مزامير المدينة لعلي لفته سعيد

382

مزامير المدينة لعلي لفته سعيد

تمثلات الحضور والغيات في الرواية

علي حسين يوسف

لي وطنٌ كلَّما نامَ أفزعتهُ الحروب

 حينما تئن المدن لا بدَّ لها أن تعزف آلامها، فالرجل يموت في مدينتي وقلبه مثقل بالهموم كما قال العراقي كلكامش، أما أن يتوجه المدوِّن إلى مَنْ علَّمه الصمود بوجه هذه الهموم، فذلك سرِّ السرد وحده الذي يأبى السكوت وينافح أبدا من أجل تدوين المأساة لتجاوزها، ولا قِبلة أشد إغراءً من الأب فلطالما أهدينا له أوجاعنا، ومع ذلك لا تفارق الحيرة قلمه ـ أي السارد ـ فما زال لا يدري لمن تعزف المزامير؛ ربما للقبور، وربما هي هذيانات تتشابه في تلك الطرقات الطويلة؛ لكنها تظل تلك النواقيس التي لا تنفك تعزف رغم أن العازف منهم لا يعرف كيف يصلي لهذه البلاد لترامي أطراف الضياع فيها؛ إنها رواية مزامير المدينة للروائي العراقي علي لفته سعيد .

قراءة النص

 قراءة النصّ تعني بوجه من الوجوه الإجابة عن الأسئلة التالية: ما ذا أراد الناصّ أن يقول ؟ وهذا السؤال عن مغزى الفكرة والرؤية ، وكيف عبَّر الناصّ عن فكرته؟ وهذا سؤال عن آليات العمل وجماليات اللغة والبناء التي وظفها الكاتب في عمله، ومن ثم يأتي السؤال: هل وفق الكاتب في التعبير عن تلك الفكرة ؟ وهو سؤال التقييم.

لكن كيف نقرأ النص الروائي؟ أو كيف ندخل إلى عوالم الناصّ ونعايش مخلوقاته وننفعل بالأحداث التي يرويها ؟ من أين تبدأ قراءة النص ؟ والمقصود بالقراءة هنا تعني القراءة الفاحصة الناقدة .

 أن تقرأ نصاً يعني أنك تدخل بقناعة في عالم من خَلْقِ غيرك، ومعناه ــ أيضا ــ أنك مطالب بتتبع الخيوط الرابطة للأحداث لكي تخرج بتصورات ورؤى متوافقة أو مخالفة لما يطرحه الناصّ، ومعناه ثالثة أنك حين تقرأ النص فأنك تُشغل خيالك مع المؤلف لكي تستطيع مجاراة الأحداث بتصورها وكأنَّك تعيشها.

  ومع مزامير المدينة لا بد أن تستعد لمواجهة انثيالات الذاكرة الملآى بالقصص؛ قصص الحروب فهي من أفضل المداخل في الزمن العراقي خاصة؛ تلك الحروب المتتالية وقصص الخسارات المتعاقبة، القصص الذي تغذيك العزم على الانوجاد وتبعد عن ذكرياتك الكسل، لذلك مع كلّ الألم يظلّ الانتصار في أنك تكتب لتقاوم الموت في كل سطر، من خلال استحضار ثيمات الحياة لتواجه بها أشباح الموت، فحضور الأب في الأسطر الأولى بوصفه مرجعية معوضة عن عالم قاتم وذاكرة مشفوعة بالحزن وضياع غير مبرَّر كل ذلك يوحي بأن الكاتب يمتد بمقاومته إلى تاريخه الأبوي الذي طالما استلهم منه أن العواصف قد تمرّ دون أن ننحني أمامها:

  ( فقد قالها لك قبل عقود : الأب المغرم بتفاصيل التاريخ وهو يحكي عن الحرب إن قامت في العراق لن تقف وأسماها طابوقة) ص8

   هكذا هي الوجهة الأولى لفعل السرد في المزامير؛ إلى الأب الذي يعلمنا مواجهة الصعاب ويتركنا للأثر .

لكن ما الذي يقصه ذلك الرمز الأبوي ليبث في أعقابه سردا ينبض بالحياة ؟ إنها الحرب ولا غيرها ؛ تلك المشهدية الدائمة الحضور فما أن تنتهي حتى تبدأ تبعاتها باستفزاز الذاكرة:

 ( لقد كانت الحروب تأخذ كل ما له علاقة بالحياة ص8… فالحروب أناشيد والضحايا بلا موسيقى 22? والقبور شواهد والبكاء بلاد 27) .

  الذات هنا تبدو ظاهريا ضائعة فيما تبدو الهوية متعبة من ضنك التاريخ ، فالذات وليدة الحروب:

 (ولا شيء لتأريخك سوى انغمار الذات والبحث عن حلم خاو تركته روحك في غيابة الجب العميق بلا مرسى) ص9.  فالتاريخ بحسب ما تفيض به ذكريات علي الدفان حكاية مبتورة بألسن عـــــــــديدة ص 32، فيا أيتها الحرب خــــذي ما تشائين واتركي لي الحب ص 117) .

