معركة مع الموت على متن طائرة

565

معركة مع الموت على متن طائرة

كنت قادماً من المانيا للقاء أخي وأختي التوأمين اللذين يصغراني بعامين وعدم تخييب أملهما بعد خروجهما سالمين من أتون الحرب الطاحنة، عندما ارتجفت الطائرة كقشة تتلوى دون اتزان نتيجة مطب هوائي مرعب. سرعان ما استعاد الربان توازنه المريح، أضحكتني شحنة الأدرينالين المتدفقة في المسافرين وتمثلتها أسفاً بملامح ضحايا أبناء وطني الأم المنهزمون أمام جبروته، تنهدت مبتسماً: نفذنا هذه المرة وحققنا عليه انتصاراً. في حدود العاشرة صباحاً هبطت طائرتي بمطار “اسطنبول”، لمحت ابتسامتيهما المتماثلة، وذرفنا الكثير من الدموع قبل أن نقرر نحن الثلاثة استغلال أسبوع أجازتي على أكمل وجه. تجولنا بين معالم المدينة السياحية ملتقى الأثر الأوربي بالأسيوي، جامع السلطان أحمد، وآيا صوفيا، وتنسمنا من على ظهر باخرة ضخمة رائحة البحر، واستمتعنا بأسراب النوارس ناصعة البياض وهي تلتقط نتف المعجنات التي نلقيها باتجاهها. وقضينا أوقات ممتعة بثلاثة أشهر مطاعم، صانع الكفته “ذكرون علي أسطى” الذي ينزعج من تجمهر السماح المشغولين بالتقاط الصور التذكارية. والشيف “نصرت غوكشية” المعروف برشة الملح الشهيرة، و “براق” صاحب الأبتسامة العريضة. في اليوم الأخير كنا نجلس عند “الكورنيش” المطل على البحر نقضم بلذة “سندويتشات” السمك مع علب المقبلات ” الطرشي” بسعر دولارين للواحدة، اقترحت عليهما الانتظار هنا بضعة أشهر ريثما أقوم بإجراءات لم الشمل، لكن شقيقتي فاجأتني ضاحكة:-

– لم نستطع قتل الوطن بداخلنا كما فعلت.

كرهت لحظة وداعهما فرفضت مرافقتهما لي حتى المطار، وصلت قبل ساعة فأمضيت الوقت المتبقي باحتساء كوب قهوة ومراقبة هبوط وإقلاع الطائرات، تملكتني مشاعر الغربة كان الصخب شديداً، خليط متجانس من اللغات والقوميات، عرب، اتراك، هنود، أفارقة، وأمم أخرى لا أعرف بأي لغة يتحدثون. أخبر المذياع الداخلي عن رقم رحلتي إلى فرانكفورت توسطت بين رجلين، أحدهما سبعيني عن يميني بجانب شباك الطائرة وخمسيني على يساري، كان من الواضح أن معظم الركاب من الأتراك، فالعم السبعيني أخذ يحدثني بلغته التركية، فأجبته بالألمانية: (معذرة لم أفهم شيئاً، هل تتحدث الألمانية)، قال مبتسماً: (نعم، بالطبع أنا مقيم فيها منذ خمسة وعشرون عاماً)، ثم سألني:-

 – من أي بلد أنت..؟

– من العراق.

– سني أم شيعي..؟

تأملته صامتاً، يا إلهي ستة أعوام من الغربة والثلاثة أسئلة ذاتها تطاردني أشبه بسيناريو مكرر، وطنك..؟ مذهبك..؟ ما رأيك بالأمريكان وصدام..؟

وضعت سماعات الأذن وربطتها في شاشة الحاسوب أمامي متظاهراً بالاستماع إلى فيلم لأتحاشى أسئلة العم الفضولية ونقاشاته العقيمة، لكنه مع ذلك لم يصمت و بدأ بسرد قصه كفاحه في ليبيا و المانيا، حصل ارتباك وأعقبه إعلان باللغة التركية، سألت العم ماذا قالوا..؟.

–  لاشيء مهم، يسالون إذا كان طبيب بين الركاب، دعني أكمل لك قصه القذافي و ايطاليا و فرنسا.

أشرت للمضيف بيدي بأني طبيب، قادني باتجاه مؤخرة الطائرة، كانت هنالك مجموعة من المضيفات وركاب مجتمعين يشكلون دائرة، وبجانبهم شاب شاحب اللون يصرخ، أبي كبير بالسن ومريض بالقلب إلا يوجد أحد منكم للمساعدة، قلت بحماس:-

– أنا طبيب، لا تخف سيكون على ما يرام.

