مستقبل الصناعة المصرفية في العراق – عضيد شياع عواد

 

 

 

مستقبل الصناعة المصرفية في العراق – عضيد شياع عواد

على الرغم مما يعتقده البعض أن التطور السريع للقطاع المالي بشكل عام أصبح محفوفاً بالمخاطر ومولداً للأزمات المالية على غرار ما نجم عن الأزمة المالية العالمية التي حدثت عام 2008 ? إلا أن أغلب الباحثين والمختصين يبددون هذه المخاوف ويجدون إن المصارف لا تزال تمثل المحرك الرئيسي للاقتصادات الوطنية حتى في ظل الأزمات المالية ، حيث يرتبط تطور القطاع المصرفي في أي بلد مع تطور القطاع الاقتصادي الحقيقي بعلاقة تغذية مباشرة في التأثير المتبادل وفق قاعدة ( الأواني المستطرقة ) ، إذ يعزز نمو أحدها نمو القطاع الآخر ، مع ضرورة الحفاظ على مستوى تلك التوازنات والتأكيد على أهمية الحاجة للتنظيم والإدارة والرقابة بصورة أكثر فاعلية للقطاع المصرفي وهي واحدة من الدروس التي أنتجتها ظروف تلك الأزمات. وعلى وفق هذا السياق فقد ارتفع عدد المصارف العراقية وبشكل كمي وبصورة سريعة بعد 2003 في ظل محاكاة الانفتاح على التطورات المصرفية العالمية المتلاحقة التي حدثت في العالم والتي تميزت بتطور بيئة الأعمال من منتجات وخدمات مصرفية تتماهى مع تطور التكنولوجيا ونظم الاتصالات العالمية الحديثة ، ولكن هذه الزيادة في عدد المصارف من الناحية الكمية كان مبنياً على سوء التخطيط وانعدام التنسيق بين السياسات ( النقدية ، والمالية ، والاقتصادية) التي تمثل رؤوس اضلاع المثلث الحاكم لتنظيم التطور الاقتصادي لأي بلد ، حيث كانت موافقات تأسيس تلك المصارف قد تولدت عن مجرد توقعات وتصورات لا تتناغم مع تحليل الواقع وهي نابعة عن فلسفات أكاديمية للأدبيات المصرفية والتي مفادها إن الإمكانيات المالية المتاحة لهذه المصارف ستكون لها الدور الفاعل في تحريك عجلة الاقتصاد وتسريع التنمية الاقتصادية من خلال تحفيز القطاع الحقيقي لتنويع قنوات الاقتصاد المحلي وتوسيع قاعدة الناتج المحلي الإجمالي وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي لتمويل موازنة الدولة.

ارض الواقع

إلا أن هذا الدور المتوقع لهذه المصارف لم يتحقق على أرض الواقع لسببين رئيسيين ، أولهما: عدم قدرة تلك المصارف على تجاوز تحدياتها الداخلية المتمثلة في مجال اكتساب الخبرات العملية المتطورة ، فضلاً عن محدودية إمكانياتها المالية وضعف قدراتها في تبني أدوات وخدمات مصرفية تنافسية تتيح لها الريادة والتميز في الأداء المصرفي ، أما السبب الثاني فيتمثل أصلاً بعدم وجود برامج وخطط تنموية للنهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي للبلد والذي أصبح (في ظل الفوضى السياسية والاقتصادية وانعدام استقرار الوضع الأمني والسياسي وانتشار ظاهرة الفساد المالي والإداري وتصاعد الاضطرابات الاجتماعية وغياب الاصلاح الحقيقي للاقتصاد) بيئة هشة طاردة للاستثمار مما سبب في هجرة العقول والكفاءات المهنية ورؤوس الأموال الوطنية وعزوف المستثمرين والشركات العالمية عن الاستثمار في العراق.

مما أنتج الوضع العام (وخاصة بعد الانكشاف النفطي )موازنات مالية تدور في فلك المديونية وتعيش على الاقتراض في تمويل عجزها المالي لتغطية وتوفير بنودها التشغيلية وليدرك المواطن العادي حقيقة ان من يشمله هذا البند من موظفين ومتقاعدين (يعيشون بالديّن …. !!).

