معلم في القرية

قصة قصيرة

معلم في القرية

حسين الجاف

معلم القرية الشاب المتشبع بالافكار الماركسية والثورية ويعلم تلاميذ قريته مبادئ القراءة والكتابة والحساب وبعض اوليات الدين البسيطة جنبا الى جنب حب الوطن والعمل على بنائه لخير مواطنيه وازدهار مستقبله ..وكان تلاميذ المدرسة ذات  الصف الواحد من الاناث والذكور ممن لم يكن يتجاوز سن اكبرهم الثانية عشرة من العمر والذين كان لا يزيد عددهم عن 30 تلميذا نبيها من ابناء القرية القريبة من احدى ابار و مصافي النفط التي كان يستحلبها الانكليز في بداية خمسبنيات القرن الماضى وكان التلاميذ يستمعون بأنصات شديد واهتمام بالغ  اليه متحلقين حول  كلام معلمهم الشاب الذي كان يعاملهم بمنتهى الرقة والحنان مثلما يعامل اولاده الاربعة وكان سعيدا جدا بعمله كونه يربي الجيل على مبادئ حب الوطن والتعاون ومساعدة الفقير وكراهية الاستعمار ومستغلي ثروات الوطن  كالنفط وكان يشير بحماسة وصوت عال الى المصفى القريب(مصفى الوند) ويلعن ابا الانكليز الناهبين لهذه الثروة العراقية الثمينة وكان يثير مشاعر التلاميذ ضدهم حين يقول انظروا كيف يركبون السيارات الفارهة الحديثة  وانظروا بيوتهم الحديثة الفارهةبسبب استغلالهم لنفطنا بينما فلاحينا واهل القرية يسكنون في شبه اكواخ و لا يزالون يستعملون البغال والحمير في العمل والتنقل  وبهذه الحواديث الصغيرة وغيرها كان  المعلم الثوري قد شكل بذور الوعي المبكر في اذهان تلاميذه الصغار الذين بدأوا يحسون رغم صغر سنهم بأن البلد مكبل بصورة أو بأخرى بأعباء كثيرة يجب ازالتها …على اية حال كان من بين التلاميذ الصغار بعض ابناء اقطاعيي المنطقة من بكوات واغوات مع  ذلك فأن المعلم الثوري استطاع ان  يوحد مشاعر تلامذته ضدالظلم   والتخلف..مؤكدا بمفاهيم بسيطة لهم بأننا جميعا بل البشر كلهم هم ابناء حواء وادم اي من اب وام واحدة والكل امام الله متساوون ولا فرق بين غني او  فقير ..وما الى ذك من افكار تهدف الى زرع المحبة والتفاهم بينهم وبين الاخرين. كان الموسم شتاء وكانت القرية الخضراء تقع على منحدرات الجبل السامق.. بينما كانت بيوت اقطاعيي القرية تقع  في اعلى الجبل اما بيوت الفلاحين الققراء  الطينيةفكانت تقع عند اعتابه السفلى بالقرب  من المدرسة الصغيرة البسيطة  المبنيةمن الحجر  واثر موجات قوية من المطر مصحوبة بعواصف رملية قوية ليلا ،جرفت مجموعة من بيوت الفلاحين الفقراء البسيطة القريبة من المدرسة  فشردت سكانها ودمرت اثاثها البسيط وعندما ذهب التلاميذ  الى المدرسة  احزنهم جدا مشهد  خراب البيوت الطينية وتشرد اهلها وهنا ناداهم المعلم ان يهبوا لنجدة الفلاحين المنكوبين  واشعل نار الحماس في وجدان هؤلاء الصغار للمساعدة وتقدموا الى معلمهم الذي شكل منهم فرقا طوعية للعمل الشعبي بما تيسر لديهم من اسباب بسيطة وفعلا استطاعوا  مجتمعين اعادة بناء بعض الحيطان الطينية ليعود النازحون منها اليها ثانية ..