
مراثي الذات .. مراثي الواقع – جاسم عاصي
إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار قول ( جان سكاسيل ) من أن .. الشعراء لا يخترعون القصائد ، فالقصيدة موجودة في مكان ما هناك ، منذ زمن طويل جداً . ولا يفعل الشاعر شيئاً سوى أن يكشف عنها .. فأن بإمكاننا أن نُحدد نظرتنا للشعر بعامة ، ولقصائد ( جواد الحطّاب ) بخاصة ، لا سيّما قصائده في ديوانه الأخير ( إكليل موسيقى على جثة بيانو ) * ، فهو يتعامل مع القصيدة في كونه يستلها من مكمنها في الواقع الضاج بالألم . ذلك واضح ـ وكما سنرى في سياق القراءة ـ من وضوح العبارة وتلقائيتها . فكأن الشاعر يُعيد قراءة قصائده من مدونة بين يديه . فتلقائية التعامل مع الواقع والوقائع يُحيل كل ما في حقل التصور إلى حقيقي من خلال النظرة غير المشوبة بالصنعة . وأرى أن هذا مرده إلى العمق المعرفي بالحياة ومجرياتها ووتيرة وقائعها . وأعني بالمعرفي هنا حصرا ً ما ذكره الكاتب ( إرنست همنغواي ) في كون .. الحقيقي مصنوع من التجربة والمعرفة … فمعرفة (الحطّاب ) التي نعنيها لم تأت من بطون الكتب ، بقدر ما أحكمت بالتجربة الحياتية ، وبقوة الانعكاس الذي تتركه على ذاكرته التي تستجيب من منظور المعرفي وتراكمه للوتيرة الحياتية ، حيث تُعينه في خلق المناخ الشعري ، وهذه الخاصية لا زمت تجربة الشاعر في كل دواوينه ، وبالأخص كتابه النثري ( يوميات فندق أبن الهيثم ) . فالحطّاب مكوي بنيران الحرب وواقع الغزو والاحتلال ، وعطاؤه مواكب لتطور الواقع بكل فواجعه . والدليل عل ذلك قصائده في ديوانه المذكور .
العتبات
من خلال تتبع عتبات الديوان ؛ نتوقف على صورة الغلاف كعتبة أولى ، والتي تُشكّل مرثية غير سائدة ، تحاول أن تنتمي إلى الأشياء ـ البيانو ـ ليس من باب كونه آلة ، بقدر ما أوحت اللوحة ، بما تضمره هذه الآلة من خزين الأصوات المعبّرة عن هموم الإنسان وحاجاته لترجمة الحياة بكل إيجابياتها وسلبياتها . فآلة البيانو محاطة بسواد الحزن أو الحداد ، مما ينحّيها عن كونها آلة ، وعبورها إلى تمثل شكل آخر أكبر من ذلك ، فالمولد للأصوات ، والباعث للحياة له دلالات أخرى تشير إلى الوطن على سبيل المثال , وهذا ليس تفسيرا ً بقدر ما هو إشارة إلى عين اللوحة الباصرة والموحية والتي يمكن قراءتها هكذا بعيدا ً عن سياقها الموضوعي . وما يرفد ويسند قراءتنا هذه هو ثريا الديوان ( إكليل موسيقى على جثة بيانو ) والنظر بتفحص إلى مثل هذه الدالـّة ـ العتبة ـ التي سوف تقودنا إلى متن الكتاب الشعري هذا ـ نجدها تُشكّل بنية دالـّة كاملة ، لما تحتويه من تناقض وأضداد توحي بها المفردات ( إكليل ، موسيقى ، جثة ، بيانو ) فإذا كانت مفردة إكليل تنسجم مع مفردة موسيقى وبيانو لسانياً ، إلا أن مفردة ـ جثة ـ توحي بالتراجيديا ، على الرغم أن التراجيديا تتصل بالموسيقى من باب الدراما . لكن ما نلاحظه هنا هو ما يخص المرثاة ، فمفردة ـ جثة ـ تشطر المستوى المتناغم الذي عليه بقية المفردات . من هذا نرى أن صياغة العنوان جاءت على توالي المفردات بدلالة ما هو أبعد من التعبير الخاص باتجاه الحياة . فالإكليل لا يدل كصورة لمراسيم مشاركة إلا في مواسم الفرح والحزن ، ولأن كلمة ـ جثة ـ أتت في السياق ، إذاً كان هذا الإكليل دال على الحزن . غير أن ما يثير ملكة الاستقبال هو صفة هذا الإكليل ، الذي هو ليس من الورد المنتقى من سوق الزهور ، بل أنه مرتبط بالموسيقى ، فهو إكليل موسيقى ، لغة ودالة .
