معتقلة‭ ‬سورية‭ ‬ولدت‭ ‬طفلها‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬تحاول‭ ‬بدء‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭: ‬عذّبوا‭ ‬والدي‭ ‬وأخي‭ ‬أمامي

474

معرة‭ ‬مصرين‭ ‬(سوريا) –‭ ‬(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬تقول‭ ‬حسنا‭ ‬دبيس‭ ‬أنها‭ ‬مصممة‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬قضتها‭ ‬في‭ ‬سجون‭ ‬النظام‭ ‬السوري،‭ ‬عُلقت‭ ‬خلالها‭ ‬من‭ ‬معصميها‭ ‬وتعرضت‭ ‬للضرب‭ ‬والتعذيب‭ ‬وتحّملت‭ ‬المرض،‭ ‬على‭ ‬بدء‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬لها‭ ‬ولطفلها‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬في‭ ‬زنزانة‭.‬

لكن‭ ‬المهمة‭ ‬تبقى‭ ‬صعبة‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الشابة‭ ‬الثلاثينية‭ ‬المنقبة‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬لتأمين‭ ‬مصدر‭ ‬رزق‭ ‬وخصوصا‭ ‬بعدما‭ ‬خرجت‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬من‭ ‬السجن‭ ‬لتجد‭ ‬أفراد‭ ‬عائلتها‭ ‬مشتتين‭ ‬أو‭ ‬مفقودين‭ ‬أو‭ ‬قتلى،‭ ‬وأبناء‭ ‬منطقتها‭ ‬في‭ ‬الغوطة‭ ‬الشرقية‭ ‬توجهوا‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬غرب‭ ‬البلاد‭.‬

وحسنا‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬عشرات‭ ‬آلاف‭ ‬السوريين‭ ‬الذين‭ ‬قضوا‭ ‬معظم‭ ‬سنوات‭ ‬النزاع‭ ‬خلف‭ ‬قضبان‭ ‬سجون‭ ‬النظام‭ ‬لمشاركتهم‭ ‬أو‭ ‬دعمهم‭ ‬للاحتجاجات‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬سلمية‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬نزاع‭ ‬دام‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬2011،‭ ‬شاركت‭ ‬الشابة‭ ‬المتحدرة‭ ‬من‭ ‬بلدة‭ ‬حرزما‭ ‬في‭ ‬الغوطة‭ ‬الشرقية،‭ ‬كما‭ ‬تروي‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‭ ‬في‭ ‬التظاهرات‭ ‬الشعبية‭ ‬الحاشدة‭.‬

ثمّ‭ ‬تطوّعت‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬النقاط‭ ‬الطبيّة‭ ‬لعلاج‭ ‬المصابين‭ ‬خلال‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬التي‭ ‬تصدت‭ ‬لها‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭. ‬واعتقلت‭ ‬في‭ ‬الغوطة‭ ‬الشرقية‭ ‬في‭ ‬آب/أغسطس‭ ‬2014،‭ ‬وكانت‭ ‬حاملاً‭ ‬في‭ ‬شهرها‭ ‬الثاني،‭ ‬بعد‭ ‬توجيه‭ ‬تهمة‭ ‬«التعامل»‭ ‬مع‭ ‬الفصائل‭ ‬المعارضة‭ ‬لها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تنفيه‭.‬

خلال‭ ‬سنوات‭ ‬اعتقالها،‭ ‬تنقلت‭ ‬بين‭ ‬فروع‭ ‬أمنية‭ ‬وسجون‭ ‬عدة‭. ‬وتستعيد‭ ‬كيف‭ ‬أمضت‭ ‬أربعين‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬انفرادي‭ ‬تراكمت‭ ‬فيه‭ ‬القمامة‭ ‬وانتشرت‭ ‬فيه‭ ‬الحشرات‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬معاناتها‭ ‬تفاقمت‭ ‬حين‭ ‬نُقلت‭ ‬إلى‭ ‬فرع‭ ‬أمني‭ ‬حيث‭ ‬«تفاجأت‭ ‬بوجود‭ ‬شقيقي‭ ‬ووالدي‭ ‬فيه،‭ ‬وقد‭ ‬جرى‭ ‬تعذيبهما‭ ‬أمامي»‭.‬

بعد‭ ‬ولادتها‭ ‬طفلها‭ ‬محمد،‭ ‬تم‭ ‬نقلهما‭ ‬إلى‭ ‬سجن‭ ‬الفيحاء‭ ‬في‭ ‬دمشق‭. ‬وتقول‭ ‬«جاء‭ ‬طفل‭ ‬جديد‭ ‬إلى‭ ‬حياتي‭ ‬ولم‭ ‬أعلم‭ ‬ماذا‭ ‬أفعل‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬المعتقل»‭.‬

