معلوف انتصارات الحرب الباردة كاذبة

306

معلوف انتصارات الحرب الباردة كاذبة
كامل داود
المؤلف أمين معلوف ترجمة ميشال كرم ــ دار الفارابي
بيروت، ط 1، 311 صفحة
انه عالم مختل هذا الذي نعيشه الآن، وهو عالم متهافت تتنازعه ثلاثة اختلالات كبرى، اختلال ثقافي بصراع الهويات، واقتصادي بسوء توزيع الثروة، ومناخي بمخاطر الاحتباس الحراري، هكذا يسجل الكاتب اللبناني الأصل الفرنسي الجنسية أمين معلوف في كتابه الثاني والمتمم لكتابه الأشهر الهويات القاتلة يسجل به دخول الألفية الجديدة، وقد يكون دخول بلا بوصلة، تحف به بمخاوف لها ما يبررها، ولكنه يبقى مصرا على القول انه ليس من أولئك الناقمين على الزمن الحاضر بل على العكس فهو متماهي مع العصر ومخترعاته ويرى نفسه من الجيل المحظوظ، بيد ان عليه إيصال صرخة إنذار إلى الإسماع وإقناع رفاق المركب ان مركبهم أصبح هائما وان عالمهم مختلا وقد وصل إلى طور متقدم من الاختلال، يسعى المؤلف في فصول كتابه الثلاثة الى وضع رؤية لتلك الاضطرابات مشبها دوره بحارس بستان تضربه العاصفة فليس له إلا أن يقف على رابية ويتفحص بحزن وألم حجم الدمار الذي خلفته العاصفة على بستانه الأثير.
في الفصل الأول يرى المعلوف إن الانتصارات الغربية في الحرب الباردة كانت انتصارات كاذبة، وعلى فرض ان سقوط جدار برلين كان نهاية لتلك الحرب، فالحقيقة التاريخية تشير إلى إنها لم تكن باردة على الدوام فقد سخنت في كوريا وفيتنام وأفغانستان وأماكن أخرى من العالم، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر فأن الاختلال أصبح أكثر خطورة، لأن سقوط جدار برلين اسقط معه قيم الحوار العلماني وعصف على الفور بالمناخ الفكري الذي كان سائدا أبان الحرب الباردة، فبعد أن كانت المجابهة الإيديولوجية بين الماركسية وخصومها مجابهة فكرية أصبح الحوار تعزيزا للانتماءات الوراثية على حساب الآراء المكتسبة خصوصا الدينية منها ليس الا بحيث إن التعايش بين مختلف الجماعات البشرية بات يزداد صعوبة يوما بعد يوم ص 24، ويؤشر المعلوف علة من علل الانهيار القيمي الذي أحدثته رياح العولمة، ويقدر الثمن الروحي لتحول الكرة الأرضية الى قرية صغيرة، فقد تباينت وتيرتا التطور المادية والأخلاقية وتناشزتا بشكل افقده لذته الإنسانية فيقول إن ما نشكو منه هو الهوة المتزايدة عمقا بين تقدمنا المادي السريع الذي يزيدنا خروجا من عزلتنا كل يوم، وبين تقدمنا الخلقي البطئ الذي لا يسمح لنا بأن نواجه العواقب المفجعة لهذا الخروج من العزلة ص 82 وبدلا من انفتاح الشعوب على على ثقافة الآخر، انغمست في البحث عن الشاشات التي تعزز قناعاتها وتبرر ضغائنها وأصبحت ماكنة العولمة مطية للعشيرة وللطائفة، ولم توفق الولايات المتحدة وهي المالك الأكبر لتلك الماكنة، أن تقنع الشعوب بحكومة كونية كما تريد إن تكون الولايات المتحدة وان هي أصرت على ذلك فعليها أن تجد شرعية لذلك غير سطوتها الاقتصادية والعسكرية المذهلة فالعالم بحاجة إلى أمريكا متصالحة مع نفسها تمارس دورها الكوني في حدود احترامها للإنسان، فأذا كانت الولايات المتحدة قد فشلت في الكثير من مشاريعها، فهل كانت بعض الدول الغربية على حق في تبرير هذا الفشل ؟ وهل حقا أن الشعوب الأخرى كانت غير جاهزة لتقبل الديمقراطية ؟
