معاهدة لوزان .. ما لها وما عليها

435

قضية الموصل وقرار عصبة الأمم

معاهدة لوزان .. ما لها وما عليها

مقداد العرداي

جرى التوقيع في مدينة لوزان السويسرية على معاهدة صلح بين كل من تركيا كطرف من جهة ،وبين كل من إنكلترا وفرنسا وإيطاليا كطرف من جهة أخرى في  24تموز/يوليو (1923)، والمعاهدة كانت قد تضمنت (143) مادة موزّعة على (17) وثيقة ما بين “اتفاقيّة” و”ميثاق” و”تصريح” و”ملحق”وتناولت ترتيبات الصلح بين الأطراف الموقعة عليها، وإعادت المعاهدة تأسيس العلاقات الدبلوماسيّة بين الأطراف المتعاقدة وفقاً للمبادئ العامّة للقانون الدوليّ”.

وكانت هيكلية المعاهدة قد سيقت وفق الآتي:

مؤتمر المضايق التركية.

إلغاء التعهدات.

تبادل السكان بين اليونان وتركيا.

الإتفاقيات.

الرسائل الملزمة.

كما نظمت المعاهدة فيها العلاقات بين تلك الدول ذات العلاقة، في مرحلة ما بعد الحرب التركية اليونانية، وكذلك في تصفية آثار الحرب العالمية الأولى، وتعتبر أيضاً هذه المعاهدة إعلان لتأسيس الجمهورية التركية الحديثة برئاسة مصطفى كمال أتاتورك. وإنها دخلت حيّز التنفيذ في (6) أيلول (1942)، وأودعت رسميّاً في باريس.

 وقد تخلّت تركيّا في تلك المعاهدة عن السيادة على قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام، باستثناء مدن كانت تقع في سوريّة مثل أورفا وأضنة وغازي عنتاب وكلّس ومرعش، وكذلك بتنازل الدولة العثمانيّة عن حقوقها السياسيّة والماليّة المتعلّقة بمصر والسودان اعتباراً من نوفمبر/ تشرين الثاني عام (1914). وفرضت المعاهدة شروطًا قسرية على الدولة التركية الجديدة منها :

1- إنهاء الخلافة، وإعلان علمانية الدولة.

2- منع تركيا من التنقيب عن البترول على أراضيها، ويمكنها استيراد البترول فقط.

3- إعتبار مضيق البوسفور ممًرا مائًيا دولًيا ولا يحق لتركيا تحصيل أي رسوم عن السفن المارة فيه.

إن الشروط الثلاثة المذكورة آنفًا، في الحقيقة، كانت شروطاً مذعنة، ولم تكن تُفرض على الدولة التركية الوليدة، لولا الحالة التي آلت اليها الدولة العثمانية، وفقاً لمعاهدة سيفر، ” وهي معاهدة عقدت في قرية سيفر الفرنسية بين الحلفاء والدولة العثمانية عقب خسارة الأخيرة في الحرب العالمية الاولى”، الى دويلة صغيرة تكاد أن تكون قابلة للحياة. لذلك تعتبر معاهدة لوزان تمكناً كبيراً لتركيا في حدودها المعروفة الآن. وما للأتراك أن يقبلوا بهذه الشروط لولا أن رأوا وضعاً مميزاً ينبغي قبوله والمحافظة عليه. غير إن من غير المنصف القول إن الأتراك قبلوا طوعًا بهذه الشروط، فالعلمانية كانت في حينها نظاماً قسرياً لم يألفها على بلد في تكّون جديد، رغم ترحيب القادة الجدد كمال أتاتورك ومن معه، ففي طبيعة الحال كانت شيئاً جديداً على بلد كان يعتبر حامي عرى الإسلام، وأصل قيام وبقاء الدولة العثمانية ما هو إلا على ذلك الأساس. لذا فإن ترويض شعوب الدولة الجديدة على هذا شيء ليس بالهين. والشرط الثاني في منع التنقيب عن  النفط هو الأخر محاولة من الدول المتحالفة من الإعاقة عن سلعة حيوية جدًا تنتفع بها الدولة الوليدة في عملية التطور والبناء اللذان تميزا بهما العصر الحديث. إضافة الى شرط إعتبار البسفور ممراً مائيًا دوليًا رغم أن شاطئيه أراضٍ تركية، وهو ممر مائي تركي بإمتياز. هذه مجتمعة شروط إذعان مجحفة بحق الجمهورية التركية. وقد تكون مجال بحث من تركيا لإيجاد أرضية مناسبة لتغييرها. كانت بوادرها في قيام تركيا بإجراء مسوحات لإستكشافات للنفط والغاز على مياهها الدولية. والقيام بشق قناة جديدة موازية للبسفور للعبور الى المتوسط لقاء رسوم، في تحد لمــــسألة المنع المذكورة.