التقسيم والتاريخ
أما تقسيم قصائد الديوان ضمن محورين هما ( المتنبي ، استغاثة الأعزل ) فهو تقسيم يمنحنا المعنى من خلال اتصال الأول بالتاريخ . ونعني به تاريخ بني العباس . حيث نجح الشاعر في أن يجعله قناعا ً دالاً على معاني لا تبتعد عن المعاني التي تضفيها قصائد القسم الثاني ـ الاستغاثة ـ . إلا أن أسلوب التعبير أختلف على وفق الدال والمدلول . فإذا كان التاريخ قادر على أن يُعطي صورا ً تثري التعبير الشعري ، كما رأينا في قصائد ( المتوكل طه ) وديوانه ( حليب أسود ) ، فإننا نرى في معالجة ( الحطّاب ) الشعرية أكثر نفاذاً لأنها وظفت التاريخ بقوة ومكشوفية ، ملغية هيمنة الخبير التاريخي . ولو أننا نسجل على نتاج الشاعر كونه شعر مقاومة ومعارضة دون تورية . في القسم الذي استخدم التاريخ قناعا ً كان أيضاً يعاضد القسم الثاني من باب طرح المعنى عبر الدلالة ، ومن باب السبب والنتيجة . ونعني به هنا الجدلية التي تتحكم في حركة الحياة والمراحل ، فإذا كانت النتيجة قد طرحته قصائد القسم الثاني ، فإنها تعني التكرار في التاريخ . وهو تماثل ليس القصد منه البعد السياسي ، بقدر ما هو تعبير يكشف الصور الإنسانية . كما وأن ما طرحه القسم الثاني دل على قدرة الكشف والمواجهة ، دون تعقيد في طرح الموقف الذي يمثل موقف الشاعر المبدئي حول كل ما يجري من متغيرات ، وصور تراجيدية كان الإنسان هو المستهدف في المواجهة والتصفية . إن توظيف التاريخ لا يعني تكراره ، بقدر ما يهدف إلى الاستفادة من فواصله وتناقضاته وصوره ، إذ لا يمكن الاستفادة فقط من الوقائع والتطورات الحاصلة عليها ، بل الاستعانة بأنساقها وعناصرها ورموزها . وهو نوع من التداول بين الموضوعي والذاتي .. ( 1 ) أي أن مكاشفة التاريخ ، يعني بالدلالة مكاشفة الواقع . فالتاريخ لا يشكّل مفارقة مع الواقع ، بقدر ما يُشكّل في الجانب السببي ، العلة والمعلول ، وفي جانب التناص والتماثل والتكرار الذي يُعيد أحداث الواقع المعاصر إلى الوراء من خلال الأساليب التي تستخدم لتسيير الحراك السياسي ، وهذا ما لاحظناه ما بعد حدث عام 2003 ، وما تلاه من انفتاح على العنف . كان الشاعر واحد من الذين واجهوا مثل هذه الحقيقة المرّة مصطفاً مع نخبة ممن يمارسون الكتابة ، سواء الشعرية أو السردية ، وأخص بالذكر هنا ما كتبته الروائية ( لطفية الدليمي ) في رواياتها ( بنات زُحل ) .
أما على صعيد توظيف التاريخ ، فنجد أن الروائي ( علي بدر ) قد دخل مدخلاً واسعاً ومقتدرا ً . في ما نرى ( الحطّاب ) يعالج هذه الثيمة الكبيرة من زاوية الشعر ، ونستطيع القول من زاوية الشعر الملحمي ، الذي يضع الحدث العام في زاوية التاريخ لكشف عناصر التماثل فيه . وأرى أنه نجح إلى حد يجعله صوتاً متميزاً في هذا ، حيث يضاف إلى صوته المعارض في كل ما كتبه من شعر ونثر . إن العلاقة بالتاريخ ، تؤدي إلى اكتشاف ما هو مجهول أو مسكوت عنه في المعاصر ، كذلك يكسر الأطر المانعة إلى نوع من تعامل المبدع مع تاريخ منصرم في الكتابة . ولعل التماسّ مع التاريخ بأحداثه يتطلب بعداً حذراً ، ليس من باب التهيب ، بقدر ما يشكّل انتباهه للكيفية التي يتعامل بها المنتج من باب الانتقاء ليس إلاّ . لذا نجد الشاعر ( الحطّاب ) في تداوله للتعبير الشعري إنما يحاول التركيز والتكثيف الذي قاده إلى نوع من التداول الذي نمَّ عن إمكانية التحكم في الحس الشعري وهو يجري مثل هذه المكاشفة . وهذا يدل على قوة المكاشفة التي تعتمد على حقيقة في التعبير القائلة ؛ كلما كان الفن أشد وعيا ً ، كان ذلك أفضل ( 2) .
