مساحة ُ الدهشة والانزياح في العرض المسرحي الجان والمجنون

318

مساحة ُ الدهشة والانزياح في العرض المسرحي الجان والمجنون
الخروج من ذاكرة المتلقي
مروان ياسين الدليمي
مشهدية ُالعرض المسرحي المعاصر في مدينة الموصل تكاد أن تنحسر بشكل واضح في تجارب معدودة يمكن الاشارة اليها بوضوح بعيدا عن السقوط في الارتباك والغموض اللذين يمكن ان يصيبا الناقد فيما لو كان يتحرك بقلمه النقدي في مشهدٍ مزدحم ٍ بتجارب مسرحية عديدة تتحرك في اطار الخروج عن النمط المُتراخي والمُتأكسدِ في بركة التحليل والتفسير للنص او للعرض المسرحي دون ان يسعى هذا المشهد الى تحقيق ازاحات فنية وفكرية يقف العرض المسرحي عليها من اجل ان يكون كتابة بصرية وسمعية جديدة .
إن مدينة مثل الموصل يمكن الولوج الى المساحة المتوهجة فيها دون عناء وذلك لندرة العروض التي تنهلُ من مُنحنيات القراءات المُستَنْطِقةِ لِما وراء الدلالات المَبثوثةِ بين أسطر الجُمل والصُور المسرحية التي يحملها النص الادبي ، وغالبا ما تصبُّ مُجملُ العروض في قوالب فنية مُدَوَنَةٍ في ذاكرة المُتلقي، وهي لاتَخرجُ عن استغراقٍ ٍ احتفالي بالنص الادبي لاغير بما يَحملهُ من افكارٍ وصورٍ تستمدُّ حضورها من طاقة الوضوح دون ان ترحلَ نحو الاستغراق في تفتيت المؤطِراتِ المُتمظهِرةِ التي عادة مايتخَلجَنُ المؤلفُ فيها ويُضفي عليها هالة ًمن القداسة ، وهذا المُعطى الفني المُستَنسَخُ لايقتصرُ أمرهُ على الموصل فقط بل يشمل العاصمة ايضا ولكن ليس بالصورة التي تندرج عليها حالة العروض في المحافظات. وهذا لايعني أن النشاط المسرحي خارج العاصمة مستمرٌ في ركوده الفني على مستوى الاساليب وانحساره في اطار ماهو مغلق ومتراكم في نتاج الماضي ، ذلك لاننا بين فترة واخرى نجد انفسنا ننتقل عبر عرض ٍمسرحي جديد هنا او هناك الى زمن مُتدفق ٍ يَطرُقُ جدار الركود والصمت ليزرع في زخم ماتكدّس من اسمال ٍ مسرحية غيمة ًماطرة ًتبعثُ الامل بومضةٍ تشرقُ على وجه ِعُشاق الفن المسرحي ومتذوقيه..
تشفير الفضاء المسرحي
من بين العروض الجديدة التي استوقفتني خلال الايام الماضية مسرحية الجان والمجنون للمؤلف والمخرج بيات محمد مرعي فهذا العرض قد كثف مساحة الامل بما يُمكن أن يحملهُ المشهد المسرحي الموصلي من طاقة شعرية مُبهرة تمتلكُ الكثير من عناصر الاختزال والايحاء والتأويل. ليصبح بالتالي هذا العرض صياغة فنية غير تقليدية ازاحت ومضاتُها الخاطفة التي اثثها مَرعي بمُخيلة ٍمجنونة ٍ إستَقت ْ تشرُّدها وانتمائها في آن واحد من روح الشِعرْ الذي يُدرك أسرارهُ بيات محمد مرعي وهو الكاتب القصصي والروائي الذي يكتب جُمَلهُُ عادةً معبأة بخمرة الشعروليقتحم بها ذائقة المتلقي المسرحي التقليدية في رؤية الاشياء الواقعية على المسرح وهي تمضي في تشكيلات غير مأهولة ٍ ، حتى ان الدفوف التي كانت مُلازِمة لافراد المجموعة كانت قد شكّلت عنصرا اساسيا في بناء العرض مع الشخصية الرئيسية المجنون وباتت تحمل وظيفة درامية تنطوي على هاجس جمالي يذهب بها الى محمو وظيفتها التقليدية كما هو شائع في المَناقب والموالد ، لتواكب بانزياحها الدلالي هذا التشكيلات البصرية التي تنوعت منها المدلولات التي حمّلها المخرج في كل خطوة كان العرض يخطوها الى الامام وهو يجنَحُ في رسم ذات شخصية المجنون واحلامه الانسانية البسيطة في العيش بوطن آمن يوفر له لقمة خبز وهو يصرخ انا جائع.
