مرثية لمكتبة المثنى

439

نص في المكان

مرثية لمكتبة المثنى

جمال العتّابي

لماذا أراك بهذا الحزن؟ عيناك لا تقويان على الحزن، هل ضجرت حين سرقوا لوحة عنوانك البُنيّة اللون، بخط النسخ الجميل لعبقري مدرسة بغداد في الخط العربي، هاشم محمد البغدادي، واسم صاحبك قاسم محمد الرجب، بالتعليق الأبيض الرشيق، كأن هاشم أراد ان يصنع لمهرك زهراً لوجهك الأنيق.

كلنا لإنتهاء يا مكتبة المثنى! لماذا تخافين الهجر والغياب؟ حين أشعلوا النيران في باحتك الفسيحة، كانت النوافذ مغلقة، تعالي سأفتح بابي لك، أفتح بيتي وقلبي، ادخلي أي نافذة شئت، أو أي باب! أي وعينيك.

لم لانتفق ان نكون شركاء في استقبال ضيوفك، ومعك مصطفى جواد، كوركيس عواد، جواد علي ، مهدي المخزومي فؤاد جميل، صفاء خلوصي، صالح العلي، امجد الزهاوي، روفائيل بطي، ناجي الاصيل، مصطفى الشيبي، محمد الاثري، عبد العزيز الدوري، يوسف عز الدين، عناد غزوان، جليل العطية، واخرين من الاعلام، فالأحاديث في مجلس الرجب تنمو سجالاً، كما الذكريات سجال.

وحده قاسم الرجب يعرف وعورة الطريق، والتواءات الأزمنة، عاف مدار طفولته، وترك المدرسة الإبتدائية بسبب الفقر، فإنتقى منه ما يلهمه في الانتصار عليه، فكانت رحلة مشرقة انتصرت فيها الكلمة.

في ليل غارق في لجّة الظلام، أحرقوك، ياهولها من نار  التهمت جدرانك الخرساء؟ مثل غول يفترس الصغار، لم تترك النيران غير دمع ينزف على الحجر، وارض ساخنة كأصابع قنبلة، من يستعيد رائحة الكتب؟ وضوء الفوانيس المتدلية من اعلى السقف تتمايل غنجاً، تخفق مثل طيور البحر! حين احترقت، لانك لم تطيعي ما يأمر به الطاغوت، خيروك بين الموت والنار تصطلين بها وحدك بصمت، سوى وقع بساطيل العسس الليلي في شارع المتنبي.

  في أيامك الأخيرة كنت أسيرة القيود، تسحبك الى حيث يشاء القاتل، فلا مفر لك سوى ان تموتي ميتةً معجلةً. الطريق اليك يا مكتبة المثنى، صعب  ومزدحم بطوابير اسلحة الموت والإغتيالات، والأرض لا تسع الشهداء!!

ردي عليّ لهفتي، اعرف انك مكبلة الروح؟ واعلم انه عبث وفراغ يد ما حصدنا، لكنها شهادتك انت، أو وصيتك الاخيـــرة.

المكتبة : خلت اني اتلاشى دون ان يبصرني المارة ويقفو أثري أحد الأصدقاء، قلت انتهي في بداية فجر، لست أقوى على حماية كتبي، فقد أكلتها النيران، وها انا اقتات على حزني، كميتٍ لم تغثه النادبات، نهبوا عنواني، لم يتركوا لي  غير أشياء بلا ذاكرة، تهمتي انني انشر المعرفة، ومنحازة للعقل المتنور، أحرض ضد الظلام والجهل، وأكرم ضيوفي من العلماء، وبيني وبين فتية فرشـــــــوا الرصيف أمامي بكتبهم، الفة ومودة ، أشاركهم شجو الأيام، نقتات على بيعها، يوم بغداد تمضغ حزنها يكفنها الحصار، فردّوا عليّ الصاع صاعين، ها انا أموت، وأمشي لنهايات الحـياة.

مشاركة