كان ثمة رجل عجوز فاقد للوعي، يرتدي واحدة من الملابس الشعبية التركية، رفعت سترته ولاحظت قفصه الصدري يسحب نفساً غير منتظم عميق.

قمت بالضغط على صدره ثلاثون مرة، ثم سألت المضيفة: (أين الامبو باك..؟)، فجلبت لي على عجل حقيبتين، طلبت من مضيف أن يأخذ مكاني ويستمر بالضغط أعلى ووسط الصدر بنفس القوة والسرعة، أخرجت قطعة بلاستيكية توضع على الفم والأنف وربطتها بقنينة أوكسجين وقمت بتثبيتها أنفه وفمه، وطلبت التوقف عن ضغط الصدر.

أخذت ظلال الألوان البنفسجية تعلو وجه العجوز وجسمه يصبح أكثر برودة، لا بد أن القلب لم يعدّ يحضن أجزاء الجسد، أعرف هذه اللحظات جيداً، أوشكت على إعلان الاستسلام  “حالة الوفاة”.

حاولت استعادة بعض أسلحتي الدفاعية، ماذا لو أعلنت النهاية وسحب العجوز بعدها نفساً أخيراً، كيف سأقنع القروي التركي بأنها ردة فعل لا جدوى منها، سيصب اللوم علي مدى الحياة بوفاة والده، ومن الذي سيصدر شهادة الوفاة سيدخلني ذلك بمتاهة من الأسئلة والأجوبة، الشجاعة ليست بالاستعجال في هذه الحالة. أعلن الطاقم بأن على الجميع الجلوس في مقاعدهم وربط أحزمة الأمان، سوف يتم الهبوط اضطرارياً في “فينيا”،  لدى توقف الطائرة وجدنا بانتظارنا فريق  طبي مكون من طبيبة ومساعديها، ثم حدث انهيار تام للمريض وبعد محاولات متكررة لإنعاشه، همست الطبية بأذني.

– لقد فات الأوان، ولكن سنقوم بمحاولة أخيرة.. لمحت الشاب التركي ساهماً، صافحته معزياً: (عزائي الحار لك)، جفل الشاب وهو يرجوني قائلاً: (أرجوك، لا تقلها..هل أنتصر ملك الموت ثانية..؟).

سمعت أصوات ساخرة بمخيلتي حاولت تجاهلها وأنا في طريقي لمقعدي في الطائرة، ثم تجسد لي بنظرته المرعبة: (ستكونون دوماً الخاسرون في معركتكم معي)، تأملته منهزماً تماماً كما في سالف أيامي حينما كان يسرق الأرواح بمستشفى العاصمة بغداد.

كنت لا أزال في بداية مهنتي يصيبني الشعور بالإثم عند كل مريض أفقده، وجدني الطبيب الأقدم أبكي على موت طفلة في السابعة، فربت على رأسي وأخبرني أن مهنتنا لا تتحمل العواطف، مهما كنت طبيباً ناجحا ومخلصا في عملك لا تستطيع ان تمنع قضاء الله وقدره.

كان يمكنني التعايش معه، لكنه ذات مرة فرد جناحه الواسع المرعب، وغدت سطوته كأكثر الألعاب تسلية، فتلتقط الدوريات يومياً عشرات الأجساد المجهولة من على أرصفة الطرقات، ويتركونها متكدسة في المجمدات الكئيبة، صرت أتنفس الدماء بكل الأرجاء، هربت وأنا أقسم على رفات أمي بأني لن أعود مجدداً لهذه الأرض التي تتنفس الاحتضار وحده. وبعد انتصاره الأخير كعادته غادر طائرتنا، لربما هو في طريقه الآن يجبر آخر على توقيع ورقة الرحيل، أو لعله يأخذ قسطاً من الراحة بعد هذه المعركة مع هؤلاء الناس المتمسكون بالحياة.

في تلك الأثناء التي كان العجوز يخسر معركته، كانت طائرة “لوفت هانز” المتجهة إلى “فرانكفورت” تشهد صراع من نوعٍ آخر، فعد ساعة من وصولنا وقد نقصنا راكب، هبطت أخرى بمولود جديد، ضحكت للمفارقة، وللمرة الأولى يشدني الحنين للوطن.

{ مقتبسة من قصة حقيقية

عامر العيثاوي – بغداد

مشاركة