وبالتالي أصبح القطاع المصرفي العراقي كغيره من القطاعات الاقتصادية والمالية أسيراً للأزمات المالية التي تعصف بالبلد واقترنت دوراتها المالية وبشكل مركز على مخرجات ( نافذة العملة الأجنبية ) الصادرة عن البنك المركزي العراقي كمصدر أساسي وربما الوحيد لتوليد الأرباح متراجعة عن دورها الحقيقي والمحوري التي وجدت من أجله في دعم وتمويل برامج الاستثمار ومشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي خضم تلك الأحداث باتت هذه المصارف مشلولة القوام وعاجزة عن الحركة في مجالها فهي قد فشلت في كل شيء: (1) فشلت في تحقيق توسيع قاعدة الودائع المصرفية وكسب ثقة الجمهور وبناء سمعة مصرفية لائقة بدليل أن المواطن يخشى إيداع أمواله لدى تلك المصارف ويفضل الاحتفاظ بها في بيته لترتفع بهذا مستويات ظاهرة الاكتناز إلى أكثر من (70 بالمئة) من قيمة الكتلة النقدية المصدرّة…(2) فشلت في دعم وتمويل برامج التنمية فرؤوس أموالها لا زالت صغيرة ، إذ لا يتجاوز رأس مال المصرف الواحد في حده الأقصى عن ما يعادل (220) مليون دولار وهو مبلغ لا يغطي تمويل واحد من المشاريع الاستثمارية الاستراتيجية ، وبذلك فأن جل تمويلات تلك المصارف التي تظهرها أرقام ميزانياتها لا تمثل إلا تمويل مشاريع مالكيها الرئيسيين وأقربائهم وشركائهم الاقتصاديين … (3) فشلت في تحقيق أدوات وخدمات تكنولوجية متطورة تعتمد الدقة واختزال الزمن في تقديم خدمات مصرفية تتماشى مع التطورات الحديثة للمصارف الإقليمية والعالمية….. (4) فشلت في توفير الأطر السليمة لحماية حقوق وأموال صغار المساهمين والحفاظ على أسعار أسهمها في سوق التداول للأوراق المالية، وهي ترى يومياً قيمة أسهمها تترنح وتسجل تراجعاً كبيراً وتتعمق من خلالها الفجوة السعرية وبصورة هائلة بين القيمة الدفترية البالغة (1)  دينارا واحدا للسهم الواحد وبين القيمة السوقية التي لا تتجاوز معظمها حدود (200) فلس.

وبعد مرور زهاء عقدين من الزمن على الطفرة العددية للقطاع المصرفي العراقي ، والتي تستوجب مؤشرات الأداء التوقف عندها في محاولة لوضع الحلول السليمة لتحويل الصناعة المصرفية في العراق من أهرامات كارتونية إلى مؤسسات مصرفية فاعلة  ، حيث يجد البعض أن الحل يكمن بالضغط على تلك المصارف لزيادة رؤوس أموالها ، والذي نعتقد انه لا يمثل مفتاح الحل لتلك الإشكالية نتيجة للركود الاقتصادي الذي يهيمن على مفاصل الاقتصاد العراقي وشحه السيولة النقدية في القطاعات الاجتماعية ، مع الخشية والتخوف أنه لو تحققت تلك الزيادات فأنها سوف تتحقق أسوةً بالزيادات التي سبقتها والمتأتية من صفقات وتفاهمات مالية بين تلك المصارف والتي أفضت بأن تكون تلك الزيادات وهمية وغير حقيقية ، وفيما فرضنا جدلاً تحقق البعض منها بصورة صحيحة فأنه سيتم توظيفها حتماً لصالح المالكين الرئيسيين لهذه المصارف وليس لدعم مشروعات التنمية وبالتالي ستفقد تأثيرها في تحقيق الأهداف التنموية المرجوة منها.  ونعتقد القطاع المصرفي يحتاج إلى ثورة حقيقية لإنتاج مؤسسات مصرفية تتمتع بكفاءة إدارية وسيولة وملاءة مالية لتنتج خدمات مصرفية متطورة ومستدامة ، وإن الخيار الوحيد لخروج الصناعة المصرفية العراقية من النفق المظلم ومعالجة الأداء المنخفض هو تبني خيار الاندماج المصرفي ، فليس من المعقول أن عدد المصارف في كلٍ من ( بريطانيا 54، تركيا 43، مصر 41، السعودية 31، إيران 30، الأردن ، 26 الجزائر 20) بينما هيكل الجهاز المصرفي في العراق يبلغ حالياً (59) مصرفاً عراقياً (من غير 19 مصرفاً يمثل فروع المصارف الأجنبية العاملة في العراق ) ، والتي تتطلب من السلطة النقدية والمالية ضرورة إعادة النظر وبصورة جدية بهيكلية تلك المصارف من أجل بناء كيانات مصرفية كبيرة قادرة على المنافسة ومواجهة المخاطر المصرفية المختلفة وتحقيق مؤشرات الأداء السليمة وتعزيز الرقابة المصرفية الفاعلة مع ترشيق جهازها الإداري بصورة نوعية ، فالعبرة ليست بكثرة المصارف على خارطة الأرقام المصرفية وإنما بفاعليتها في تحقيق الأغراض التي تحقق من أجلها ومن خلال الانتشار الجغرافي لفروعها في مراكز المدن والأقضية والقصبات وتبني أفضل الأنظمة والتقنيات الحديثة لضمان جودة وسرعة تقديم خدماتها المصرفية وبطرق مريحة وسلسة تتاح لأكبر عدد ممكن من المواطنين الاستفادة منها وبما يضمن الاستحواذ على حصة سوقية مناسبة لتلك المصارف وارتفاع مستوى الإيرادات مع تحقيق قيمة سوقية معقولة لأسهمها في سوق التداول وكسب ثقة المواطنين والمتعاملين والحفاظ  على سمعتها في السوق المصرفية.

