مرة وحدة.. من غرائب ياس خضر

نقد موسيقي

 

مرة وحدة.. من غرائب ياس خضر

 

تحسين عباس

 

المثنى

 

القديمة التي تلحُّ بتواجدها في الذاكرة وتفرضُ على رغبتنا الاهتمام نجد ان معظم محاور فكرتها وعلى اختلاف تناولها تنطلق من موضوعة الحب الحقيقي او ما يسمى بالعذري الذي يبتعدُ كثيراً عن التمرد والعبثية في العواطف ويمتزجُ لبّاً بالوفاء ونكران الذات فالغناء على فكرة هذه الأغاني هو أول أسباب ديمومة تداولها في ذاكرة المستمع إضافةً إلى ذلك الإخراج التنغيمي الذي أجادَه ُمنغِّمو تلك الأغاني بصحبة الحنجرة المناسبة التي تمتلك مقومات المنجز الغنائي الذي يبحرُ في آفاق الاستماع طرباً فيما تدليهِ آلية التكوين الفني من جمال ٍ يثيرُ الدهشة بمتعة المتابعة وأسلوب الإيصال المتفاني عاطفة ً في الإحساس بالمفردة  في موسيقى لفظها وموسيقى صوتها الخارج بالتنغيم ، وهذا ما يوثقها في الذاكرة لانطباق اللفظ  والصوت النغمي ثمَّ ياتي المطرب ليشعلَ بشعورهِ عن طريق تصرفهِ المتقن بالحنجرة مكامن الجمال الذي اتمها لهُ الكاتب والمنغم.

 

 ؛ فمن خلال تجوالي في المكتبة الصوتية للمطرب الكبير ياس خضر وجدتُ اغنية ً قد هملها النقاد الموسيقيين في اظهار مواطن الابداع وتوفر البيئة الفنية الاصيلة المختبئة فيها وهي أغنية (مرة وحدة) وقد يكون السبب في ذلك ان ظهور الأغنية كان في فترة أواخر السبعينيات وما تبعتها من ظروف الحرب العراقية الإيرانية والحاجة الملحة للاهتمام بالأناشيد الحربية. فالأغنية هي من كلمات زهير الدجيلي وتنغيم طالب القره غلي وأداء الفنان القدير ياس خضر.

 

مرة وحدة… مرة وحدة

 

قلت احبك: مره وحدة

 

والعمر بس مره وحدة

 

فكرة العمل الفني:

 

طبقاً لما يدورُ في محور فكرةِ كلماتِ الأغنية وتجربةِ الكاتبِ الفنيةِ في إعلان الحبيبِ عن قرارهِ في حبِّهِ انَّه لا يستطيع ان يعشق الا مرة واحدة وتبرير ذلك ان ما سوف يعيشهُ هو لعمرٍ واحد او ان هناك صورة شعرية متضمنة ان حبَّهُ هو عمرهُ الذي يعيشهُ لان عمر الإنسان واحد فحبُّه لا يكون الا لمرة واحدة ولكنَّ الشاعر اراد في هذا النص نقد احد الحالات الاجتماعية في تثبيت هذه الحالة (الحب لمرة واحدة والوفاء حتى النهاية) وهي انَّ بعضَ الناس يرى انَّه ِّ بإمكانه ان يعشق فيكون عشقهُ موسمياً ، لذلك راينا البناء الموسيقي لهذه الاغنية يتراوح مابين الحزن والأسى (الوجوم) تارة ومابين الثبات على قرار الذات في الحب لمرة واحدة ونقد الموسمية في الحبِّ ففي الحزن والاسى سمعنا مقام السيكاه بلدي والصبا على درجة الحسيني (لا جواب) وفي الثبات والإصرار سمعنا الهزام على درجة الـ(فا كار ديز) والسوزناك على درجة الدوكاه. فكان بناء الأغنية الإجمالي من مقام السوزناك على درجة الدوكاه وتحليق البداية من مقام السيكاه بلدي على درجة الحسيني وفي هذا البناء غرابة بينت هيمنة المُنغم على الاصوات وتصرفهِ المتقن في الهندسة النغمية حيث انّهُ لم ينتهِ بما ابتدأ فيه فكانت المقدمة الموسيقية عبارة عن فالت موسيقي قصير ثمَّ دخول الى فالت غنائي من مقام السيكاه بلدي على درجة الحسيني.

 

وفي المقطع الأول نرى:

 

 صرت أشوفك.. أحلى ما مرسوم

 

بالدنيا و أرسمك

 

صرت أشوفك.. وين ما يطلع قمر

 

صرتَ اقِل للناس حبّوا

 

هوايا حبّوا

 

و لا تخلون الربيع بلايا ورده

 

حتى يبقى الوفا شمعة

 

حتى تبقى الدنيا مليانة مودة

 

كلت احبك مرة وحدة والعمر بس مرة وحدة.

 

استمرار الحزن والأسى الكائن في مقام السيكاه بلدي علماً ان الجمل الأولى من المقطع لا تدل عن الحزن لكنَّ المُنغِّم هنا اخذ الرؤيا الاجمالية للنص بأكملهِ ثم الرؤيا الاجمالية للمقطع ذاته فاستشفَّ ان النص يتحدث عن الجفاء المفروض على المحب فلذلك ارتأى المُنغِّم ان يجعل الصور الشعرية التي ادلى بها لسان الشاعر في حالة الهيام عتاباً مُضمخاً بالحُزن ، لكنَّهُ وقبل ان ينهي المقطع يرجع بانسيابية جميلة الى هزام الـ(فا كار ديز) لتثبيت راي الفكرة بان الحب ليس موسماً بل هو كائنٌ حقيقيٌ في داخل العمر ؛ مستقراً في نهاية المقطع بمقام السوزناك على درجة الدوكاه(ره).