بساطة ُ الحلم الذي كانت تكتنزهُ ذاكرةُ المجنون سعيد وهو يواجهُ حياةً شقية ًيَتنقلُ فيها بين القبور والاموات بينما كانت اصواتٌ خفية مُرعبة تأتيه وتلاحقه من أزمنة مُتداخلة تتأرجحُ مابين الوهم والواقع ،وبين الماضي والحاضر، وهذا ماأوحى لمُخيلة المُخرج مَرعي ان يُبقي فضاء الخشبة خالياً من قطع الديكور باستثناء عدد من المكعبات الصغيرة التي أمعن في تشفيرها وهويستثمرها في خلق توليفاته ِالصورية مع مصابيح الليز والدفوف وليفجر في لحظات العرض المتتابعة مُناخات مُتخيلة مُتتالية تعكس الصراع الداخلي المتوتر الذي كان يعصف بذهن وذاكرة المجنون سعيد.
من هنا فقد نأى التشكيل السينوغرافي للعرض عن حبكة المفردات الصورية الواقعية وعَلّق ثيماته ِفي ما يمكن أنْ تنتجَهُ المخيلة ُمن تخيلات موغلة ٍفي الدهشة والغرابة عبرأدوات ٍ بسيطة ومُحدَدة ٍ وإلى أن تكونَ الخشبة مساحة رحبة تتحرك فيها المجموعة على هيئة اشباح وهي ترتدي زياً مسرحياً مُوحَداً يتراوح لونه مابين الاسود والابيض مغطياً جسد كل فرد من افراد المجموعة حتى وجوهَهَم التي مُسِخَت واختفت وضاعت ملامحها لتبدو بشكل ٍ واحد ٍوملامح واحدة.
إن هذا الاختزال الفني الذي لجأ اليه المخرج والذي كان سمة هذا العرض قد استثمر القيمة الدرامية للضوء في ازاحاته التعبيرية التي فكَكَ بتدرجاته اللونية ،العوالم الثُنائية المتضادةَ والمتصارعة مابين الذات والعالم والتي اختزلت في بؤرة الصراع القائم مابين سعيد والمجموعة فكان الضوء ملفوظة بصرية تتحرك داخل متن الحكاية الدرامية وليس على الهامش منها ، ولم يكن للعمل من دونها ان يوصِلَ جملتَهُ البصرية التي أطَلق من خلالِها مِعمَارهُ الفني المعبأ بالدهشة.
ان هذا العرض المسرحي الذي تحرك نسيجه الدرامي في لوحة بصرية أنيقة ٍ دون بذخ ولاإسراف إنتاجي ، استطاع أن يُزيح عنّا حالة التساؤل والشك التي باتت تُصاحبُنا نحن المسرحيون خلال الاعوام القليلة المنصرمة حول جدوى الفن المسرحي؟.. ومالذي يمكن ان يدفع المتفرج للذهاب الى صالة العرض المسرحي بعد ان امتلك الفن السينمائي امكانات تقنية هائلة وفرتها له التقنية الرقمية مكنته من تقديم كل ماكان يبدو مستحيلا قبل عدة اعوام؟.
