مسرح العنف – علي السوداني

612

مكاتيب عراقية

يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬عالم‭ ‬الطفولة‭ ‬البريء‭ ‬النقيّ‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬يسلم‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الفك‭ ‬المفترس‭ ‬الذي‭ ‬تصنعه‭ ‬لهم‭ ‬شركات‭ ‬الانتاج‭ ‬الفني‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬لهم‭ ‬ولنا‭ ‬،‭ ‬ألعاباً‭ ‬وأفلاماً‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أغلبيتها‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬كائنات‭ ‬خرافية‭ ‬أبطالها‭ ‬بشر‭ ‬من‭ ‬دم‭ ‬ولحم‭ ‬وعظم‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬البطل‭ ‬من‭ ‬كارتون‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالرسوم‭ ‬المتحركة‭ ‬،‭ ‬والتي‭ ‬تكاد‭ ‬تشترك‭ ‬كلها‭ ‬بمناظر‭ ‬العنف‭ ‬والرعب‭ ‬وتعليم‭ ‬وتسهيل‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬والسطو‭ ‬والخداع‭ ‬،‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬تمثيل‭ ‬أفلام‭ ‬ومسلسلات‭ ‬عن‭ ‬حيوات‭ ‬مصاصي‭ ‬الدماء‭ ‬وآكلي‭ ‬لحوم‭ ‬البشر‭ ‬،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الكائنات‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬صنف‭ ‬المنقرضات‭ ‬البائدات‭ ‬الغاربات‭ ‬،‭ ‬وهذه‭ ‬لم‭ ‬تتوفر‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬وحكايات‭ ‬الشتاء‭ ‬اللذيذة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسردها‭ ‬علينا‭ ‬ونحن‭ ‬نخيم‭ ‬بباب‭ ‬النعاس‭ ‬الجميل‭ ‬،‭ ‬جدتنا‭ ‬الطيبة‭ ‬التي‭ ‬نسيت‭ ‬يوماً‭ ‬أين‭ ‬وضعت‭ ‬نظاراتها‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬وجدتها‭ ‬مكبوسة‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬مع‭ ‬كركرات‭ ‬الأطفال‭ ‬المشاكسين‭ .‬

هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬مقصوراً‭ ‬على‭ ‬لعبة‭ ‬‭ ‬البوبجي‭ ‬‭ ‬المشهورة‭ ‬الآن‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬ساحة‭ ‬معركة‭ ‬وصراع‭ ‬شرس‭ ‬تقيمه‭ ‬شركات‭ ‬الإنتاج‭ ‬الكونية‭ ‬عابرة‭ ‬القارات‭ ‬والموانع‭ ‬،‭ ‬فتضع‭ ‬تحت‭ ‬يمين‭ ‬أطفالنا‭ ‬أكبادنا‭ ‬التي‭ ‬تمشي‭ ‬الأرض‭ ‬،‭ ‬مضامير‭ ‬قتل‭ ‬وتوحش‭ ‬ورغبة‭ ‬عارمة‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الإنتقام‭ ‬من‭ ‬الخصم‭ ‬الإفتراضي‭ ‬المتخيّل‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬تقليد‭ ‬البطل‭ ‬الكارتوني‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬المنتصر‭ ‬والناجي‭ ‬الأوحد‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الموقعة‭ ‬،‭ ‬وكانت‭ ‬النتائج‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الحقيقة‭ ‬مروعة‭ ‬ومرعبة‭ ‬تماماً‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬الحقيقية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬الجناة‭ ‬فتيان‭ ‬مراهقون‭ ‬،‭ ‬والضحايا‭ ‬أبرياء‭ ‬قتلتهم‭ ‬لعبة‭ ‬قذرة‭ ‬صنعت‭ ‬بمصنع‭ ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬مالكه‭ ‬سوى‭ ‬تسمين‭ ‬خزنة‭ ‬الدولار‭ ‬الحرام‭ ‬خاصته‭ ‬!!

أيام‭ ‬زمان‭ ‬كنا‭ ‬نبالغ‭ ‬في‭ ‬الإعتراض‭ ‬على‭ ‬أفلام‭ ‬ورسوم‭ ‬متحركة‭ ‬بسيطة‭ ‬،‭ ‬مثل‭ ‬الرجل‭ ‬الحديدي‭ ‬وعدنان‭ ‬ولينا‭ ‬والمحقق‭ ‬كونان‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬رسوم‭ ‬ميكي‭ ‬ماوس‭ ‬،‭ ‬بدعوى‭ ‬تجميل‭ ‬العنف‭ ‬ونشر‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬رؤوس‭ ‬الصغار‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬ذهب‭ ‬بعضنا‭ ‬إلى‭ ‬تحريم‭ ‬ألعاب‭ ‬المتحولين‭ ‬مثل‭ ‬ملهاة‭ ‬البوكي‭ ‬مون‭ ‬وسواها‭ ‬،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬صمامات‭ ‬الأمان‭ ‬المجتمعي‭ ‬الخاص‭ ‬بعالم‭ ‬الطفولة‭ ‬البديع‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬جئنا‭ ‬على‭ ‬سيرة‭ ‬الرائعين‭ ‬توم‭ ‬وجيري‭ ‬،‭ ‬وقال‭ ‬بعضنا‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الشريط‭ ‬الذي‭ ‬يشاهده‭ ‬الصغار‭ ‬والكبار‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬،‭ ‬سيشجع‭ ‬الصغار‭ ‬الأغضاض‭ ‬على‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬الفأر‭ ‬ضد‭ ‬عدوه‭ ‬القط‭ ‬،‭ ‬وأفتينا‭ ‬بوجوب‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قبول‭ ‬كل‭ ‬خباثات‭ ‬القط‭ ‬توم‭ ‬ضد‭ ‬خبث‭ ‬الفأر‭ ‬جيري‭ ‬،‭ ‬فوقع‭ ‬خلاف‭ ‬مضحك‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬،‭ ‬إذ‭ ‬قال‭ ‬أنصار‭ ‬توم‭ ‬بأن‭ ‬القط‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يأكل‭ ‬الفأر‭ ‬لأنه‭ ‬من‭ ‬القوارض‭ ‬التي‭ ‬تجلب‭ ‬الضرر‭ ‬للملبس‭ ‬والأثاث‭ ‬والمبنى‭ ‬،‭ ‬فردّ‭ ‬عليهم‭ ‬أنصار‭ ‬جيري‭ ‬الصغير‭ ‬بأن‭ ‬القطط‭ ‬تقوم‭ ‬بسرقة‭ ‬لحوم‭ ‬وأسماك‭ ‬الأم‭ ‬من‭ ‬المطبخ‭ ‬وتهرب‭ ‬بها‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬سيؤدي‭ ‬ربما‭ ‬الى‭ ‬معركة‭ ‬عائلية‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬مطاردة‭ ‬القط‭ ‬السارق‭ ‬وهو‭ ‬يشرد‭ ‬مرعوباً‭ ‬متقافزاً‭ ‬بين‭ ‬سطوح‭ ‬الجيران‭ ‬ودرب‭ ‬النجاة‭ ‬البعيد‭ ‬،‭ ‬تلاحقه‭ ‬الشتائم‭ ‬ورميات‭ ‬النعل‭ ‬والقنادر‭ ‬والحجر‭ ‬!

مشاركة