المعاني والاجراءات
إن أهمية المعنى في الشعر ليست ذاتية ، وإنما أهميتها في كيفية إنتاجه . ولعل ذلك وراء مقولة (الجاحظ ) التي احتفى بها ( عبد القادر الجرجاني ) والقائلة ؛ المعاني المطروحة في الطريق . بعضها العجمي والعربي والقروي والبدوي ، إنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء أو وجود السبك ، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير .. ( 3).
وهذا ما نجده متداولاً في قصائد الشاعر الذي حرص على تلقائية القول الشعري ، واصطفاء الرؤى والتعبير عن ما يتراءى من صور في الواقع . فالصياغة والحساسية وعلاقتها باللغة الشعرية كما أكد ( ت. س إليوت ) (4) يتمسك بها الشاعر عبر قصائده . إذ من النادر أن تجد زوائد في القصيدة ، أو رخاوة في ما هو رابط بين أجزاء القصيدة .
لأن الشاعر أساسا ً غير ملزم بما يطلبه شرط الشعر آلياً ، بقدر ما يهم انبثاق الشعرية التي هي ما يقود الشعر على نحو الإيقاع الذاتي المسترسل على وفق آلية ذاتية مشبعة بالرغبة في انسياب التعبير وتلقائيته .فالتعبير في هذا المجال ينزع دائماً نحو الخارج ، أي خارج الشكل اللساني . فهو ينزع للالتحام بنسخته الأخرى المشتتة في اتجاهات مختلفة ، المرجعيات التاريخية ، المتلقي ، شفرة النص ، رؤى القراءة ، تحولات النوع وتحولات الدلالة في اللغة … (5)
ولعل جملة خصائص خطتها قصائد الديوان كانت العلامات البارزة والمؤشرة على طبيعة اهتمام قصيدة ( الحطّاب ) وهي تشتغل ضمن واقع إما مضطرب بسبب الحرب، أو كذلك بسبب تردي الوضع السياسي .وإزاء هذا الشكل للواقع يتصرف الشاعر بنزوع روحي لإقامة علاقات روحية بينه وبين الأشياء من خلال مداولة اليومي والمعاش ، وكشف الجميل منه ، وتأكيد صورة القبيح المتحكم في حركته . لاشك أن التلقائية في التعامل مع مفردة الواقع اليومي مكللة بالحذر من الوقوع في التسطيح ، لكن تلقائية الشعر هنا وهو يتعامل مع اليومي دفعته إلى التقاط المؤثر . أي أن التأثير المباشر دفع بالشعرية إلى الأمام . بينما نجده يتخذ الموقف من خلال التأثير المباشر الذي لا يترك فرصة للتأمل ، لكنها تصب في ذات المرمى الشعري ، إذ يبقى التعبير المحظور معبَّرٌ عنه بالفراغ أو مجموعة علامات السؤال . وهي ما يطلق عليه المسكوت عنه في النص ، حيث استعان الشاعر بما هو محضور الإشارة إليه بشكل مباشر . إن المعنى في النص عند ( الحطّاب ) إنما يخضع أساسا ً إلى رؤية ما يمارسه ويشاهده من أحداث ، التي هي بطبيعة الحال تُحيل كمحرك معرفي ذهنية الشاعر إلى ضروب من التداعي ، خاصة ما يخص التاريخ ، لكي يستقي المعاني من حراكه من باب التناص والتماثل مع الواقع المعاش . لذا فالمعنى هنا خاضع إلى متحرك الرؤى الدائمة ، في واقع متردي ومليء بالفواجع . من هذا نجد معظم قصائد الديوان وفي كلا القسمين ، إنما تتقاسمها صورة الرثاء للذات والآخر . ولعل الشعر من أشد أقسام الكلام تأثراً بالمجريات ، ويأتي تعبيره عنها بشكل مباشر . لذا فأن الحساسية الشعرية هي القاسم المشترك الذي يحققه الرائي ـ الشاعر ـ منعكسا ً على الرائي ـ المتلقي ـ .