وعوداً على أصل الموضوع، فإن بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 إتفقت الدول المتحالفة التي إنتصرت في الحرب على إيرام معاهدة بينها سميت بسيفر” يوم 10 آب/ أوغسطس 1920 فتقاسمت بموجبها أراضي الدولة العثمانية، وأعطت معظم القوميات غير التركية في الدولة العثمانية استقلالها، ولكن الأتراك رفضوا هذه المعاهدة وخاضوا حرباً انتصروا  فيها على اليونان، كانت سبباً لمعاهدة لوزان الثانية. غير إن هذا لا يمنع من إستذكار، إن معاهدة سيفر، قد جرى توقيعها مع الدولة العثمانية في إسطنبول، لذا يعتبرها الأتراك غير ملزمة لهم، في ضوء الحقائق الجديدة على الأرض اليونانية. التي مهدت الى ذلك، وبموجب تلك الحقائق، عُقد “مؤتمر لوزان” الثاني الذي استمرت أعماله ثلاثة أشهر، وتمخض عن توقيع “معاهدة لوزان” يوم  24تموز/ يوليو عام 1923. وكانت أطراف المعاهدة القوى المنتصرة بعد الحرب العالمية الأولى، والدولة العثمانية. وقد وضعت هذه المعاهدة حداً لإمبراطورية الخلافة العثمانية، وأسست لقيام الدولة التركية القومية الحديثة. وقد سُميت “معاهدة لوزان الثانية” تمييزا لها عن اتفاقية لوزان الأولى (معاهدة أوشي) الموقعة في  18تشرين الأول/ أكتوبر عام  1912بين إيطاليا والدولة العثمانية، والقاضية بانسحاب الأخيرة من ليبيا لصالح إيطاليا.

كما نظمت معاهدة لوزان الثانية استخدام المضايق المائية التركية وقواعد المرور والملاحة فيها زمن الحرب والسلم، واحتوت نصوصا تحدد شروط الإقامة والتجارة والقضاء في تركيا، وإعادة النظر في وضعية الدولة العثمانية وما آلت اليه الأراضي التي كانت تابعة لها قبل هزيمتها في الحرب. فيما تناست “معاهدة لوزان الثانية”  الكرد وحقوقهم حين تجاهلت منحهم الاستقلال بدولة قومية خاصة بهم، كما نصت عليه “معاهدة سيفر”. وهو ما كان بداية لقضيتهم التي أصبحت مصدر قلق وتوتر للعديد من دول المنطقة وازدادت تعقيدا مع مرور الأيام، تاركة آثارا سياسية وإنسانية كبيرة وخطيرة، لحد الآن.

قضية الموصل:

فيما يقوله السياسيون الأتراك بشأن عائدية ولاية الموصل الى تركيا، لم أَجِد أحداً منهم قد إحتكم الى القانون الدولي او الى أي حجة قانونية معتبرة، أو الى نص واضح في معاهدة لوزان يؤيد ما يذهبون اليه في تصريحاتهم، على عودة ولاية الموصل الى تركيا بعد نفاذ مدة معينة منصوص عليها، أو الى نص في المعاهدة يتناول هذا الموضوع من قريب أو بعيد. كما لم أَجِد إن هؤلاء السياسيون قد هددوا بالمطالبة باللجوء الى تحكيم قضائي، أو الى أحالة الموضوع على محكمة العدل الدولية أو الإستئناس بأي رأي قانوني، أو الركون الى أي جهة قانونية رصينة، ليفسر، أو ليعطي رأياً معتبراً، في حالة ولاية الموصل، وفقاً لأسس ومبادئ القانون الدولي.

