معرض بغداد الدولي للكتاب .. إشارات من الداخل

446

معرض بغداد الدولي للكتاب .. إشارات من الداخل

حدث ثقافي بارز يؤكّد ألق المطبوع الورقي

{  حضور شبابي لافت ومقهى رضا علوان استراحة محارب

{  الندوات المصرفية والمالية تجعل برنامج المعرض جامدا تعوزه الحيوية

أحمد الأمين

تعيش بغداد، منذ الخميس الماضي، حدثا ثقافيا بارزا يتمثل بمعرض الكتاب الدولي، الذي رعى افتتاحه للمرة الاولى في تاريخ صناعة الكتاب العراقي، رئيس الجمهورية برهم صالح، وقد اضفى حضور صالح طابعا من الاهمية الاستثنائية، على دورة المعرض الحالية للمدة من 7 لغاية 18 شباط الجاري. ويتميز المعرض، هذا العام، باتساع حجم المشاركة العربية والدولية فيه، اذ بلغ عدد الدول نحو 23 دولة، فيما بلغ عدد دور النشر المشاركة نحو 700 دار نشر اصلية او ممثلة، بحسب رئيس اتحاد الناشرين العراقيين عبد الوهاب الراضي، الذي احتفظت دار النشر العائدة له، بجناح متميز مؤلف من قسمين. ورصدت (الزمان) في اليوم الثاني للمعرض حضورا واسعا من شرائح مختلفة، اكاديمية وثقافية وصحفية، نسوية وشبابية، وكانت هذه الشرائح الاخيرة تقبل على اجنحة المعرض بكثافة ملحوظة، مؤكدة انها مازالت تستمع بمطالعة الكتاب الورقي، وتدرك اهمية الحصول على المعرفة عبر هذه الوسيلة، التي ظن البعض انها تراجعت امام زحف الثقافة الرقمية ومواقعها الالكترونية.

حضور طاغ

وتميزت اجنحة المملكة العربية السعودية بحضورها الطاغي الذي رافقته فعاليات على قاعة مفتوحة تتضمن سلسلة من المحاضرات والحوارات والندوات الثقافية، لكن ما يؤخذ على اسعار كتبها المعروضة غلاءها الملحوظ، اذا ما قيست بأمرين، الاول ان هدف الحضور السعودي هو اعلامي اكثر منه ربحي، والثاني ان جل دور النشر المشاركة هي واجهات حكومية او شبه حكومية. وكان المناسب لها ان تعرض المؤلفات والمطبوعات بأسعار رمزية، مثلما فعل جناح المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب الكويتي، اذ برغم حداثة معظم اصداراته، فان سعر الكتاب الواحد لم يتجاوز ثلاثة الاف دينار، وهو مبلغ يناسب دخل الفئات الاجتماعية العراقية المثقفة، التي تشكل هوية زوار المعرض ومثيلاته. وفي المجمل فان موضوع اسعار الكتب ظل الشاغل الاساسي لزوار المعرض، وقد رأينا عزوفاً نسبياً عن اجنحة الدور اللبنانية نتيجة ارتفاع اسعار اصداراتها. والمستغرب ان مؤسسة بحثية كمركز دراسات الوحدة العربية والمنظمة العربية للترجمة التابعة له، رفع اسعار مطبوعاته بشكل يصل الى اربعة اضعاف او عشرة، فيما كان يعرضها في دورات سابقة وفي معارض يقيمها في بعض الجامعات العراقية، بسعر زهيد جدا. وادرك الناشرون المصريون اهمية هذه المسألة فعرضوا معظم اصداراتهم باسعأر معقولة او مقبولة، ولاسيما كتب الاطفال، وهذه الاخيرة كانت زهيدة جدا بسبب ان بعضها عرض ضمن اجنحة دعائية أو واجهية بينها دور لاهوتية، قدمت اصدارات ملونة وانيقة او مصورة تستدرج الاطفال نحو القراءة والاستيعاب. وكان حضور العوائل برفقة ابنائهم الصغار اشارة واضحة الى انتقال هواية المطالعة الى الاجيال الجديدة. وتبدو التحضيرات هذا العام موفقة جدا، برغم ضعف الدعم الحكومي لادارة المعرض التي كان لولبها البارز الراضي، ولولا مبادرة البنك المركزي العراقي بالتنسيق مع رابطة المصارف الاهلية لتعذر على المعرض تسجيل الايجابيات التي رأيناها في هذه الدورة. لكن المأخذ ان هذا الدعم فرض هيمنة غريبة على برنامج المعرض وفعالياته، اذ احتل القطاع المصرفي نسبة كبيرة من فقراته الثقافية اليومية، التي تمتد من الساعة 12 ظهرا الى السادسة  مساء. وهو ما افقد الفعاليات حيويتها المطلوبة ازاء جمهور، متنوع الاهتمامات وينحو الى العلوم الاجتماعية والابداعية وحتى الترفيهية المنضبطة.