مدارات الشعر/
كما ذكرنا بأن قصائد الديوان تعاضد بعضها في كلا القسمين ، من خلال ما تبثه من معاني ، نحاول أن نستدرجها لنتوقف على الصلة البنيوية التي تربطها . فالشاعر يحاول في بعض القصائد أن يكثـّف أحداث التاريخ ، وينحو بها باتجاه التشفير . فهو غير معني بالتفاصيل للأحداث التاريخية ، بقدر ما يقف على دلالاتها ، ليكشف عن المعاني المخبأة والتي لها ما يماثلها في الواقع ، ليس من باب كون التاريخ يُعيد نفسه ، وإنما من منطلق توفر المناخات التي من شأنها صناعة تفاصيل مشابهة لما حدث . وأرى أنها تعتمد وجهة النظر فيما هو مقروء في التاريخ والواقع .
ففي مفتتح القسم الأول ( المتنبي ) تكون قصيدة رقم واحد يستظهر من خلالها التاريخ عبر ذكر أسماء الخلفاء العباسيين ، وكأنه يستدرج البنى السياسية التي انتظمت عليها أزمنة ذلك العصر الذي انتشرت فيه كل علامات البؤس البشري. إذ نراه وبخطاب سياسي يستدرجه الأدبي ـ الشعر ـ فيقول :
{ … يا ااااا ه
تُضحكني هذي الأسماء
أربّ هذا
أم : شماعة أخطاء ؟ !}
هذه الخاتمة للمقطع ، تُشير بنكهة التهكم والسخرية إزاء كل ما ذكر من أسماء كـ ( المنتصر بالله ، المستظهر بالله .. والمتوكل بالله) الخ من سمفونية التاريخ التي لا تترك سوى العلامات الفارقة ، التي تضمر الوجه البائس في الحكم والتسلط . فيما نجده في المقطع رقم (2) يستعرض ويلخص حقب التاريخ ، مسقطا ً الصورة على الشاعر المتمثل للشعراء الذين يمسكون بذنب الحاكم ويسيرون خلف موكبه ، في سؤال حقق إجابة متأرجحة ، لكنها قاطعة وكالآتي :
{ لو كان أبن أبي طالب قد مدّ يديه إلى العبّاس
لو أن الكوفة لم تتخاذل عن أبن عقيل }
هكذا يستقري التاريخ عبر عناوين أحداثه المرتبطة بالشخصيات ، ليصل إلى تلخيص رؤيته من كل هذا مخاطبا ً الشاعر :
{ … هل كنت ستنشد من أجل إمارة ؟! }
تلي ذلك مجموع أسئلة إجرائية دليل المسكوت عنه في قول الشعراء وعلاقتهم بتلك الحقب وتلك الرموز مؤكدا ً :
{ الشعر …
في زمن القوّاد
دعارة }
إن الشاعر يحاول أن يعبر بشخصية المتنبي في التاريخ ، من متنها الذاتي إلى متنها الموضوعي ، لينحاز إلى فكرة كون تاريخه هو تاريخ الجماعة ، لذلك حمّل موقفه موقف التاريخ للجماعة . لا سيّما حادثة قتله أو ـ اغتياله ـ. إذ نجده في هذا يوجه الخطاب له بالسؤال الذي لم يحصل على الإجابة . فهو سؤال تكمن في ثناياه دربة الخيانة :
{ هل فاتـَكَ … فاتـِكْ
أم أنّ الفُتّاك جميعاً
كمنوا فيه …؟}
ويحمّل مسؤولية قتله للذات بقوله :
{ لكنك ، كنت : المتنبي
فقتلناك
ـ فقط ـ
كي نعطي رأسك ، تذكاراً
للسيّاح ، من النحّات }
بعدها يدين الذات بالقتل :
{ ها فاتـَكَ ، فاتـِكْ
أم …
نحن جميعا ً كنا فيه ؟ }
يبدو أن فعل الاغتيال قد وظّفه الشاعر باتجاه الإدانة ليس للذات ، بقدر ما وجهه للجميع وذلك بتغيير المفردات . فبدلا ً من تعبير ( كمنوا فيه ) استخدم تعبير (نحن جميعا ً كنا فيه) وبهذا يكون رمز (المتنبي) المستل من التاريخ رامز للوطن . وبهذا حولّت الدلالة من اغتيال رمز ثقافي إلى اغتيال وطن بفعل الاحتلال . ولعل هذا الموقف لا يختلف عن الموقف في قصيدة ( مقبرة الغرباء ) لخص من خلاله أيضا ً الموقف من قضية وطنية بحتة ، وهي غربة الشعراء وموتهم خارج الوطن . وهي قصيدة تداخلت مع ما قاله الجواهري ، تمثلا ً بالمتنبي . وما ورود البيتين التاليين إلا دليل على معنى الغربة القسرية التي عالجها الشاعر :
{ كدجلة .. غامض طبع الفرات وضوحه سرف
ومثلهما إبا .. تخشى المرور بمائه الجيف }
او ..
