معمار البناء الشعري لنص إنفتاحي

0

قراءة في مجموعة أشجار خريف موحش    2-2

معمار البناء الشعري لنص إنفتاحي

نادية هناوي سعدون

.. وحده الدم لا يقبل التفخيخ

لا

وحده الدم إذا ما زاره جمر الرصاص

يفز حمامات من الضياء .))

والدم فاعل دلالي أيضا في قصيدة (دم الكرستال) فهو حكاية الشموخ والإباء والشهادة التي لا تعرف إلا الإيثار والتضحية لتهب الحياة لا الموت ولتفتح النوافذ للأضواء فيكون للوننا وجرحنا عيونا ويغدو التاريخ هو الحاضر وهو المنارة التي على الرصيف:

(( غدا ستعرفون

كيف الشمس

تشرق

من هذا الرصيف

وتصعد في دمي

شظاياه ))

الخارج النصي تجوال بين المقدس والملحمي /

تمتاز نصوص (ترتيلة لدمشق) و(قيامة بابل) و(محمد) و(شجرة النزول) و(الهيكل ) باستدعاء الموروث الديني والشعري ففي نص (ترتيلة لدمشق) ينادي الشاعر دمشق بـ (ياخيمة الله ويا كوكب ويا سماء ويا جرح ويا عيون الامسيات ويا باب الكعبة) متغنيا بماض مشرق لذلك المكان:

(( الصباحات الجميلة ما عادت،

تضاحكنا.

النوافير بكاء

ما الذي أدمى شفاهك؟ ))

ولان دمشق أرجوحة وصبية جذلى وقبلة، فقد تكالب عليها الشر متناصا مع قصة النبي يوسف عليه السلام فقد تكالب الإخوة الأحد عشر عليه ..وهذا ما يقوله الشاعر بإطار خارج نصي:

(( لا تقتلوا يوسف المولود فيها

لا تلقوه في الساحات

منكفئا

فلقد رأى ما لم يُرَ ))

وقد مورس هذا الفعل بإزاء دمشق فيأتي النهي ( لا تسقطوا تمثاله ) وتتوالى بعد ذلك مفردات النحاس والرصاص والرماح ليتولد الدم والقتل والاغتيال الذي أيقظ الشيخ الكبير ابن العربي ليتلو ويسبّح وباستدعاء بيته الشهير :

(( يا شيخنا:

” قف..بالمنازل واندب الاطلالا

وسل الربوع الدارسات سؤالا ))

ومثلما ابتدأ النص السابق بالنداء لدمشق المكان المقدس جاء نص (قيامة بابل) بمناداة بابل المكان/ التاريخ بـ(يا صخرة الإله ويا لهفة الطين ويا هسهسة الجذور ويا أصابع الخلد ويا…ويا…) ويستمر النداء المتكرر اثنتين وعشرين مرة ..

وبتوظيف الخارج نصي عبر التعالق النصي مع المرجعية التاريخية يكون الشاعر قد أضفى على بابل طقسا عباديا حيث المعابد والروح والخلود والخير وهذه صورتها الأولى قبل أن يجتاح الطوفان مدينة جلجامش أوروك ليحيلها ركاما بعد عين لكن تموز المختار يحمل سيفه ضد الشر القادم من الشرق :

(( يا بابل ،

الكرخة نهر دم

وعيلام انثنتْ ..تبكي نوائحها..