ولم ينصرف التلاميذ الى بيوتهم في الساعة الثانية بعد الظهر كعادتهم كل يوم انما تأخروالى حدو د  الخامسة عصرامما اقلق جدا اهاليهم فانطلق بعض اباء الطلبة  من الاقطاعيين على جيادهم  الى المدرسة  لمعرفة اسباب تأخر ابنائهم وعندما وصلوا الى المدرسة ووجدوا ابنأءهم منتشرين  يجهدون في  اعادة بناء حيطان الطين لبيوت فلاحيهم وقد تلطخت ملابسهم وايديهم  ووجوهم بطبقة من الطين غير خفيفة وهم يعملون تحت اشراف معلمهم الذي كان يحثهم ويشجعهم على المزيد من الجهدلتكملة  ما بدأوه من عمل تعاوني لخدمة الفلاحين الفقراء ابناء قريتهم وما ان رأى اولياء من الاقطاعيين هذا المشهد وتأخرهم  عن العودة الى البيت حتى جن  جنونهم وقالوا  خاصة عندما قال أبناؤهم لهم انهم سعيدون جدا لمساعدة الفلاحين الفقراء في اعادة بناء بيوتهم فأنزعج جدا الاباء من جواب الابناء  ومما فعلوه ولما قال احد الاقطاعيين المنزعجين بحدة:كيف  تخدمون  وهؤلاء خلقهم الله لخدمتنا وخدمتكم..   كيف؟  لكن ابنه ردعليه بعنف وقال لابيه:لا ياأبي هم  خلق الله ونحن من خلق الله  ايضا وليس ثمة فرق بيننا وبينهم فنحن واياهم امام الله والقانون  سواء ادهش هذا الكلام الاب بقدر ما أزعجه ثم دعا باقي متنفذي القرية الى اجتماع عاجل مساء لبحث ما حصل ويحصل اليوم في القرية ومدرستها لان في ذلك بوادر نذر خطيرة على مستقبلهم كأقطاعيين  .وفي الاجتماع الذي حضره المتنفذون القلقون ،ترأس الاجتماع الاب الغاضب  وقال للجمع المحتشد :تبين لي اليوم واعتقد لكم ايضا  بأن ان معلم القرية يسمم افكار اولادنا بأفكار غريبة على مجتمعنا مثل الاشتراكية والمساواة بين الفلاح والملاك صاحب الارض ان جرس الانذار اخذ يدق وعلينا طرد هذا المعلم اوعلى الاقل نقله الى مكان اخر بعيد تأديبا له على  محاولاته لتأليب ابنائنا علينا  وفعلا اتفق الجميع على تقديم مذكرة الى المستر  جورج  مدير المصفى لنقله عن طريق تربية بعقوبة واخراجه من الدار الفسيحة الحديثة التي  منحتها الشركة له بمناسبة تعيينه في قريتنالخدمة اولادنا وليس لتعكير صفو حياتنا بتصرفاته…وفي اليوم  التالي صدر امر من المعارف( التربية) ونقلوا المعلم الثوري احدى قرى ناحية السعدية البعيدة ليسكن هو واطفاله الاربعة  وامه وزوجته في غرفةواحدة4*4 لتقع الاسرة الصغيرة في معاناة ضيق المكان وقلة الاستحمام اضافة ابى مسبباات اخرى للقلق  والضيم. والانزعاج لتتقدم منه زوجته في انزعاج بالغ  وتصرخ في وجهه وتقول:أهذا ما أ ردته أيها الثوري؟!  من توعيتك تلاميذك لرفض الظلم ورفع المعاناة عن الفقير!! ها انك ترى بأم عينيك انعدام ر احتنا بين هذه الجدران ..اين كنا وكيف اصبحنا ؟! فأجابها المعلم الثوري بكل شموخ  : أكيد أن للنضال ضريبة  وانا سعيد بذلك .

مشاركة