افتراءات” كما أسميتها وهو ما كان سائداً في الدول الاشتراكية السابقة.

*****

          كان مطلع الثمانينات أول حوار بيني وبين بهاء الدين نوري ، ولاسيّما أسئلته حول العلاقات مع الأطراف العراقية حيث كنت مع عبد الرزاق الصافي في لجّة المعمعة ، ولاسيّما بعد تشكيل الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية ” جوقد” في دمشق والجبهة الوطنية الديمقراطية “جود” بعد أسبوعين في كردستان، وشمل الحوار تلميحات حول سياسة الحزب الشيوعي أيام الجبهة الوطنية وانتقادات صريحة لمواقف بعض القيادات التي لا يرتاح لها ولاسيّما عامر عبدالله، وبشيء من الذكاء كان يمرّر اسم عزيز محمد وأحياناً باقر ابراهيم ويعتبرهم مسؤولين أساسيين عن فترة الجبهة الوطنية مع حزب البعث العربي – الاشتراكي العام 1973-1979? وقد أصبح يعبّر عن ذلك بوضوح أكثر، لاسيّما بعد اجتماع اللجنة المركزية (موسكو) 1981 ويدعو إلى ضرورة نقل إدارة الحزب والكوادر الأساسية إلى ساحة الكفاح المسلح في كردستان.

          وفي نوكان- ناوزنك كانت الحوارات أكثر انفتاحاً بيننا حيث زال بعض الحذر منها وسألته عن موضوع “حزب العمل” الذي شكّله مع آرا خاجادور وصالح دكَله، وكان رأيي سلبياً إزاء تلك التعليقات التي أصبحت من تراث الماضي، وقلت له أستغرب لماذا اللجوء إلى مثل تلك اليافطات، فإذا كان لديكم وجهة نظر فلا حاجة لواجهات وهمية، فذلك يزيد من تشوّش القاعدة، وأنتم تعملون بزعم رفض القاعدة وشبكة الكوادر للسياسة القائمة، لكنكم لا تشركونها معكم، وإذا كان الأمر يستوجب إعلان تشكيل سياسي معين باتفاق أو عدم اتفاق مع إدارة الحزب، فينبغي أن يكون واضحاً.

 لا أدري ماذا قيل عن “حزب الشعب” الذي أسسه عزيز شريف باتفاق مع فهد وإلى أي مدى كان الأمر صحيحاً، لكن  شريف استقلّ بموقفه، بل إن موقفه لاحقاً من القضية الفلسطينية كان أكثر انسجاماً مع نبض الشارع، إضافة إلى أنه أكثر مبدأية وانسجاماً مع الماركسية، بل انطلاقاً منها، من موقف الحزب الرسمي بعد اعتقال فهد، خصوصاً من موقف زكي خيري  القصير النظر والمثير للإحباط ، حتى وإن كتب دراسته من داخل السجن رداً على عزيز شريف، لكن توجهه لم يكن مبدئياً ولم يكن منصفاً أو عادلاً حين يساوي بين الضحية والجلاد، بزعم أن قيام دولة ” إسرائيل” ووجود حزب شيوعي علني ونقابات وانتخابات، سيكون أكثر تقدمية من البلدان العربية وحكوماتها الرجعية، متناسياً الطابع العنصري الشوفيني الاستعلائي الإجلائي  للحركة الصهيونية المتساوقة مع الإمبريالية. كان ذلك ما كنت أفكر فيه وأنا أسأل بهاء الدين نوري عن ” حزب العمل”.

          أعرف بعض تحفّظات بهاء الدين نوري على مثل هذه الأطروحات ولكن موقفي هذا كنت أعبّر عنه بوضوح، ومن يعرفني عن قرب أو خلال عملي يدرك ما كنت أشعر به ، ولاسيّما بعد عدوان 5 حزيران (يونيو) العام 1967 وما أصاب وجداننا الوطني والعربي من جروح لم تندمل حتى اليوم، وشكّلت إحدى صدمات حياتي وظلّت تلازمني مثل ظلّي.

يتبع

مشاركة