أطفأت نيرانها

اكتوت ببابل .. حد الفجيعة ))

ويتوسل بآلهتها العتيدين مردوخ وآي ساكيلا مخاطبا شارع الموكب لعله ينقذ بابل من فجيعتها ومن الغزاة المتربصين بها والأمل معقود بالفرات مستذكرا السياب في أسطرته الشعرية للفرات وقد جعله مصدر الخير البابلي ( وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق من زهرة يرُّبها الفرات بالندى) وهذا المعطى الشعري عينه نلمسه في نص قيامة بابل:

(( غدا ستبعثين من التراب

من طينه الفرات

ترتقين سفح جناتك العجاب ))

ومثلما حقق استدعاء قصة النبي يوسف استباقا حلميا عما هو مجهول ومغيب فان بابل ستبعث من جديد وان نبوءة الاله ستعيد لبابل مجدها والنجوم ستشرق فوق جدرانها :

(( والشمس والقمر

لجلال هيبتك

كما النبوءة ساجدين ))

ويتغنى نص (محمد) بالاسم (الرحمة وسيد المخلوقات والمختار والخاتم والصادق والأمين النور السماوي) الذي أعلن ولادة جديدة للإنسان وقد حقق وضعه بين قوسين كبيرين مناديا بـ( يا صرخة الجياع ويا صرخة من لا وجه له ):

(( لو لم يكن

ما كنا

ولا (الإنسان)  … ))

إشارة احالية إلى الآية الكريمة (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) فالإنسان بصلابة إيمانه قد جعل ألفا من كلمات النفي تغوص كالنخل لتنتج الخير لكل البشر باستحضار جزئي للاية القرانية ( تؤتي اكلها كل حين باذن ربها ) وهذا التاريخ التليد الذي حكايته تنطلق من مكة والعراق هو ما يجعلنا نبكيه اليوم:

(( ألف لا

غاصت بأعجاز النخيل

وانبتت

سنابلا يُؤتى أكلها لمن يشاء

يسقطنا الرمل

نبكي على اطلال مكة

والعراق ))

وتتماهى في نص (شجرة النزول) الموروثات فتتأرجح بين التاريخي والديني والشجرة هي عشتار التي نزلت من العالم العلوي لتعلن ولادة العالم ولتكون الأنثى أصله ومنتهاه وتملأ الشجرة بأغصانها وفروعها الأرض خضرة ولتولد الفواخت والخبز فكانت تلك الشجرة هي الشاهد على الإنسان ومآله الأرضي عبر الأزمان منذ أن قتل قابيل هابيل فكان الغراب هو الندم الأول الذي عرفه الإنسان ليداري عن أخطائه ويواري سوءاته:

(( كم شهدت؟!!

حزن نهارات الجزارين المافتئوا

خلف جذوع الزمن المختل

يوارون

سوءة حمامات براءتها ))

والشجرة/ الجذع أيضا هي التي شهدت مخاض الإشراق الإلهي حين هزت مريم العذراء النخلة فتساقطت رطبا جنيا حين ناداها ابنها من تحتها ( أن هزي إليك جذع النخلة ..) لكن شجرة النزول ليست كذلك إذ تساقطت فجيعة واحتراقا فكان المكان الفاو هو المولود رأسا مقطوعا وقميصا احمر وصراخا ضاجا وقد خاطب الشجرة / العمة :

(( يا عمتنا ، يا عمتنا عذرا

فمدائننا رمل

ما عادت تنفعها

الصلوات . ))

وتتكرر في قصيدة (الهيكل) متواليات الفعل العبادي (المسح والغسل والصمت والبوح) بإزاء الهيكل المقدس بقبابه وأقواسه بغية التطهير من الأدران من خلال عطره وأديمه وفراشه وجلال صمته وعمق روحه كما تتوالى مفردات النسك والطهر كالغور والبوح والدوران والصحو وإحراق عيدان البخور ليتصاعد دخان صوفي بحضرة الهيكل المعظم وقبابه وراياته وبذلك كله ترتقي النفس من غربتها :

(( فاحلُ بحضرته

روحا أخرى

تعلو فوق قباب الهيكل

راية وجد

لا تعرف غير جذور الماء

كغربة شجر الصحراء. ))

وسيتمم هذا الإحساس الصوفي الذي يجتاح المجموع مثل الموج والدماء والرياح والضياء في نص (الهاجس) الذي يلي نص (هيكل) مباشرة ليولد الهاجس ارتعاشة وطفلا:

(( رفقا بما في القلب

هل لك أن تؤوب

لعتمة السكون؟

يا هاجسي الملح كالصغار؟!! ))

ولان الهاجس تولّد لذلك فانه أوقظ الهدايا وملء النفس بالوجد الرومانسي بإزاء الموجودات كما في قصيدة (وطن) حيث الفرات ودجلة يجريان كأنفاس..