إذ قيل إن غلطة الأميركيين هي أنهم أرادوا أن يفرضوا الديمقراطية على شعب لا يريدها و مثالهم العراق. اما الفصل الثاني فقد اسماه المؤلف الشرعيات الضالة يريد بذلك الشرعية السياسية وقبول سلطة الآخرين ولو على درجة من الإكراه، ويسوق لنا أمثلة كثيرة على الشرعية، منها ما استمر لفترة طويلة وهو شرعية كمال أتاتورك، فهذا الرجل استطاع ان يؤرب الأتراك المنكسرين في الحرب العالمية الأولى، فقد خرج بشعبه منتصرا، بعد الهزيمة، على أعداء اشتهروا بالقوة والمنعة، وأجبرهم على إعادة النظر في مشاريعهم، وقاتل كي يعامل باحترام، لذلك فأن شرعية أتاتورك ظلت قائمة بعده، خلاف شرعية جمال عبد الناصر، بصعوده العاصف وفشله العاصف أيضا ثم رحيله الفجائي، ويرى المعلوف إن عبد الناصر لم يستطع أن يخرج بلاده من التخلف ولم يحسن إقامة مؤسسات سياسية عصرية وان مشاريعه الاتحادية لم تعرف غير الفشل وتوجت كل ذلك بهزيمة عسكرية مدوية أمام إسرائيل ص 140 وتمكن الاسلامويون من إسماع صوتهم عقب إفلاس الناصرية ولكن الاثنين لم يتمتعا بشرعية حقيقية، وان غياب الشرعية هو شكل من أشكال انعدام الوزن الذي يخلخل السلوكيات وربما تستطير شرره بعيدا ولا يبقى محليا صرفا.
وينظر الكاتب إلى المعسكر الغربي الرأسمالي على أنه فقد هجّاءا محترفا لا بديل عنه هو الأنظمة الشيوعية التي طالما انتقدت النظام الاجتماعي الرأسمالي ونبهت إلى حقوق الشغيلة وكانت أكثر إصغاء لممثليهم من أجل إدارة إنسانية لاقتصاد السوق فبل انهيار جدار برلين، وعادت العلاقة بين الإنسان والمال إلى حالتها البرية الفاحشة.
ويتساءل المؤلف قائلا هل ثمة حاجة للقول حرفيا بان هذا الاختلال المالي هو أيضا وربما قبل أي شئ مؤشر إلى اختلال في سلم قيمنا؟ ص 195 . فيما عرض الفصل الثالث التيقنات الخيالية والتي يطرح فيها رؤى قد تعيد للشرعيات قيمتها وتظهر نقاط الدلالة بوضوح بعد استعادة الصوى المفقودة، ولكي يمنع المؤلف ما قد يلتبس على القارئ، فأن الحل ليس بالرجوع السلفي إلى الشرعيات التقليدية أو الحداثة المبتذلة ولكن الحل يكون باستنباط سلم قيمي جديد يستوعب تنوعنا المدهش وبيئتنا ومواردنا مع حياتنا المشتركة وقدرتنا على البقاء، دون الوقوع في براثن العولمة الطائفية والتي هي أشد عواقب العولمة، ولا مناص من القول إن القطيعة بين الغرب والعالم الإسلامي ترسخت كثيرا بعد الاعتداءات الفتاكة في 11 أيلول 2001 وهي بحق تندرج كعنوان شنيع في تاريخ القرن الجديد فمن الذي يعيد الثقة للإنسانية بنفسها؟ فالإنسانية ما كانت في يوم من الأيام أكثر حاجة للتضامن والتكافل للوقوف بوجه المخاطر المتربصة بوجودها التاريخي المفرط في الطول.
/6/2012 Issue 4226 – Date 14 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4226 التاريخ 14»6»2012
AZP07