قصتان قصيرتان – مطر أسود
كاظم السعيدي
في تلك الليلة الظلماء ،ألقت بجسدها المتعب على فراش النوم وإحتضنت وسادتها بقوة شابكة كفيها على تلك المخدة ،وراح خيالها ،يسترجع ما حدث في صباح هذا اليوم ..آه..إني كمن يمشي على الشوك أو على لظى الجمر ..يحاسبني ضميري إنه يؤلمني كثيراً ..آه ..لقد إقترفتُ شيئاً مجحفاً بحق نفسي . لماذا ..كنتُ صارمة ،وشديدة في تلك الساعة ..لماذا ..أصبح خطئي غيمة سوداء ..؟ تزاحمت مفردة (الغيمة ) في مخيلتي ..وأنا اتألم كثيراً كمن فتح جرحه العميق ..أريد أن أتقئ سلوكي الشائن وفعلتي هذهِ حتى أتخلص من تلك ..ال..لماذا..بادرني القاضي الذي بين جنبيَ أحسهً
هكذا ..لماذا تحاسبينها أمام الملاْ من أقرانها ..؟ أجبته كانت غائبة عن الدوام ..قال: لِمَ لَمْ توثقِ ذلك بشكلٍ رسمي ،لتكون محاسبتك قانونية ..؟ أجبتهُ : خانني التعبير وتصرفتُ بحماقةٍ ..قال : أنسيتِ إنكِ موظفة فاشلة وخدمتكِ أصبحت آلان ثلاثون سنة ..؟ وإستلمتِ الادارة ..منذُ أيام ..لا عن كفاءة بل لصلتكِ بأحد المستشارين …لُذتُ بصمتٍ طويل ..هرباً من الاجابة ..قال : لِمَ رميتِ بهتانكِ عليها ..؟ عندما إفتريتِ ولفّقتِ مذكرة مملوءة بتزييف الحقيقة ..أجبتهُ ..أريدُ الانتقام منها ،لاشفي غليلي ..قال : ألا تعترفي أنَ العقوبة التي صدرت بحق الموظفة ..هي ظلماً وبهتاناً ..؟ وأنتِ أولى بالعقوبة منها ،لسوءِ تصرفكِ .. أجبتهُ ..أنا دائماً هكذا لا أستطيع ُ الانتصار على نفسي .. قال : ألا تشعرين إنكِ ظلمتِ حتى زميلاتكِ اللواتي ساهمنَ بالدفاع عنكِ وتواطئنَ معكِ ..؟ فصادرتِ ارهان ، حينما نصرنكِ على ظلمكِ للاخرين ..ولَمْ يبصروكِ بخطئكِ ،لتقوّمي مسارَ عملكِ المهني ..بحيادية وبلا مجاملات شخصية خالية من الحكمة .. أجبتهُ .. نعمْ أنا أعترفُ لك َ ،فلقد ملاني الارق وأبعد النوم عن جفوني ، وصار يجلدني ضميري ،بسياط التأنيب على تهوري ..ولما عدتُ في اليوم التالي
لعملي ..بدت نظرات العاملين معي ، تتصفح وجهي ، لتقرأ خيوط الارق وإحمرار عيني ، اللتين يحتضنهما الضجر والحزن ،الذي تبثه ُإشعاعات عيني ،حينما راحت تمسح المكان ..لفني الصمت بعد أن إمتلاْ سمعي بأقسى أنواع اللوم ،حتى من صديقاتي فأخجلتني المفردات ، التي إتصفت بالحكمة والمهنية الحيادية .. فصار خطئي كغيمة سوداء مطرت على مكان العمل .. وقطع صمتي صوت أحد الموظفين .. منادياً علىَّ ..( إنّ المدير العام يطلب حضورك … ) تيبست شفتاي ، ولمَ تقوَ قدماي على حملي ..كنتُ أرتجفُ من شدة خوفي ..كطير بليل نمت ْ لهُ أجنحةٍ للتوْ ..ولما حضرتُ أمامهُ ..بادرني بالسؤال .. ما الذي جنتهُ حتى تتجاوزين عليها بهذهِ الطريقة الهمجية ..؟ أجبتهُ : .أُ ستاذ كانت غائبة يوم أمس .. قال : ..أَليس َ لدينا قانون لنحاسب الموظفين المقصرين بموجبه ..؟ أجبتهُ :..نعم ..لقد إستولى عليّ الغضب ،فأسأت التصرف .. قال : ..ولِمَ تصرفتِ بعواطفكِ وإعتبرتِ القضية شخصية ..؟ أصابتني الدهشة من تطابق أسئلة المدير العام ..وأسئلة القاضي الذي بين جنبيَ ..ردَّ ..الاستاذ إعلمي أنَّ سرَّ نجاح الاداري ..هو التعامل بحكمة وفق القانون ، بعيداً عن روح التسلط ، التي تظلم الطرف الاخر …فالذي يحترم نفسه ، كانسان ، دائماً يحترم إنسانية الاخرين …وأضاف أنَّ القانون قد أقرَّ بمعاملة العاملين معكِ بالحسنى وإحترامهم .ولم ْ يخولكِ التجاوزعليهم مطلقاً ..لان تطبيق القانون دليل التحضر والثقافة ..والشعوب تتقدم بحضارتها وثقافتها ..وهل رأيت ِ المدير العام يتعامل هكذا مع الموظفين ..؟اجبته ُ:..أُستاذ حاشا لله أن يصدر تجاوز من جنابكم الكريم ..لانكم القدوة الحسنة .إذن :لِمَ لاتقتدون بنا ،ما دُمنا كذلك ..؟ قال : حسناً ..أنتٍ موقوفة عن العمل من هذه اللحظة ..وستحالين للتحقيق لتنالي العقوبة التي تتناسب وحجم تصرفك ِ..إضافة الى إعفائكِ من منصبكِ ،لعلّه يكون لكِ درساً ولامثالكِ المتجبرين والمتسلطين على رقاب من أدنى منهم وظيفياً.فنظرتُ إليهِ ..بإستغرابْ لِما سمعتهُ منهُ ولَمْ أُحرّكْ ساكناً..لانني حقاً إستوعبتُ الدرسْ ..


