 وتكريس مشهد البخور في القمصان هي استلهام خارج نصي للموروث الشعبي الذي يصبح فيه البخور هو الحارس الأمين من الشرور وهو التعويذة السحرية القادرة على صد المكائد عن الأبناء ليبزغ الصبح ويعم الغيم كما في قصيدة (بخور الأمهات) حيث يكون إشعال البخور عادة شعبية تعارفت عليها الأمهات لطرد الشر عن أولادهن:

(( رسمته أمك،

مذ وضعتها فوق سلال التبخير

وسمّتْ ان يحرسك الله

وما زالتْ

تغسل أخر قمصانك

من شر الوسواس الخناس ))

وتتعالى الكلمات جمرا لا بخورا في القصيدة المهداة إلى الشاعرة الكرواتية سوزانا اوشتريتش لترسم مشهدا للصلاة والتهجد في حضرة التصوف والوجد والفيض الذي يستدعي الموروث التاريخي كبناء خارج نصي عن سيرة الحلاج وقصة صلبه وخطيئة قتله:

(( امشي  نحوي

فتراتيل القديسين

تحملك نحو مآذن عشق العشاق الصوفيين

تحكي عن قصص الوجد،

الفيض ،

عن وردة جسد ” الحلاج”

المصلوب

على أعمدة الحرف ،

وخطايا سيف مجنون

أوغل في حاضرة الحلم

ونام.  ))

واستدعاء الماضي الجميل وبكاء الحاضر الأليم يجعلان الشاعر يلبس ثياب الحداد وقد علاه الأسى والحزن عبر استرجاع تأريخي لحكايات طالما تغنى بها الرومانسيون ومنها حكاية الفراشة التي يدفعها هيامها العاطفي بحثا عن النور والحقيقة إلى أن تلقي بنفسها في أتون النار لتحترق في سبيل الطهر وتستدعى هذه الصورة لتصف حال العاشق المتيم الذي يحمله التفاؤل أو الأمل بغد مشرق إلى أن يحترق ..في دلالة على الذي اتلف نفسه في حب الحبيب وهو لا يرى في ذلك إرهاقا ولا نصبا :

(( لكنما فراشة

حطت على أوراقها

أومضت واحترقت

تاركة ألوانها على دم الشفق ))

وهذا ما كان الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي قد منحه اهتماما كبيرا في أشعاره كقوله على لسان الفراشة وهي تخاطب نار الشمعة:

(( قالت: أنا عاشقةٌ لاغروَ أن       ألقيت نفسي في اللهيب المحرقِ ))

ويستدعي النص من ثم خارجا نصيا آخر هو مشهد قتل الثور الوحشي الذي رسمته بعض المعلقات الجاهلية وقد صار الثور هنا وقتا ونوما وان لا جدوى من قدوم النخيل والحجارة والماء والطين والكلمات لتؤوب معلنة ميلاد عهد جديد :

(( كيف قتلنا ثور الزمن الوحشي

سملنا عينَ النوم الفقر

غادرنا الخوف الحزن ؟

ولكن !!!