ومن تمثلات الحضور في رواية المزامير ذلك الاستعمال الجريء للغة.. ففي مقام الحديث عن الحروب لا يتسع المعجم اللغوي لفائض المعاني، فلا بد إذا من اللجوء إلى الذاكرة الجمعية لنستوحي منها:

أولا : المفردات التي قد لا يفي الاستعمال الفصيح لها بالمعنى المراد تأديته، ومن أمثلة ذلك : ( بعد أن هلست الحروب والحصار كل ريشات الطيران ص10، وعاد أنت مشرمها وفاتك اليمني ص 18 ، ذمّة بركبته اللي عنده جنازة ص29 ، وخراعة خضرة ص66 ، وتحدثني وأنا أصفن في وجهك ص 69 ، وتصفن وتغص وتقح ص 73 ، وتطشرت وتناثرت وأغرقت وتحولت إلى سكاكين ص 187 ، وحلت مداهمة الضجر وكأنها طشار ص 192 .

ثانيا : استحضار الفن الشعبي مثل الأغاني ( يم العيون السود ، ياطيور الطايرة ، لا خبر لا جفية لا حامض حلو لا شربت ص 150) .

ثالثا : استحضار الأجواء الشعبية في اللقاءات والمنتديات، فقد بنيت الرواية على سرد مطول لقصص وحكايات يدور أغلبها بين أصدقاء الراوي، فمما يحسب للكاتب أنه وظف أصدقاءه في الواقع الفعلي.. وتلك اللقاءات والأحاديث التي جرت بينهم حول الحروب والحصار والوضع في زمن داعش وما بعده، فالرواية مجموعة من الهموم والذكريات التي تجري بين الراوي ومحسن ويوسف وجمعة وناهض وعلي الدفان ومجتبى ومحمود فضلا على أشخاص غير محوريين مثل سلوى . فكل هؤلاء الأشخاص هم من واقع الكاتب فقد جعل منهم ندماء لذاكرته الموشومة بالذكريات المؤلمة رغم أن الذاكرة لا تدفن الحاضر كله .

رابعا : حضور الأمكنة بشكل فعال أثناء السرد مثل ساحة سعد وشارع سيد جودة ص32 ، ومدينة الصدر ص 41 .

رحلة البحث

فالرواية ــ من جهة أخرى ــ رحلة بحث عن الأنا في خضم الضياع الذي يفرضه الآخر؛ رحلة بحث عن كل ما سلبته الحروب المتتالية والفتن التي عصفت في البلاد؛ رحلة بحث وسط عالم مشوش غير واضح المعالم عالم من الصراعات والتنافس اللاشريف، رحلة بحث عن السلام والحب والجمال، لذا فقد امتهن السرد فيها طابع التأمل حتى يظن القارئ أنه بصدد قراءة موشحة حزن مطولة ، لكنه الحزن الشفيف رغم ألمه؛ حزن التأمل وليس حزن الانهزام، فما زالت على مدى صفحات الرواية النشوة قائمة رغم مرارة الروي وكأننا هنا أمام معذب ينتشي بعذاباته .

يمكن القول أن الهاجس الذي تكفلت بإيصاله الرواية لا ينوء بحمله أقوى الرجال؛ هاجس مضن لذلك أوكل الكاتب مهمة الروي للمثقف؛ المثقف الذي يتحسس مكامن الخلل ويجوس ساحات الوجع ويتذكر لحظات الهم.

المثقف هنا هو القاص الذي يدير دفة الروي بمساعدة مجموعة من الأصدقاء من شتى المشارب؛ فيهم النقاد وفيهم من يستشعرون قيمة الثقافة والأدب وفيهم أصحاب المال .

 ومما يميز الرواية تلك الانتقالات الحاسمة في الأزمنة والأمكنة والصفات.. فالأحداث تأخذ القارئ من حرب الخليج وتنقله إلى زمن الحصار حتى زمن داعش والحرب الطائفية؛ وتأخذه في جولات مريرة في مدن عراقية متباعدة من ساحة سعد في البصرة إلى مدينة الصدر لتعود به إلى شارع سيد جودة في كربلاء، وتتنقل صفات الأشخاص تبعا لأعمالهم التي فرضها عليهم جور الأيام فيتحول القاص إلى دفان ليكون أسمه علي الدفان وليس القاص علي فالزمن زمن مقابر نادرا ما يلتفت إلى الأدب في زمن الضوضاء والموت حتى يحترف علي الدفان منادمة القبور ويأنس بالحديث عنها لتكون جزءا من شخصيته.

 هناك روح وثابة في الرواية رغم كل ما فيها من مآس؛ فالحب شكل محورا من محاور الرواية، وأن يُجمع الحب مع الحرب في بوتقة واحدة لهو صنيع ماهر، فالحب سلم وسلام أما الحرب فهي مـــــوت وانتقام ولا جامع بينهما لكنما السرد وحده من يفتح الكوة المشتركة بينهما، وهكذا نجد الأحاديث عن سلوى لا تكاد تنتهي ولا تني تبخل عن بث اللذة في مفاصل الرواية كلِّها .

مشاركة