الحجة التي تتذرع بها تركيا ، أن قرب نهاية الحرب العالمية الأولى وقعت الدولة العثمانية على هدنة مودروس، التي أرست وقفاً لإطلاق النار مع بريطانيا، في 30 آب/1918. وبعد ثلاثة أيام في 2 تشرين الاول/ 1918، إحتلت القوات البريطانية ولاية الموصل وتمكنت من هزيمة القوات العثمانية في 5 تشرين الأول/ نوفمبر 1918، وأجبرتها على الإستسلام. لذلك  فأن أي مطالبة بولاية الموصل إستناداً لتلك الواقعة إنما نرى، من الناحية القانونية مجانبة للصواب، وإن معاهدتي سيفر ولوزان اللتان حددتا مستقبل ولاية الموصل بشكل صريح، وواضح، أفضى الى ما جاء بنص الفقرة (2) من المادة (3) مَن إتفاقية لوزان الثانية على عرض الموضوع على عصبة الامم إن لم تتوصل الأطراف المعنية الى تسوية للقضية. وقد جاء قرار عصبة الأمم، بعد إرسالها لجنة لتقصي الحقائق، والمشاهدة على الارض، وإجرائها إستفتاءاً للسكان المحليين، بشأن ذلك، على عائدية الموصل الى العراق. ثم  جرى إنهاء هذه القضية بشكل تام بعد موافقة تركيا على ذلك، ووقعت  في 5 حزيران/ يونيو 1926مع بريطانيا على ترسيم الحدود التركية – العراقية، وغلق ملف ولاية الموصل بشكل نهائي. مع إجراء تعديلات بسيطة، وافقت عليها الأطراف المعنية، حسب البند (14) من المعاهدة، يتم بموجبه تعويض شركة النفط التركية بقيمة 10٪ من دخل نفط الموصل على شكل دفعات لمدة 25 سنة.  ثم جرت لاحقًا تسوية هذه المسألة، بتنازل تركيا مقابل تسلم مبلغ 500/000 خمسمائة الف جنيه إسترليني ذهب، دفعة واحدة.

نص الفقرة (2) من المادة (3) من الإتفاقية:

” تُرسم الحدود بين تركيا والعراق في ترتيب ودي يُبرم بين تركيا وبريطانيا في غضون تسعة أشهر.

في حالة عدم التوصل الى  إتفاق بين الحكومتين في الوقت المذكور، يحال النزاع الى مجلس عصبة الأمم. تتعهد الحكومتان التركية والبريطانية بشكل متبادل بأنه، ريثما يتم التوصل الى قرار بشأن الحدود، لن تحدث أي حركة عسكرية، أو حركة أخرى، قد تعدل بأي شكل من الأشكال  الوضع الحالي للأراضي التي سيعتمد المصير النهائي عليها هذا القرار”.

تولد عن نزاع الدولتين ما أصبح يسمى “مسألة الموصل”، وقد تبنتها أولا “عصبة الأمم” وبذلت مساعي لتسويتها بالتراضي إلا أنها لم تستطع، فاتخذت – في 16 ديسمبر/كانون الأول 1925- قرارا بعودة الموصل إلى العراق ( لم ينفذ رسميًا إلا في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 1932).

ثم دخلت ثانياً “بريطانيا والدولة العثمانية” في مفاوضات ثنائية لحل نزاعهما بشأن الموصل أسفرت عن “اتفاقية أنقرة” التي وقعها الجانبان، والمملكة العراقية آنذاك، بالعاصمة التركية، أنقرة.

قرار عصبة الأمم:

عيـَن مجلس عصبة الأمم لجنة تحقيق وتقصي الحقائق، أوصت بعد إجراء إستفتاء للسكان، بأن العراق ينبغي أن يحتفظ بالموصل، وقبلت تركيا بالقرار على مضض بتوقيعها إتفاقية أنقرة مع الحكومة العراقية في 5 مايو/ أيار 1926. وقد وافق العراق على أن يعطي 10%  من عوائد نفط الموصل لتركيا لمدة 25عاماً.

إتفاقية أنقرة :

من أهم النقاط التي نصت عليها “اتفاقية أنقرة” ما يلي

– تبعية ولاية الموصل للعراق وتنازل تركيا عن أي ادعاءات بشأنها.

– ترسيم الحدود بين البلدين بشكل نهائي طبقا لما يسمى “خط بروكسل” واعتبارها غير قابلة للانتهاك (أعلنت تركيا اعترافها الرسمي بالدولة العراقية في  15مارس/آذار 1927).

–  حصول تركيا على نسبة 10٪ من عائدات نفط كركوك في ولاية الموصل لمدة  25سنة. “جرى تسويتها بشكل نهائي كما تم التطرق له”.