عاد ليسكن فينا

ثانية ))

ولكن حين يزاح الوجوم عن الوجوه وتتسع العيون وتشير الأيادي وتخضّر الرؤوس وتنطلق الأغنيات فعند ذاك سيتسلل سؤال محير عما هو واقع وما هو مأمول:

(( يصعد النخلُ

المحلقُ في فضاءِ الحلم

يشرئبُ من خلل الرماد

مختنقا بعبرته

ما هكذا أمي البلاد؟!!! ))

الخارج النصي ثيمات الولوج إلى رومانسية الوجع الأبدي/

ترد قصائد كثيرة في المجموعة تحمل ثيمات الولوج باتجاه الرومانسية كحلم يوتوبي مستحيل الانجاز ليخيم الوجع والخسارة على الذات الشاعرة وقد اتخذت من دلالات الخارج نصي سبيلا لبلوغ هذا المطلب وهذا ما منح النصوص بعض المنطلقات الأساسية لصياغة نظرية بنيوية لثيماتها الشعرية  ومن تلك الثيمات:

أولا : ثيمة المطر

ففي قصيدة (مرثية لسائق الغمام) نجد أن المطر سواء أكان بكليته أم بأجزائه هو الغيم المحمل بالفيض وعلى الرغم من انه قد أضحى منقذا وهو رديف الغلبة والنعيم وأساس الحياة إلا إن سائقه غير ذلك فهو ذابح الحمام لذلك يخاطبه الشاعر معاتبا :

(( انزلْ غيثك

أرضكَ محلٌ ودمٌ

ومتاهات

حقولك موت يمامات

انزلْ غيثك ))

ويخاطبه ثانية أن يديم غيثه على أهله لا على غيرهم فلم يعودوا قادرين على تحمل الوجع المعتق مؤسلبا القول المأثور عن هارون الرشيد وهو يخاطب الغمامة (أيتها الغمامة اذهبي أنّى شئتِ فان خراجكِ عائد إليََّ ) كناية عن اتساع ملكه وشموله اغلب أصقاع الأرض..

 أما الشاعر فليس واجدا ذاك الإيجاب في الغمام الذي على أرضه محولا المدلول الكنائي للخارج نصي إلى دلالة سالبة ولذلك يستجدي سائق الغمام ان يمنحه خراجه لينتهي صومه الأبدي متوسلا أن يدع الأرض فهي قبض الله :

(( يا سائق الغمام

لم تعد تقوى

على وجعي المعتق

أحلامي وموتي

يا سائق الغمام لا الغيم غيمك

لا الخراج

عجل فالمدى صبح

وإمساك عن الصيام. ))

وللمطر في قصيدة (من مقام الخسارات) دلالة مختلفة فالشاعر الذي سكنه حب المطر صار مغلوبا وخاسرا فلا غيمة ترويه ولا الموج يحمله بل الدم وحده هو الذي يروي تارة وينزف تارة اخرى وما عادت الأمطار تروي الأرض لذلك يتوسل بتلويحة القمر المعذب ليزهر قلبه مطرا وأنّى له ذلك فما زالت الخسارة والحزن يلاحقانه من الولادة إلى الممات :

(( وخذي ما شئت من غيمة قلبي

أمطريني فوقك علي إذا

ما هزني البرد يفيق بروحي الثكلى

خساراتي ..نسيت!!!

آه يا حزني ،

المولود من جمر الخسارة

خسارتي غيوم

غير ما يبقى … ))

والمطر والحزن صنوان في قصيدة (ملاذ ) والشاعر يستغيث بالمطر لعل الموج يرسله على صفحاته  وتعجبه رائحة الأرض التي رواها المطر يقول في قصيدة (آه لو تعلم) :

(( من يمنحني رائحة الأرض

الطين

بعد هطول المطر ؟؟ ))

  والمطر مع الليل والحزن متلازمات العاشق الذي يحمله ولهه نحو امرأة مرسومة من غيم وحرير :

(( كان المطر العاشق

يغسل وجهك

تتألق حمرة خدك خجلا

تستلقين على صدري امرأة

من غيم وحرير ))