في هذا العرض تلمَستُ الجوابَ عن هذه الاسئلة ، وانزاحت عني بقدر كبير تلك الشكوك بجدوى الذهاب الى العرض المسرحي ، إذ كشف هذا العرض عمّا يُمكن أن يصل اليه المسرح من مساحات واسعة ورحبة في الرؤية الفنية واشكال التعبير عنها قد لاتستطيع السينما ان تنافسه فيها اذا ماأخذنا بنظر الاعتبار محدودية المكان الذي تُنسَجُ فيه عوالم فضفاضة تتفجر منها صور انسانية..
مؤلف ومخرج العرض بيات محمد مرعي يُعد في نظر المتابعين للحركة المسرحية في مدينة الموصل من الجيل المسرحي الجديد الذي كشف عن نفسه منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي حال تخرجه من معهد الفنون الجميلة في الموصل قسم الفنون المسرحية ومن ثم تخرجه من كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد.
منذ خطواته بدا وعيه الفني مُنسحباً تماماً الى خارج الاطر الفنية التي كان تسكُن ذاكرة الجيل المسرحي الذي سبقه في العمل، وكشف في اعماله المسرحية عن انتماء ٍ يقظ ٍ الى تفعيلات فنية تتشكل مَدياتُها من قوة الانتماء الى مساحات التفكير باشكال مسرحية جديدة تشهدها مسارح العالم هذا اضافة الى ما تتختزنه ذاته من قلق وارهاص ابداعي عبر عن حضوره في عدد من النصوص التي كتبها للمسرح او عبر اعمال قصصية وروائية تعود مرجعيتها لكتاب اخرين معروفين صاغ من متونها السردية بنية درامية مسرحية ٍ.
طواعية الجسد في الاداء المسرحي
اما فيما يتعلق بالاداء المسرحي للفنان احمد الجميلي الممثل الرئيسي في هذا العمل فلقد تمكن الجميلي من ان يَمنحَ الشخصية بُعدها الانساني وهي تتحرك في ُظلمة مأسورة بطقوس تُكرِّسُ القَهرَ والحرمانَ ، مُتحركاً برشاقةٍ وحيوية على خشبة العرض المسرحي ، كاشفاً بذلك عن قدرات جسدية ولياقة بدنية عالية ساعدته كثيرا في خلق قناع ٍدرامي من خلاله استدرج الشخصية وعوالمها ليلبسها أردية الافكار التي اراد ايصالها ، وهذا يعني ان الجميلي يُدرك تماما ان الدخول الى التجربة الانسانية في العرض المسرحي بكل ابعادها تستدعي استثمار طاقة ونشوة اللعب واقتفاء التفاصيل والافعال الصغيرة دون اللجوء الى الاسراف في التعبير والمشاعر وهذا ماسيؤدي بالتالي الى لحظات آسرة في الاداء المسرحي للمثل وهو يتحرك بكل حرية مابين الحلم والواقع ،ومابين المتخيل والملموس واذا لم يكن جسد الممثل رشيقاً وبدنه مَرِناً ومطواعاًُ فلن يتمكن من تفجير الحياة ونبضها في جسد الشخصية التي تتحرك على الخشبة.
كما اختصرتْ الممثلة غادة أنور التي ادت شخصية سعيدة حَسرَتنا على غياب العنصر النسوي من النشاط المسرحي الموصلي خلال الاعوام الماضية واكتملت بحضورها جوقة المبدعين الذين ايقظوا فينا مشاعر من الحب والعشق للفن المسرحي كانت لفترة ما قد خبت جذوتها بفعل كمٍ من العروض التي لم تخرج عن سياق التكرار والاجترار لعروض مسرحية سابقة.
/5/2012 Issue 4189 – Date 2 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4189 التاريخ 2»5»2012
AZP09

مشاركة