{ بعيداً عن دجى وطني.. أنا والشمس نرتجف
فهل موتي: أودسيوس .. وإيثاكا :هي النجف }
والتناص في شعر ( الحطّاب ) مع شعر ( الجواهري ) واضح ، إذ أنه يساير نفس النفس ، ولكن بروح رافضة على مضض من الألم ما بين ما حصل للشعراء وما يحصل الآن ، سواء في استذكار من دفنوا في مقبرة الغرباء أو سواهم ممن يعيشون داخل الوطن ويكابدون الغربة:
{ أبعيدا ً عن (دجلة الخير) تنمو
بأصابعك ال لا سلاميات لها
عواسج الكلمات ، أيضاً ؟!}
{ اعتقدنا ، في البدء
أنك قد وضعت حياتك فوق الرفّ ، بقارورة
وصرفت النظر عن الموت تماماً
لكنك …
مثل قاتل يحوم حول مسرح الجريمة
لم تفتأ تتحرش بالقارورة ، حتى سقطت
واندلق منها : 36500يوم ، في لحظة }
هذا الرثاء المحفوف بالنقد والكشف ، استطاع الشاعر أن يطرح حكاية يوسف بما يتناسب ومكانة الجواهري ، تحت غطاء ما أشار إليه في مقدمة القسم الاول من الديوان . فإذا رثا المتنبي ، فأنه يرثي الجواهري ، ويرثي الشعراء ، وبالتالي يرثي نفسه وهو الماثل بين فكيّ الموت :
{ : أنت
: والبيّاتي
: ومصطفى جمال الدين
: وحيدر بن سعدي يوسف
: وسعدي يوسف ، يوماً }
وأمام كل هذه الرؤية لما وقع وما سوف يقع يقول مواسيا ً نفسه بما يشبه الرثاء أيضاً :
{ إذن ، دعنا
نركن ( عمود ) الشعر
بدائرة ( الآثار )
لعلك ترتاح ، ولو ، لموت واحد ! }
وينحو بالرثاء إلى رثاء صوفي خالص ، وهو يتفحص فعل نزول جسد الشهيدة ( أطوار بهجت ) إلى القبر :
{ كيان أبيض يتدحرج من حافة الروح إلى … القبر
.. أعدت إلى الموت قيمته الحقيقية بعد أن أبتذل من كثرة
الاستعمال ! }
فالكيان هنا دال على الهيبة الصوفية ، ولعل التدحرج فيه شيء من ولع الدعابة الذي يفضي ويشير إلى غير القبر .أما البيت الثاني المؤشر إلى أن استشهادها أعاد للموت هيبته ، هو إشارة إلى شيوع الموت القسري الذي نشهده يوميا ً كما لو أننا قرابين تُقدم كأضحيات لإرضاء الرب او الشيطان ، فقد نصبت المحارق في كل مكان ، بعد أن كانت تُنصّب في العلّيات ، وغدا الشواء في الشوارع ، بما يُشير إلى منطق العصر المخادع بالحرية . ومن هذا يواصل الشاعر مرثيته هذه مؤكداً على النظرة الصوفية ذاتها :
{ وما ذا في رحيلك يا قدّيسة
: عينان خضراوان
وأحتاجهما الله
لإضاءة ليل الجنّة }
وفي سياق القصيدة المرثية ، لا يبتعد الشاعر عن موضوعيته ، التي تضع الواقع نصب العين ، حيث يسوق صورة التاريخ ليمنحنا دلالة جديدة :
{ يا يوسف
ألف ذئب من ذئاب أخوتك
ولا غراب واحد من غربان ( ساء من رأى ) }
والإشارة واضحة هنا ، لكنه يردفها بذات المكشوفية الناقدة ، ليحول الواقعي إلى تاريخي في نظر المستقبل . وأرى أن هذه الصورة هي السجّل الأمين لما يتوجب تسجيله كوظيفة شعرية وإعلامية وثقافية ، في أن نُعزز صورتنا في مدونة المستقبل ، كما فعل الشاعر ( جواد الحطّاب ) في مدونته ـ الديوان ـ هذه :
{ خذ لي ( أخي القاتل )