ثانيا / ثيمة البحر

تشترك دلالة البحر مع المطر في أن كليهما مائي والماء أساس الحياة لكنهما أيضا قد يكونان على الضد تماما فعلى الرغم من أن جمال البحر بلونه وكبريائه وقوته يأخذ بلب الشاعر إلا إن هذا البحر كثيرا ما يكون مصدرا للخوف ونهاية الحلم .. ففي قصيدة (قبل أن يلقي إلى البحر شراعه) نقرأ:

(( أغمضتُ عيني على

زرقة عينيه

وألقيت شراعي

بحري المائج يصخب

وشراعي

محض خيط من حرير ))

وفي نص (سحر أحمر) يتحول البحر بعضه أو كله من مجرد صنو للمرأة المعشوقة إلى مرتد يركع وجدا وهياما:

(( وأنت

رغبة بحر

رام صعود منارتك

فارتد البحر

ومضى فَرِحاً

معتمرا قبعة الموج

مزركشة كالقرويين

ليترك زهر بحيرته

أسفل قدميكِ ))

والحب كالبحر بمدِّه الذي يأتي باللوعة وجزره الذي ينزوي بالأماني بعيدا أما موجه فانه ينساب كالدم في العروق وكالريح والضياء :

(( يجتاحنا

كالموج كالدماء

يورثنا ارتعاشة الأوراق في الشجر

يغمرنا كالريح كالضياء

يزرع فينا اللوعة

وينثني منزويا

في آخر الأشياء ))

وتغدو طفولة البحر في قصيدة (غربة نورس الصباح) نهرا وديعا فيه النهر يتهادى قادما من بين النخيل وسدر النبق ويتكامل هذا المشهد مع النوارس والمراكب ويصلي الشاعر لأجل هذا المنظر المملوء براءة:

(( ترجلتَ على شاطئه ِ

توضأتَ بماء الدهلة

وأقمتَ

صلاة طفولتكَ الأولى ))

والبحر هو الفرات الذي منه تصنع بابل أرض البحر لتعاد أشرعة المراكب وتستجدى العطايا:

(( البحر بحرك والشراع شراعك

بابل يا زمجرة العواصف

غدا ستبعثين من التراب

من طينه الفرات

ترتقين سفح جناتك العجاب ))

ولطالما كان البحر الموئل الشعري للمعجم الرومانسي فهو سلوى المحبين:

(( وردتان

إذا ما اضطرما

في ماء بحر اشتداد الجذب

تتكسر السيوف

عند ندي طينها  ))

وهو يحاكي بموجه وحركته المضطربة الفجائية ووداعته المستوفزة خطوات المحب الهائم المرتعش:

(( استفاق البحر

تمدد فوق رمل استباحات الصباح

جدائل من غلالتها المعطرة بالأرض،

بعد ارتعاشات السماء ))

والبحر نهر وهو الوطن يجري كما الأنفاس ويتلبس فينا كما العقال وموجهُ النهران دجلة والفرات يبكيان مآسي الوطن لوحدهما فيولد الشوق كيانا يعم بهيأته الوطن كله  وهو الرماد لاف السنين التي مرت على هذا الوطن :

(( في بحر الرماد

..

.. يلبس المشهد أثواب الحداد ))

ثالثا : ثيمة الدم /

تتردد مفردة الدم ومتعلقاتها في نصوص المجموعة اغلبها، كناية عن الوجع والهم والحزن والانكسار مما جعل الخط العام للمفردات يتوشح على نحو بيَّن أو ملموس، فالدم هو الماء في نص( من مقام الخسارات ) لذلك يتساءل الشاعر:

(( هل نحيل الدم ماء؟

وكم من الرصاص في قلبه

 يسقيها دمه؟ . ))

وباستدعاء الخارج نصي عن النذر و(المعبد المعمور بالدم) والكاهن والدكة التي عليها يتم إعداد المشهد الدموي يتوضح القدر كون الدماء هي النذر الذي كلما جفَّ جيء بغيره ليغدو الدم أساس كل شيء فهو الأغنية والوجع والمنارة والغمامة :

