مروحية‭ ‬حسينة

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

قامت‭ ‬تظاهرات‭ ‬طلابية‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البلد‭ ‬الاسيوي‭ ‬الصغير،‭ ‬كانت‭ ‬تتصدرها‭ ‬الحناجر‭ ‬الغضّة‭ ‬الممتلئة‭ ‬بأمل‭ ‬التغيير‭ ‬والتي‭ ‬تشبه‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬حناجر‭ ‬العراقيين‭ ‬من‭ ‬ابناء‭ ‬انتفاضة‭ ‬تشرين،‭ ‬فتصدت‭ ‬لها‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬بعنف،‭ ‬وسقط‭ ‬1400‭ ‬قتيل،‭ ‬وفرّت‭ ‬رئيسة‭ ‬بنكلاديش‭ ‬بمروحية‭ ‬الى‭ ‬الهند‭ ‬المجاور،‭ ‬ومضت‭ ‬الشهور‭ ‬مثقلة‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2024‭ ‬بشبح‭ ‬الدم‭ ‬الثقيل‭ ‬حتى‭ ‬جاء‭ ‬يوم‭ ‬المحكمة‭ ‬المنتظرة‭ ‬فأعلن‭ ‬القاضي‭ ‬ادانة‭ ‬الشيخة‭ ‬حسينة‭ ‬رئيس‭ ‬بنغلاديش‭ ‬السابقة‭ -‬78‭ ‬سنة‭- ‬بثلاث‭ ‬تهم‭ ‬بينها‭ ‬التحريض‭ ‬وإصدار‭ ‬أوامر‭ ‬بالقتل‭ ‬وعدم‭ ‬التحرّك‭ ‬لمنع‭ ‬وقوع‭ ‬فظاعات‭. ‬وقال‭ ‬القاضي‭ ‬جملة‭ ‬قاطعة‭ ‬عن‭ ‬حسينة‭ ‬‮«‬‭ ‬إنها‭ ‬خبيرة‭ ‬في‭ ‬الإجرام‭ ‬ولم‭ ‬تُبدِ‭ ‬أي‭ ‬ندم‭ ‬على‭ ‬وحشيتها”‭.‬

هناك‭ ‬دائما،‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬القضاء‭ ‬الحي‭ ‬والمستقل،‭ ‬نافذة‭ ‬صغيرة‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يدخل‭ ‬منها‭ ‬ضوء‭ ‬الإنقاذ‭ ‬للمجرمين‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تخفف‭ ‬عليهم‭ ‬شيئا‭ ‬ما،‭ ‬مع‭ ‬تأكيد‭ ‬نزول‭ ‬العقوبة‭ ‬الغليظة‭ ‬بهم،‭ ‬تلك‭ ‬النافذة‭ ‬هي‭ ‬الإقرار‭ ‬بالندم‭ ‬لارتكاب‭ ‬الجريمة‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الدم‭ ‬البنكلاديشي‭ ‬والدم‭ ‬العراقي،‭ ‬فرق‭ ‬في‭ ‬الأثمان‭ ‬وفرق‭ ‬في‭ ‬الحماة‭ ‬وفرق‭ ‬في‭ ‬القوانين‭ ‬النافذة‭ ‬وفرق‭ ‬في‭ ‬التحولات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬برغم‭ ‬وجود‭ ‬الخروقات‭ ‬والدوس‭ ‬على‭ ‬الأمل‭.‬

انتفاضة‭ ‬تشرين‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2019،‭ ‬كانت‭ ‬فرصة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الذين‭ ‬لايزالون‭ ‬يتشبثون‭ ‬بالمشهد‭ ‬السياسي‭ ‬فيما‭ ‬لو‭ ‬وقفوا‭ ‬وقفة‭ ‬اعتذار‭ ‬وتصحيح‭ ‬وغيروا‭ ‬المسار‭ ‬من‭ ‬المنحدر‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والقيمي‭ ‬والإنساني‭ ‬والمعيشي‭ ‬والسياسي‭ ‬الى‭ ‬المرتفعات‭ ‬الوطنية‭ ‬السامية‭ ‬التي‭ ‬عناوينها‭ ‬الكرامة‭ ‬والنزاهة‭ ‬والشرف،‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬عنوان‭ ‬العراق‭ ‬أولاً‭ ‬وآخراً‭ ‬وليس‭ ‬بلداً‭ ‬آخر‭. ‬فرصة‭ ‬لم‭ ‬يكتفوا‭ ‬بإضاعتها‭ ‬وانما‭ ‬اغرقوها‭ ‬بالدماء‭ ‬ظنا‭ ‬منهم‭ ‬ان‭ ‬البطش‭ ‬هو‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تسري‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬البلاد‭ ‬وتعلو‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬لغة‭.‬

بالتأكيد‭ ‬هناك‭ ‬دائما‭ ‬مروحيات‭ ‬للهروب‭ ‬الى‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬فذلك‭ ‬اسهل‭ ‬الوسائل،‭ ‬لكن‭ ‬عقاب‭ ‬العراقيين‭ ‬لا‭ ‬يسقط‭ ‬بالتقادم‭ ‬الزمني‭ ‬،‭ ‬ولن‭ ‬ينسى‭ ‬العراقيون‭ ‬أدوار‭ ‬التواطؤ‭ ‬في‭ ‬قتلهم،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لبسوا‭ ‬العقال‭ ‬والزبون‭ ‬لتغيير‭ ‬معالم‭ ‬الجريمة‭. ‬لنتذكر‭ ‬ان‭ ‬القاضي‭ ‬لم‭ ‬يدن‭ ‬حسينة‭ ‬بتنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬بيديها،‭ ‬لكنه‭ ‬أدانها‭ ‬وعاقبها‭ ‬بالإعدام‭ ‬لأنها‭ ‬رأت‭ ‬القاتلين‭ ‬ولم‭ ‬تفعل‭ ‬شيئاً،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬قاتل‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬تشرين‭ ‬المقدسة‭ ‬مرّ‭ ‬يتبختر‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬السياسيين‭ ‬وأغمضوا‭ ‬عيونهم‭ ‬وضمائرهم‭ ‬عنه‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية