مراجعات موضوعية في الملف الأمني

161

مراجعات موضوعية في الملف الأمني

عماد علو

عكست العمليات الارهابية المتصاعدة منذ ابريل /نيسان 2013 ، أن العراق لا يزال في حاجة إلى هيكل أمني وطني متطور على نحو كاف، لأن الجيش ليس قادراً بعد على الدفاع عن سلامة أراضي البلاد أو الشعب، كما أن مؤسسات صُنع القرار الأمنية الوطنية للحكومة غير متطورة ولا متماسكة. وعليه  فإن لهذا الخلل عواقبه الوخيمة على استقلال وأمن العراق. الامر الذي يتطلب مراجعة موضوعية للملف الامني العراقي وهذا ما سنحاول التطرق اليه بصورة مختصرة .

 أهم نقاط الضعف في الملف الامني

قد يقول البعض أن القوات المسلحة العراقية قد وصلت الى مراحل متطورة ومتقدمة في العدة والعدد ! ولكن الحقيقة أن القصور في قدرات القوات المسلحة العراقية سيظهر بسرعة لو أُجبر العراق على الدفاع عن نفسه ضد قوات تقليدية من أيٍّ من جيرانه. بل وحتى الأمر الأهم على المدى القريب هو أن القوات المسلحة العراقية اثبتت أنها تواجه صعوبة خطيرة عند تعاملها مع مجاميع ارهابية قامت بهجمات منسقة واسعة النطاق في مناطق مختلفة من العراق ولاسيما قرب وداخل العاصمة بغداد. حيث عكست تلك المواجهات التكلفة الكبيرة من الناحية المادية والبشرية بالنسبة لـ “قوات الأمن العراقية” أكثر (مما لو كان بديلها) قوة عسكرية متطورة بشكل أوسع. كما أنها احتاجت إلى وقت أطول بكثير، ربما كثير جداً للتغلب على زخم عمليات ارهابية واسعة النطاق ضربت بغداد وعدد من المحافظات العراقية الاخرى في عام 2013 . الأمر الذي يشير بشكل لا يقبل الشك ، إن قدرات وحتى مظهر القوات المسلحة العراقية لا يناسب دولة كاملة السيادة لها جيران مسلحون جيداً بأسلحة هجومية متطورة على نحو متزايد. وعليه فانه بالإضافة الى تدني مستوى التسليح والتجهيز والتدريب للقوات المسلحة العراقية واجهزة الامن العراقية الاخرى ، الا أن هناك العديد من نقاط الضعف التي ينبغي تلافيها ومعالجتها بشكل موضوعي وجاد ومن هذه النقاط :

1.         غياب التكامل والتعاون والدعم المتبادل بين المشاركين في الملف الامني المدنيين والعسكريين على حد سواء. إن هذا القصور قد أعاق بدوره الكفاح ضد العنف الداخلي وجعل شبكة الأمن العراقية سهلة الاختراق تماماً.

2.         القصور الاخر في الملف الامني العراقي سببته سياسة المحاصصة الطائفية ، حيث نجد أن كبار المسؤولين في “قوات الأمن العراقية” موزعين على مقرات قيادية ومراكز ومكاتب متعددة، وهو الوضع الذي كان قد أدى إلى تداخل السلطات، وحدوث تقاطع في المسؤوليات وقصور واضح في قدرتها على تنسيق وتبادل المعلومات.

3.         لا يزال قطاع الأمن الوطني العراقي يعاني من مشاكل كبيرة في نطاق التخطيط وصياغة السياسة والموازنة والمشتريات وصناعة القرار بوجه عام.

4.         ان الاداء الحكومي المتردي أدى الى قصور في التنسيق بين الوزارات المختلفة وسرعة الاستجابة لمدخلات ومتطلبات الاجهزة الامنية بشكل عام هي حاجات ضرورية لبناء قدرة أمنية وطنية ذات مصداقية ومستقلة ومكتفية ذاتياً.

5.         إن العراق مُثقل بإرثٍ من إقحام الجيش في السياسة، والتلاعب بالأجهزة الأمنية في فترة صدام، والمخاوف من تأثير الانتماءات الحزبية السياسية والطائفية العِرقية. وتعكس التطورات الحالية هذه النماذج؛ فخلال الأعوام القليلة الماضية على سبيل المثال، برز هيكل استخباراتي وأمني وطني ذو عدة رؤساء. وعمداً، تعمل عناصره الفردية ضد بعضها البعض، أو على الأقل بتجاهل متبادل. ويتوافق هذا الهيكل مع التوجه الفكري للقادة العراقيين التي أدت خلفياتهم في المعارضة السرية وعدم الثقة أثناء العهد البعثي إلى قصور واضح في الجهد الاستخباري المطلوب لمواجهة الارهاب.

6.         يعتقد العديد من السياسيين والمراقبين أن هناك توجها” حثيثا” نحو تسييس إدارة “قوات الأمن العراقية” من قبل قوى سياسية متنفذة ومهيمنة حاليا” على العملية السياسية ، وهي استراتيجية يسعون من خلالها للحفاظ على وضعهم الشخصي والحزبي، وفي الوقت نفسه وقاية أنفسهم من أية انقلابات محتملة. غير أن هذا الأسلوب سيُعرِّضهم هم وكذلك تماسك العراق نفسه إلى الخطر. لذلك، يبقى تسييس قدرات الجيش تحدياً تنموياً جوهرياً في قطاع الأمن الوطني العراقي ما يتطلب اهتماماً متواصلاً لضمان ولاء القوات للمؤسسات التي تخدمها وليس للأفراد أو الأحزاب السياسية أو الهويات الأصلية.

مراجعات ضرورية

ان التصدي لخطر التهديدات الارهابية المستمرة ومعالجتها يتطلب وجود قوات عسكرية قديرة ومؤسسات محترفة. ففي ضوء بيئة العراق الأمنية المحفوفة بالمخاطر سواء الداخلية منها أو الخارجية ، واستمرار خطر الارهاب المتصاعد وتأثيره السلبي على عملية البناء والاعمار بل وحتى على تماسك النسيج الاجتماعي العراقي ، لابد من الاعتراف  بان الولايات المتحدة الامريكية التي احتلت العراق سنة 2003 ودمرت بنيته التحتية وحلت مؤسساته الامنية والعسكرية ، قد تركت العراقيين لبيئة عدائية اقليمية وداخلية تمزق نسيج الأمة قد تدفع في النهاية الى إشعال صراع إقليمي. ونظراً للمخاطر الكبيرة التي يتعرض لها العراق اليوم، فان هناك قضايا جوهرية لابد من مراجعتها تتمثل في:-

المسار الحالي والمستقبلي المحتمل لتطور قوات الأمن العراقية (الجيش والشرطة)، ودلالاتها على القدرات العسكرية العراقية.

 الكفاءة الفنية داخل مؤسسات الأمن الوطنية العراقية مع التركيز على المجالات التي يكون فيها التحسين ضرورياً بشكل خاص.

 الاتجاهات في العلاقات العسكرية – المدنية العراقية(العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية)  لضمان حيادية ومهنية واحترافية القوات المسلحة العراقية (الجيش والشرطة).

الخيارات المتاحة

ان استمرار الازمة السياسية المزمنة وعدم اتفاق القوى السياسية الفاعلة في العراق على مشروع وطني واضح المعالم جعلت التوجهات الحالية المعلنة في تطوير القوات المسلحة العراقية لا تعكس اتجاهاًاستراتيجياً واضحاً . ومع ذلك فإننا ننصح بالذهاب الى ثلاثة خيارات هي الأكثر قابلية للتطبيق في هذه اللحظة من الموقف الامني المتردي في العراق وهي:-

الخيار الاول : الاستمرار الجاد والحثيث في بناء جيش وقوات جوية مطورة بحيث تواجه العنف الداخلي وتعيق التسلل عبر الحدود من جانب المسلحين ، اي بعبارة ادق اشراك الجيش في واجبات ومهام الامن الداخلي.

الخيار الثاني: بناء جيش يضم أعداداً كبيرة من أنظمة الأسلحة الثقيلة والمطورة لضمان سيادة العراق وإعادة الدولة إلى وضعها الجيوسياسي الإقليمي البارز. أي ابعاد الجيش عن واجبات حفظ الامن الداخلي واقتصار مهامه على حماية الحدود وسلامة وحدة اراضي البلاد .

الخيار الثالث : بناء قوات عسكرية قادرة على مساعدة (أو، إذا لزم الأمر، حلول محل) منظمات تطبيق القانون في مواجهة عدم الاستقرار المحلي، مع إظهار السيادة الوطنية وقوة النظام للمواطنين العراقيين. اي دمج الخيارين الاول والثاني .

وفي كافة الخيارات لابد من مراجعة جادة للاستفادة من خبرات الجيش السابق والاجهزة الامنية والاستخبارية السابقة .

الخلاصة

إن هيكل الأمن القومي في العراق هو جديد إلى حد كبير ويشغله قادة ضعيفي الخبرة نسبياً. وعلاوة على ذلك، على الرغم من مشتريات الأسلحة الأخيرة، لن يكون العراق مكتفياً ذاتياً في قدراته الدفاعية في المستقبل المنظور ، ما يعني أن حماية حدود البلاد ومجالها الجوي ، وفي ضمان مستوى مقبول من الأمن الداخلي ومنع التدخل الأجنبي، سوف يبقى قاصرا”، الامر الذي يعني أن العراق سيبقى بحاجة الى المساعدة والدعم الخارجي في ضمان وجود دفاع خارجي وأمن داخلي وبناء “قوات الأمن العراقية” كقوة ذات سيادة، ومواصلة تطوير مؤسسات البلاد الأمنية الوطنية. إن وجود العديد من نقاط الضعف و الفجوات في قدرات الدفاع الوطني العراقي سيبقي الامن الوطني العراقي عرضة للعنف والمكائد والنفوذ المفترس من جيران يعملون ضد الاستقرار الإقليمي. ومثل هذا القصور الامني يمكن أن يدفع العراق نحو حرب طائفية – عرقية وتمزق، ما يصعِّد بشكل كبير من التوترات الإقليمية.

[email protected]

مشاركة