(( على دكة نذر المعبد المعمور بالدم

والأمنيات،

كلما يبست دماء ،

ضجت الدكة تستصرخ كاهنيها:

ـ ترى أين الدماء؟

وتجيء أمواج الدماء

تنتشي الدكة

تغسلها الدماء

..من الدماء ))

رابعا / ثيمة المرأة

تغدو المرأة طرفا مهما في اغلب النصوص وهي بايجابيتها ليست عدوا ولا ندا بل هي الأم والحبيبة والملهمة والصديقة وهي قيامة الجسد التي يختصرها في وردتين تدور حولهما الأرض :

(( وردتان إذا ما اهتزتا

فوق غصن الندى

تشرق الشمس ))

ولذلك يستغيث بالوردة لعلها تمنحه فرصة الظفر بالمرأة ليتغنى برومانسية الوجد والهيام ، ويغدو الماضي بذكرياته الحبيبة موجعا ومؤلما حتى ينبت في الذاكرة كشظايا حرب مرت تاركة أثرا جسديا لا يمحى وحزنا شفيفا ممضا:

(( من هالات عيون الرهبة

من حلمات الرطب التموزي

أبوح بحزن يمامات الصمت

النابت في ذاكرتي

شظايا حروب مرت فوق خرائط جسدي

الموسوم بكل السرفات المنسية ))

والمرأة أيضا هاجس يلهمه الكلمات شعرا ونجمة يرسم على ضوئها صوره الرومانسية وبعينها يجد ضالته ولذلك يتوسلها ألا ترحل وان ترفق به وهو مؤمن أنها لن تخذله وأنها ستعود إليه حاملة هداياها :

(( لهاجس الرحيل نجمة

تضيء

لهاجس البقاء إطراقة

تحملني

لسماء عينيك التي

تضيء لي هواجس

النجوم

لآخر الظنون

لا

لا ترحلي … ))

وبإحالة خارج نصية تغدو المرأة الحارس الأمين لطفولته وشبابه التي كانت وما زالت تبخر قمصانه خوفا من الحسد وهو يشتاق زمنا كانت فيه الأم مركز الكون التي تديره متى شاءت متذكرا طفولته الغضة:

(( بكفوف الرحمة أمي

آه لو تعلم يا ابني ؟

آه..لو تعلم؟ ))

وهو يناجي حبيبته مناجاة العاشق الصوفي الذي يلوذ بالحرف ليتكلم الصمت مرتلا تعاويذه الخاصة مستقبلا مآذن عشق ووجد ليهيم فيضــــــا فيتجلى حلمه واقعا ملموسا:

(( امشي نحوي

فتراتيل القديسين

تحملك نحو مآذن عشق العشاق الصوفيين

تحكي عن قصص الوجد

الفيض،

عن وردة جسد الحلاج

المصلوب ))

الخاتمة

الخارج نصي اصطلاح انفتاحي يومئ إلى معمار البناء الشعري ما فوقه وما تحته معا تهميشا وغيابا وهو مرادف للمتعاليات النصية بما فيها من الغلاف الأمامي والخلفي والعنوانات والإهداء والحواشي والمتون والسواد والبياض وغير ذلك من المتعالقات التي تشكل المرجعية للتعاضد البنائي التي دارت حولها محورية الخارج نصي للمجموعة الشعرية موضع الرصد كلها..

وهذا ما منحها استشرافا نصيا خارجيا وداخليا، متنا وهامشا وعلى شكل الماحات رومانسية وومضات صوفية وتعددية فنية وجمالية بدت موحية دلاليا ومتنوعة صوريا سواء أكان ذلك في الحركة أم في المشهدية أم في الإيقاع التفعيلي الذي وظف توظيفا حاكى الهموم والتطلعات والهواجس..

مشاركة