مسلسل (الفندق).. عالم مصغّر

839

مسلسل (الفندق).. عالم مصغّر

المالكي يقدم الوهم في سلة الحقيقة

طارق الكناني

ان غياب الدراما العراقية  الهادفة عن الشاشة فترة طويلة وتسيد التهريج على الساحة الفنية بما تقدمه الفضائيات من  (اسكتشات) فارغة المحتوى جعلت المتفرج العراقي يعزف عن متابعتها ،وبعد طول غياب اطلت علينا قناة (الشرقية) بعمل درامي حقيقي اشترك فيه كبار الفنانين العراقيين امثال عزيز خيون ومحمود ابو العباس وسناء عبد الرحمن وعزيز كريم وغيرهم اضافة للوجوه الجديدة الذين اظهروا قدرات فنية كبيرة …

ان المتابع لهذا المسلسل يجد ان الحقيقة قد تم طرحها بكل براءة وكما هي فهي رسالة بكل الاتجاهات  فهي رسالة مجتمعية تحاول من خلالها ايصال حجم التردي المجتمعي والانحدار الاخلاقي نتيجة تغييرات طارئة سببت هذه الانتكاسة ومنها رسالة حكومية تعطي الاشارة الحمراء بأن القادم اسوء فغياب الزامية التعليم ومجانية التعليم جعل من الفتيان والاطفال وتواجدهم بالشوارع دون رقيب مادة دسمة للمافيات لاستغلالهم ،وكذلك البطالة جعلت من الشباب الخريجين دائمي البحث عن مصادر الاموال من جهات مختلفة مهما كانت واولها هي الاتجار بالمخدرات والاعضاء البشرية وممارسة القوادة والدعارة والتسول ،فالمسلسل يطرح عدة حلول لهذه الظواهر المجتمعية التي تفشت في السنوات الاخيرة والتي جاءت نتيجة سوء الادارة الحكومية وتفشي الفساد المالي والاداري وغياب الرؤية والتخطيط لدى الحكومات المتعاقبة …لقد وزع السينارست حامد المالكي اسباب حالة التردي على عدة محاور فمنها سوء استغلال التكنولوجيا الحديثة ومنها سوء الادارة  الحكومية ومنها غياب الرقيب المجتمعي وتوجيه الاهل ،فمن الواضح ان الكاتب كانت لديه دراسة شاملة ومعمقة عن اسباب هذا الوضع ،فهو ينتقد نمط معالجة الاخطاء وفق المنظور العشائري ففي حالة مثل حالة دنيا كان يجب ان يتبع الاهل طريقة اكثر عقلانية في معالجة المشكلة بدلا من التسبب بهربها وسقوطها بين براثن المافيات التي جندتها في اعمالها الرخيصة فهي تارة عاملة في صالات المساج وتارة تتسول وتارة اخرى ساقطة في ملهى ،فهي لم تكن لتصل الى هذا الحال لو تمت معالجة الامور بطريقة مختلفة .

حالة احباط

ان حالة الاحباط واليأس التي طرحها المالكي والتي جاءت كنتيجة للأسباب التي ذكرناها دفعت الكثير من الشباب للهجرة والتي شهدناها واعتبرناها كحالة مرضية فنحن لم ننظر الى الاسباب وركزنا على النتائج ،فالموقف الحكومي المتخاذل من هذه الاوضاع سبب تفاقم كبير  لهذه المشكلات بحيث يمكن معه ايجاد حلول ناجعة وسريعة لحلها فهي اصبحت من المعضلات التي تحتاج الى برنامج استراتيجي لحلها ،ومع تغاضي الدولة عنها فهي ستصبح عصية ومتوطنة في المجتمع، فالنتيجة لم يجد المؤلف حلا غير ان تتم عملية الحرق الكامل واعادة البناء من جديد جاء ذلك من خلال المشاهد الاخيرة حيث قام كاتب الرواية بسكب الزيت على الفندق والرواية معه تمهيدا لحرقها فالفندق كان يمثل البلد بكل اطيافه وسكان الفندق كانوا يمثلون التناقضات التي يعيشها الفرد فمثلا ماجد هو يتاجر بالمخدرات ويقتل وبنفس الوقت متمسك بتعاليم الدين والحلال والحرام ،ووجدان مع كونها مومس كانت تمتلك قلبا رقيقا يحب مساعدة الاخرين …

عالم مصغر

.كان الفندق عالم مصغر جرت فيه احداث  جسام فالأشباح هي من جاءت بهذه المتغيرات التي يعيشها سكان الفندق ولا يخفى بما في هذه الرمزية من اشارة الى من يقف وراء هذه الاحداث .. لقد اكتشف الكاتب انه كان يعيش الوهم فهو قد تقمص دورا في روايته التي كتبها …لا اعرف بماذا اراد ان يوحي المالكي بهذه المشاهد …حيث نقف امام عدة تساؤلات ،هل قصد المالكي بحالة الوهم التي عاشها الكاتب ،عن حالة المثقف الذي نأى بنفسه عما يدور في المجتمع ؟

 ام انه اعتمد على مجنون في استقاء معلومات عن روايته؟ هل كان نعومي حقا مجنون ام انه تذرع بالجنون ليعيش ضمن مجتمع مجنون دون رقيب؟ لماذا الوهم الذي عاشه الكاتب وهو  المثقف والصحفي وهو المريض النفسي بنفس الوقت؟ .هل هي محاولة من جانب المثقف للعب دوره من جديد بعدما خلت منه الساحة وتركها للناشطين ؟،هل ادرك المثقف العراقي ولو بشكل متأخر ان الساحة خالية منه ولم يملأ مكانه أي شخص آخر وهي دعوة للمثقفين للعب دورهم الحقيقي في المجتمع حيث موقف اريج الثابت والمتصدي لكل السلبيات ….؟طرح المسلسل الكثير من المشكلات المجتمعية التي عانى منها مجتمعنا العراقي للفترة من 2003 ولغاية الآن ،ويمكن اعتباره اول عمل درامي جاد تناول الوضع العراقي بمفهوم مختلف  فطرح المشاكل بشكل حقيقي  مما اثار ردود افعال متباينة  لدى طبقات المجتمع فمنهم من اعتبره طرح مبتذل لم يعكس الصورة المشرقة للمجتمع العراقي وهؤلاء  يمكن تشبيههم كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال كاشفة عن عورتها للجميع وهناك رأي آخر مناقض لهذا حيث اعتبروه عمل جريء وضع اصبعه على الجرح العراقي الملتهب وبالرغم من صرخات الالم التي رافقت طرح الحقيقة لكنه تم تشخيص العلة بشكل حقيقي وطرح عدة حلول .

مشاركة