مع أهمية الأخذ بنظر الاعتبار أن لا تتم عمليات الاندماج المصرفي بصورة طوعية واختيارية والتي تتقاطع حتماً مع سيكولوجية الفرد العراقي بعدم رغبته التنازل الطوعي عن المواقع والمناصب وحبه بالتمتع بالجاه والسطوة وخاصة في تمشية معاملاته المالية دون قيود أو حواجز من الآخرين ، والتأكيد على ضرورة أن تتم عمليات الاندماج تلك بصورة قسرية واجبارية ينظمها البنك المركزي العراقي كسلطة اشرافية ورقابية مسؤولة عن ضمان سلامة الجهاز المصرفي وتطوير مستويات أداءه وفق منظور علمي ومعايير خاصة بذلك وعلى مديات  وسقوف زمنية محددة لتحقيق آليات وخطوات الاندماج المصرفي المقترحة التالية:

مصارف دمجة

1- المصارف الخاصة التجارية التقليدية (24) مصرفاً يتم دمجها ليكون عدد المصارف الناتجة عن الاندماج (4) مصارف.

2- المصارف الخاصة الإسلامية (27) مصرفاً يتم دمجها ليكون عدد المصارف الناتجة عن الاندماج (5) مصارف.

3- المصارف الحكومية التجارية (6) مصارف يتم دمجها لتكوين مصرفا حكوميا واحدا في المرحلة الأولى ، وفي المرحلة الثانية تتم هيكلة ذلك المصرف وتحويله إلى مصرف تجاري مختلط من خلال إصدار أسهم المشاركة في رأس ماله على المواطنين بحيث تكون النسبة الأعلى للمساهمة في رأس المال لصالح مساهمات المواطنين لضمان عدم سيطرة الدولة على أغلبية رأس المال وبالتالي عدم تمكنها من السيطرة والاستحواذ على إدارتها. 4 – المصارف الحكومية الإسلامية (1) مصرف واحد (( مصرف النهرين )) يتم اتخاذ نفس خطوات هيكلته وتحويله إلى مصرف إسلامي مختلط، ومن ثم دمجه مع مصرف ((الناسك الإسلامي المختلط)) لتكون نتيجة هذا الاندماج مصرفا إسلاميا مختلطا واحدا.  وبذلك تكون نتيجة عمليات الاندماج المصرفي وفق المراحل المقترحة أعلاه قد أفضت إلى تكوين (11) مصرفاً وليداً عن تلك العمليات والتي ستكون برساميل متينة وقادرة على استيعاب وتطوير أداء وفاعلية السوق المصرفية وفق برامج رقابية فاعلة ومركزة.

{ خبير مصرفي

مشاركة