 

المقطع الثاني:

 

مو محبين اللي يريدون اليحب لازم يشوف الهجر مره

 

مو محبين اللي يحسبون القلب مثل المواسم الف مره

 

اشلون لو ماي الوفه ابيناتنه طاح وتبده ـــــ اشلون بينه

 

اشلون اذا راحت الدنيا وسافرت بلايا موده ـــ اشلون بينه

 

ما اظن يبقى غصن شاب ويَورده

 

ولا يمر بينه الهوى ولا مره وحده

 

كلت احبك مره وحده والعمر بس مره وحده.

 

يبدأ المقطع الثاني بجمل موسيقية من مقام الصبا على درجة الحسيني (لا جواب) وكذلك الغناء ليسبر التنغيم أغوار النفس فيما يعانيه المحب من قهر في حرمانهِ من الوصال.

 

يتحول الغناء بعد الشطرين الأوليين الى نغم الحجاز على درجة الحسيني بصوت المطرب ليستقر بمقام الهزام على درجة الـ(فا كار ديز) بأصوات الكورس النسائي وهذه مراوغة موسيقية بديعة استطاعت ان تتلاعب في متابعة المستمع دهشة ً في الجمال. ثم يسترجع التنغيمُ الأداء بصوت المطرب للهزام ومن ثم ختامه كما في السابق بمقام السوزناك على درجة الدوكاه.

 

المقطع الثالث والأخير:

 

تدري مرات الغياب يصير شامت واظل احسب

 

وحتى ساعات العتاب وياك ما خلتني اعتب

 

مره اشوفك فرح يكبر

 

 ومره اشوفك حلم اخضر

 

لاجل عينك والعيون الصافية بلون الموده

 

 لاجل عينك والعيون الي تعرف تحب مره وحده

 

كلت احبك مره وحده والعمر بس مره وحده.

 

يبدأ هذا المقطع بحركة موسيقية جميلة من نغم الحجاز على درجة الحسيني ثمَّ يسترسل الى هزام ال(فا كار ديز) مُسْتقراً عليه ؛ مُبيِّناً حُزنهَُ وما يعانيه من الفراق الذي فـُرضَ عليه وعلى حبيبهِ وعند انسحاب التنغيم الى الهزام يؤكد لسان حال المحب على مدى اصرارهِ على حبيبهِ. ينتقل المُنغم بطرفةٍ حزينة ٍ بمقام الصبا على درجة الحسيني وبحركاتٍ جديدة تختلف عما قبلها من انتقالةٍ الى نفسِ المقام ليعود لهزام ال (فا كار ديز) حتى يستقر الى مقام السوزناك على درجة الدوكاه.

 

الأداء

 

وحسب ما عرفنا من انتقالات غريبة من مقام لآخر يتبين لنا مدى سعة حنجرة المطرب الكبير ياس خضر لاحتواء المساحات النغمية حيث ان من المعروف علمياً ان مقام السيكاه بلدي هو من المقامات التي تمتاز بابعاد صوتية شاسعة(3/4 ،1، 3/4 ،1، 3/4 ،1 ،3/4) وفي نفس الحال ان هذا المقام يَتَملَّكُ المطربَ وليس من السهولة الخلاص من سلطانهِ على النفس والانطراب وكذلك مقام السوزناك الذي ظهر هنا بصفة تتقارب من حيث السلطان لمقام الرست.فرأينا تمكن حنجرة المطرب في الانتقال بسهولة وفي نفس الوقت استطاع ان يضيف خامتهُ الشجية على الجمل التي توحي بالشجى ولم تربكهُ العرضيات الصوتية كما في الفالت الغنائي عندما كان يغني في مقام السيكاه بلدي على درجة الحسيني لتعترض غناءه تنغيماً درجة الـ(فا كار ديز) في: والعمر بس مرة وحدة. وكذلك في المقطع الاول ” ولا تخلون الربيع بلايا ورده ” حيث ان الغناء كان في مقام السيكاه بلدي لينتقل الغناء فجئةً الى جملة كرد على درجة ال (مي قرار).

 

التوزيع

 

كان التوزيع بين الآلات ملائماً للحيز الفني الذي تكوَّنَ من فكرةِ الأغنية فكانتْ آلةُ القانون مُعبرةً عما سيأتي من حنين الكلمة المُنغَّمة ومعناها المصاحب في الإفهام كما كانت اللازمات الموسيقية في جملة الصبا في المقطع الأول التي ادتها آلة الأكورديون مناسبةً في غوصها في النفس ومدى إحداثها انكسارا في الجوف الشعوري للمستمع.

 

اما ما أدّتهُ الكمانات فلا يختلف عليهِ موزعان ويقيناً انَّ التوزيع جميلٌ على إمكانيات تلك الحقبة ويمكن له ان يكون اجمل لو وزعَ بتقنيات هذا العصر ولكن من يستطيع إطرابنا وإمتاعنا غير صوت ياس خضر ؟.