‭(‬بقية‭ ‬الخبر‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬الزمان‭)‬

وتضيف‭ ‬«لم‭ ‬يكن‭ ‬لديه‭ ‬لباس،‭ ‬طلبت‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬يعطوني‭ ‬مقصاً‭ ‬وإبرة‭ ‬لأخيط‭ ‬له‭ ‬ثياباً‭ ‬من‭ ‬ملابسي‭ ‬وأغطي‭ ‬جسمه‭ ‬الصغير»‭.‬

كبر‭ ‬محمد‭ ‬في‭ ‬المعتقل،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الوحيد،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬أطفال‭ ‬معتقلات‭ ‬أخريات‭ ‬بينهن‭ ‬عراقيات‭ ‬متهمات‭ ‬بالارتباط‭ ‬بتنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭.‬

وتقول‭ ‬حسنا‭ ‬«حين‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬المعتقل،‭ ‬كان‭ ‬حلمي‭ ‬أن‭ ‬أمشي‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬مع‭ ‬إبني،‭ ‬أدخل‭ ‬إلى‭ ‬المتجر‭ ‬معه‭ ‬وأشتري‭ ‬له‭ ‬الملابس‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬كل‭ ‬الأمهات»‭.‬

‭ ‬«مرض‭ ‬وتعذيب‭ ‬وشبح»‭ ‬

في‭ ‬سجن‭ ‬الفيحاء،‭ ‬تشاركت‭ ‬حسنا‭ ‬الزنزانة‭ ‬مع‭ ‬فتاة‭ ‬إثيوبية‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬20‭ ‬عاماً،‭ ‬كانوا‭ ‬ينادونها‭ ‬لميس،‭ ‬وساعدتها‭ ‬على‭ ‬الاهتمام‭ ‬بطفلها‭ ‬أثناء‭ ‬تواجدها‭ ‬في‭ ‬التحقيق‭.‬

وكان‭ ‬التحقيق‭ ‬كما‭ ‬تروي‭ ‬يمتدّ‭ ‬لساعات‭. ‬وتوضح‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬بعد‭ ‬الولادة‭ ‬«بدأ‭ ‬المحقق‭ ‬خلع‭ ‬نقابي‭ ‬ونظر‭ ‬إلى‭ ‬شعري‭ ‬وأحضر‭ ‬سكيناً‭ ‬وبدأ‭ ‬بقصه،‭ ‬ثم‭ ‬ضربني‭ ‬ضرباً‭ ‬مبرحاً»‭.‬

وتابعت‭ ‬«استخدم‭ ‬معي‭ ‬طريقة‭ ‬+الشبح‭ ‬أي‭ ‬تعليق‭ ‬المعتقل‭ ‬بالسقف‭ ‬من‭ ‬معصميه،‭ ‬وهو‭ ‬أسلوب‭ ‬تعذيب‭ ‬شائع‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬السورية‭.‬

وتكرر‭ ‬الأمر‭ ‬لاحقاً‭ ‬مرات‭ ‬عدة‭. ‬وفي‭ ‬غالبية‭ ‬الأحيان‭ ‬كان‭ ‬حراس‭ ‬السجن‭ ‬يدخلون‭ ‬عند‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬إلى‭ ‬زنزانتها‭ ‬وينقلونها‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬أخرى‭ ‬تتعرض‭ ‬فيها‭ ‬للضرب‭ ‬والتعذيب،‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬قولها‭.‬

خلال‭ ‬اعتقالها،‭ ‬تروي‭ ‬حسنا‭ ‬أنها‭ ‬أصيبت‭ ‬بمرض‭ ‬السل‭ ‬وتم‭ ‬ابعادها‭ ‬عن‭ ‬إبنها‭ ‬لأربعة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تلقي‭ ‬العلاج‭. ‬ولدى‭ ‬خروجها‭ ‬لم‭ ‬يتعرّف‭ ‬طفلها‭ ‬إليها‭. ‬وتقول‭ ‬«هذا‭ ‬كان‭ ‬الموقف‭ ‬الأصعب‭ ‬(‭…‬)‭ ‬لم‭ ‬يتعرف‭ ‬علي»‭.‬

وفي‭ ‬نيسان/أبريل‭ ‬2018،‭ ‬أبلغها‭ ‬آمر‭ ‬السجن‭ ‬قرار‭ ‬«اخلاء‭ ‬السبيل»،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ظنته‭ ‬دعابة‭ ‬في‭ ‬بادئ‭ ‬الامر‭. ‬وكان‭ ‬عمر‭ ‬محمد‭ ‬حينها‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬ونصف‭.‬

ظنّت‭ ‬حسنا‭ ‬أنها‭ ‬ستعود‭ ‬حينها‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬عائلتها‭ ‬في‭ ‬الغوطة‭ ‬الشرقية،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬مدخل‭ ‬المنطقة‭ ‬طلب‭ ‬منها‭ ‬عناصر‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭ ‬الصعود‭ ‬في‭ ‬حافلات‭ ‬كانت‭ ‬تقل‭ ‬آخر‭ ‬المغادرين‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬دوما‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬اتفاق‭ ‬إجلاء‭ ‬لرافضي‭ ‬اتفاق‭ ‬تسوية‭ ‬مع‭ ‬دمشق،‭ ‬حسب‭ ‬روايتها‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬حسنا‭ ‬على‭ ‬علم‭ ‬بالعملية‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬الغوطة‭ ‬الشرقية‭ ‬وما‭ ‬تبعها‭ ‬من‭ ‬اتفاقات‭ ‬إجلاء‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬الشمال‭. ‬وهكذا‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬تصل‭ ‬مع‭ ‬طفلها‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬سيطرة‭ ‬الفصائل‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬حلب‭ ‬الشمالي‭.‬