صورة أخيرة
كتذكار لأولادي القادمين
… أريدهم أن يروني فيها
مبتسماً
وبكامل أناقتي…
لكنّ ( أخي القاتل )
يُعصّب عينيّ
ويحفر نفقاً ـ بالأدريل ـ في صدغي
وعارياً
يرميني بمياه الصرف الصحي }
ولعل ما يميّز شعر ( الحطّاب ) هو الومضة التي يقفل بها مقاطع القصيدة ، أو ما نسميها بالضربة ، واسميها هنا بمجموعة البؤر الموزعة في جسد القصيدة ، التي هي بمثابة محركات تُحدد موقفاً حادّا ً وكاشفا وهي أقرب من تكثيف الصورة في بؤرة مجمعة ، كما تفعل الكاميرا ذات الإحساس العالي بالأشياء والمؤثرات التي ترافق التصوير . فنقل الصورة لغة تطلب الحبكة والانتباه إلى ما هو حيوي ، تماما ً كالكاميرا التي تحاول تعشيق عناصرها من أجل بلورة المعنى المراد عكسه من خلال هذه الإضاءة أو تلك .
ففي قصيدة (ماذا…؟) نلاحظه يعمد إلى التكثيف والاختصار ليؤشر المعنى بأقل المفردات :
{ جئنا …
نغسل أنفسنا
بالنسيان
فأصيب النسيان …
: بداء الذكرى }
ويكون المحور الذي تدور عليه مثل هذه النماذج من الشعر ، هو النقد والمواجهة من خلال الكشف . وهو دال على الموقف المبدئي في الشعر كوظيفة إنسانية . ولنورد أمثلة على ذلك في باب الحصار :
{ مختنق …
مختنق …
مختنق …
عشر رئات لا تكفيني }
وفي أخرى يُدين الحرب :
{ منذ انقطعت سيّارات الأرزاق
قصعات العسكر
حولناها …
لـ: مباول مرضى السكّر }
أو أنه يوجه ما يًدين العصر :
{ يفحص الصرّافون
قطع النقود بمطارق صغيرة
فبماذا ،
ستفحص ، يا صرّاف الوقتَ
أيامنا المزيّفة }
إن الرحلة القصيرة هذه مع قصائد ديوان الشاعر ( جواد الحطّاب ) أدخلتنا في فضاءات نحسّها ، لكننا نحجم القول فيها . ولعل ما يُحيي الموقف أن تترك مدونتك تنساب بوضع عقلي ومعرفي ، كما فعل بعض المبدعين شعرا ً وسردية ، وبما يتوافق مع طبيعة الرسالة المنوطة بالمثقف وهو يواجه غزواً واحتلالاً شرسا ً كهذا . حيث امتازت قصائد الديوان ـ كما ذكرنا ـ بالحساسية المباشرة ، والتعبير المباشر الذي لم ينتظر التزويق اللفظي ، بل أطلق صرخة الاحتجاج ، تاركا ً الزمن من يُكمل إعادة بناء القصيدة ، ولكن لابد أن نذكر ، ليس التعبير المرتقب هو خارج دائرة الوجع الكبير والدائم الذي واجهه الإنسان .
______________________________________
الهوامش/
* ـ جواد الحطاب / إكليل موسيقى على جثة بيانو / دار الساقي 2008
1 ـ ف. أ / ماتيس / ت. س اليوت الشاعر والناقد / ت ـ د. إحسان عباس
المكتبة العصرية ـ صيدا ـبيروت 1965 ص99
2 نفس المصدر ص104
3 ـ د. محمد عبد المطلب / تحولات اللغة الشعرية /من بحوث الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي الثاني عشر 2005 الكويت / مرفق مجلة عالم المعرفة سبتمبر 2009 ص93
4 ـ نفس المصدر ألسابق ص155
5 ـ ناظم عودة / نقص الصورة / تأويل بلاغة الرمز ج1/ المؤسسة العربية للنشر ـ عمّان 2993