–  إعطاء تركيا حق التدخل العسكري في الموصل وشمالي العراق لحماية الأقلية التركمانية القاطنة هناك إذا ما تعرضت لأي اعتداء، أو لحق بوحدة الأراضي العراقية أي “تخريب”. إن فقرة إعطاء تركيا حق التدخل العسكري في إتفاقية أنقرة مهدت  لكل الإتفاقيات اللاحقة بين العراق وتركيا، والتي سمحت بدخول قوات عسكرية تركية الى الأراضي العراقية في فترات مختلفة، تعتمد، في أحيان، على قوة أو ضعف الحكومات العراقية المتعاقبة. والتدخلات الحالية في شمال العراق، والوجود العسكري التركي على الأرض العراقية نتاج هذه الفقرة، ولو أن الأعذار التركية بتتبع عناصر إرهابية تركية تعمل على الارض العراقية، يقابلها الضعف العراقي في الرد لمنع تلك العناصر، يعطي “الحجة الشرعية” لها في مسألة الدفاع عن النفس. وما كان لتركيا أن تفعل مثل هذه، عندما كان للعراق قوة ردع هائلة.

كذبة البنود السرية:

يسرب، البعض وعلى الأغلب، السياسيون الأتراك المتصيدون، عندما يفقدون وزنهم السياسي، أو عندما يجبرون تحت أمر ضغوط خارجية، أو عند فرض إرادات عليهم، تتقاطع مع شعاراتهم السياسية، أن يطلقوا بالونات تدغدغ مشاعر ناخبيهم، وعلى مر العصور، والسياسيون الأتراك كثيرا ما مارسوا هذه اللعبة، التي قد تنطلي على الفئات الشعبوية. ومنها أكذوبة البنود السرية، على سبيل المثال؛

– تحديد سريان  معاهدة لوزان بمائة عام تنتهي في عام 2023.

وجود بند في معاهدة مونترو تتعلق بنظام المضايق المــــــــكملة لمعاهدة لوزان لعام (1936)، ومفاد هذا البند ، أن المعـاهدة يمكن مراجعتها كل عشرين  عاماً. وأن تركيا لها الحق في إرسال إخطار بإلغـــــــاء المعـــــــاهدة قبل سنتين من تأريـــــــخ المراجعات العشـــــرينية.

ما يقوله القانون وما تقوله السياسة:أسست معاهدة لوزان دولاً في المنطقة، وأضافت كيانات لدول أخرى، وسلخت ايضاً كيانات، على وفق إتفاقية دولية رعتها الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الأول، وهي المسيطرة على السياسات في ذلك الحين. وبموجب تلك الإتفاقية شهد العالم ولادة دولة حديثة حيوية الآن هي تركيا، خلفت الدولة العثمانية وليست وريثتها، ولولا إتفاقية لوزان، لكان العالم قد شهد دولة تركية هزيلة في وسط هضبة الأناضول مشكوك بقابليتها للحــــــــياة، وفقاً لمعاهدة سيفر لربما تســــــمى تركيا أو أسم آخر.

وقد تخلّت تركيّا في معاهدة لوزان عن السيادة على قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام، باستثناء مدن كانت تقع في سوريّة مثل أورفا وأضنة وغازي عنتاب وكلّس ومرعش، كما جرى ذكر ذلك آنفاً، وأصبحت هذه الكيانات، الآن، دولًا ذات سيادة، ومعترف بها دولياً، وأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، وقبلها دولاً في مجلس عصبة الأمم، كما هو حال تركيا، فما هو الموقف القانوني لهذه الدول محتمعةً اذا ما أرادت تركيا أن تلعب على هواها، لعبة أقل ما يقال عنها خطوة،. وما هو موقف المجتمع الدولي أمام هذه الفوضى التي تريد إثارتها، بإدعاءات، إبتدأتها في كل من العراق وسوريا وليبيا، وهذه الإدعاءات لا تقوى على الصمود، وتثير نزاعات إقليمية لا حدود لها. وليس بمقدور تركيا في ظل ظروف دولية معقدة أن تقوم على تأسيس دولة عثمانية جديدة، ولا دول المنطقة من السهولة ليّ ذراعها في أن تتقبل خلافة جديدة لفظتها بقوة قبل مئة عام.

مشاركة