أما‭ ‬محمد‭ ‬فكانت‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يختبر‭ ‬فيها‭ ‬الحياة‭ ‬خارج‭ ‬جدران‭ ‬الزنزانة‭. ‬وتستعيد‭ ‬كيف‭ ‬أنه‭ ‬فور‭ ‬رؤيته‭ ‬عربة‭ ‬خضار‭ ‬ركض‭ ‬نحوها،‭ ‬وأخذ‭ ‬حبة‭ ‬بندورة‭ ‬«وبدأ‭ ‬يأكلها‭ ‬بسرعة‭ ‬فهي‭ ‬شيء‭ ‬لم‭ ‬يراه‭ ‬من‭ ‬قبل»‭.‬

‭ ‬أين‭ ‬عائلتي؟‭ ‬

من‭ ‬ريف‭ ‬حلب‭ ‬الشمالي،‭ ‬انتقلت‭ ‬حسنا‭ ‬إلى‭ ‬إدلب‭ ‬وتمكنت‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬إحدى‭ ‬شقيقاتها‭ ‬المقيمة‭ ‬في‭ ‬دمشق‭. ‬وتبلّغت‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬شقيقة‭ ‬ثالثة‭ ‬مع‭ ‬وشقيقهما‭ ‬الصغير‭ ‬(17‭ ‬عاماً)‭ ‬يقيمان‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬إدلب‭ ‬المجاورة‭.‬

وبعد‭ ‬فترة،‭ ‬اجتمع‭ ‬الأشقاء‭ ‬الثلاثة‭ ‬معاً‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬تتوقع‭ ‬أبداً‭ ‬ما‭ ‬ستسمعه‭ ‬من‭ ‬إجابات‭ ‬على‭ ‬أسئلتها‭ ‬الكثيرة‭. ‬إذ‭ ‬توفيت‭ ‬أمها‭ ‬وقُتل‭ ‬زوجها‭ ‬«بتهمة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المعارضة»،‭ ‬واعتُقلت‭ ‬شقيقتاها‭ ‬الصغيرتان‭ ‬قبل‭ ‬عامين‭ ‬وانقطعت‭ ‬أخبار‭ ‬والدها‭ ‬وشقيقها‭ ‬في‭ ‬السجن‭.‬

وتقول‭ ‬حسنا‭ ‬«بعدما‭ ‬عرفت‭ ‬مصير‭ ‬العائلة‭ ‬المؤلم،‭ ‬قررت‭ ‬بدء‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬مع‭ ‬طفلي‭ ‬(‭…‬)‭ ‬وأن‭ ‬أعمل‭ ‬لنعيش»‭.‬

اضافت‭ ‬انها‭ ‬تعرّفت‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬على‭ ‬زوجها‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬(25‭ ‬عاماً)‭. ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬زواجهما،‭ ‬أصيب‭ ‬بقصف‭ ‬لقوات‭ ‬النظام،‭ ‬وبات‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬العمل‭.‬

واضطرت‭ ‬حسنا‭ ‬بعدها‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬عمل،‭ ‬فالتحقت‭ ‬بمشغل‭ ‬خياطة‭ ‬خاص‭ ‬بالمعتقلات‭ ‬السابقات،‭ ‬بمبادرة‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬«مداد»‭ ‬الإنسانية‭ ‬المحلية،‭ ‬بعدما‭ ‬خضعت‭ ‬لدورات‭ ‬تدريبية،‭ ‬وباتت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬مصروف‭ ‬المنزل،‭ ‬وتأمل‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الخياطة‭ ‬مهنتها‭.‬

وتخشى‭ ‬حسنا‭ ‬التي‭ ‬تعرب‭ ‬عن‭ ‬سعادتها‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬تجاربها‭ ‬الصعبة‭ ‬هجوماً‭ ‬وشيكاً‭ ‬على‭ ‬إدلب،‭ ‬مع‭ ‬تعرض‭ ‬المنطقة‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬نيسان/إبريل‭ ‬لقصف‭ ‬جوي‭ ‬سوري‭ ‬وروسي‭ ‬كثيف‭.‬

وتقول‭ ‬«أكثر‭ ‬ما‭ ‬يخيفني‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يهاجم‭ ‬النظام،‭ ‬لا‭ ‬أريده‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬إلى‭ ‬إدلب‭ ‬ويعيدني‭ ‬إلى‭ ‬المعتقل»‭ ‬مجدداً‭.‬

مشاركة