ضغط الرعاة

وكان على ادارة المعرض الانتباه الى هذا الامر وتجنب الوقوع تحت ضغط الرعاة او الممولين. وثمة نقطة سلبية اخرى في البرامج اذ لم تبادر دور النشر المشاركة الى اقامة حفلات توقيع كتب مؤلفيها او الاحتفاء باصدارات تمثل ثقلا ثقافياً ومعرفياً يدعو الى الاستقطاب، ولاسيما بين جمهور الشباب اصحاب المبادرات الخلاقة. والادهى ان البرنامج تضمن ندوات قضائية وسياسية لا اهمية لها ولا حضور لافت معني بها. وكم كان البرنامج سيبدو اكثر اهمية لو الزمت ادارة المعرض بعض دور النشر، ولاسيما الحكومية في تبني مبادرات من هذا النوع. قضية اخرى سببت متاعب لزوار المعرض وكان على الاجهزة الامنية والحكومية الالتفات اليها، بتوفير ساحات قريبة للمعرض لايقاف السيارات، وكان فقدان (الباركات) يلزم اصحاب المركبات الى تركها في ساحات بعيدة نسبيا، والسير على الاقدام نحو المعرض او حمل المقتنيات من الكتب (وهي ثقيلة) بهدف الوصول الى سياراتهم. ومع ذلك فان زوار المعرض سبقوا افتتاح ابوابه بنحو ساعة. كان بعضهم قد وقف عند بوابة معرض بغداد الدولي، بانتظار الدخول الى القاعة الكبرى لمعرض الكتاب، الذي اقيم على ارض مساحتها نحو 15 الف متر مربع، وهي ضعف مساحته  العام الماضي تتوزع على رفوف اجنحته الاف العناوين باللغتين العربية والانكليزية. يبقى ان ركنا من اركان هذه المساحة كانت الاكثر استقطابا لزوار المعرض هي (مقهى رضا علوان)، التي تحولت الى ملتقى واستراحة مثقف، يهتدي من خلالها الزوار الى اهم الوقائع وابرز الاصدارات ويتبادلون مع ارتشافهم فناجين القهوة بمذاقها المتميز، الاحاديث الثقافية كتقويم الكتب ومحتوى بعض الاصدارات والهموم المجتمعية. ولكي يسهم المعرض كتقليد سنوي مؤثر وفعال، فاننا نقترح ان يصار الى اعلان جوائز في يومه الاخير لاختيار افضل دار نشر محلية وافضل الكتب في المجالات الادبية والعلمية، بهدف تشجيع التأليف وتعضيد النشر، وحث المؤسسات العراقية على تطوير قدرات انتاج الكتب وصناعة المطبوعات والدخول في منافسة مشروعة مع دور النشر العربية والاجنبية. لقد اتجهت معظم المعارض الدولية الكبرى، ولاسيما معرضا القاهرة والشارقة، نحو اقامة مسابقة من هذا النوع. وما احرانا ان نقتدي بالتجارب التي سبقتنا قبل نحو نصف قرن، او نجحت في توسيع نشاطاتها لتكون في خدمة المجتمع، وبالتالي تشعر الزوار حقاً بأن (كتاب واحد يخلق حياة متجددة).

مشاركة