مذهبية الصراع القائم – مقالات – علي البيدر

مذهبية الصراع القائم – مقالات – علي البيدر

 على مر العصور والأزمنة شهد العراق صراعات بين طوائفه المتعددة ساهمت في إلحاق الأذى بابناء البلد الواحد. ان تلك الصراعات كانت وما تزال تثيرها جهات خارجية أو داخلية تنتفع بصورة مباشرة او غير مباشرة من نتائجها. فيما تختلف درجة سخونتها حسب حجم الفائدة التي تؤول للجهة التي نجحت في إشعال فتيل الأزمة بين المتناحرين. ان اختيار الجهات لأطراف الصراع لم يكن بشكل اعتباطي. فلكل فئة معينة وسيلة خاصة بها يتم استخدامه في إدارة الصراعات المفتعلة بطرق أكثر حرفية. فأحيانا كثيرا يتم استخدام وتر القومية مثلما فعلها حزب البعث على مدى أكثر من ثلاثة عقود. حيث جعل من الكرد مواطنين من الدرجة الثانية. بل ذهب أبعد من ذلك حيث قام بإبادة اعداد كبيرة منهم مستخدما طرقا وحشية في ذلك. هذا الأمر لم يتوقف مع القومية الكردية بل امتد إلى قوميات أخرى تعيش تحت خيمة الوطن.

لم تكن تلك الصراعات وليدة الصدفة بل كانت تهدف إلى إقصاء وتهميش الاخر وبطرق تعسفية. جعلت البلد يسير نحو منزلق خطير. كل هذا ساهم في خلق جو عام يساهم في احداث صراعات جديدة بين مختلف الطوائف العراقية بالرغم من ان ابناء الوطن ليس لديهم ضغائن فيما بينهم بل على العكس تماما. فجميعهم متحابون متصاهرون فيما بينهم. لكن أحداً ما لا يريد لهذه الطوائف خيرا. حيث عمل منذ 2003 العام الفارق في مستقبل العراق وحاضره. على إشعال فتيل الصراع الذي لا يمكن ان يخمد قريبا كما يرى مراقبون، ولأسباب عديدة أهمها قوة الأيادي التي تعمل على تغذية المتصارعين اضافة الى ان الصراع ايدلوجي بحت قائم على عقيدة وفكر. كل تلك المقدمات تجعل منه صراعاً بين أقطاب رئيسية تمتلك من الموارد البشرية والعقول غير الواعية ما يكفي لجعل مدة الصراع تفوق حروب (داحس والغبراء) زمنيا.

ان الصراع المذهبي (العربي) اليوم في العراق بين الشيعة والسنة كون بقية القوميات ترجح كفة القومية على المذهب يسير وفق ما مخطط له. فمنذ اليوم الأول لتشكيل البيت السياسي العراقي بعد رحيل نظام أقل ما يوصف بأنه قومي شمولي. تقاسم المجتمعون الكعكة بطريقة تدعو للقلق والريبة. فلم يكن يعلم الكثير من أبناء الوطن من هو السني او الشيعي قبل تأسس ذلك البيت الخرب. وخير دليل على ذلك. في ثمانينات القرن المنصرم. سأل مواطن عراقي السؤال الغريب والاصعب حينها. هل انت شيعي ام سني؟ يقول ذلك المواطن، لم أكن اعرف جوابا لذلك السؤال لكنني كنت اعتقد ان مفردة (شيعي) قريبة من (الشيوعية) فبادرت السائل بالقول انا سني بكل تأكيد. تهربا من جرم (الشيوعية) حينها. لكن ساسة اليوم لم تعجبهم اجابة ذلك المواطن على ما يبدو.

فهم يفكرون بطريقة مختلفة تماما عما نفكر به نحن. ولاسيما ان استمرار ذلك الصراع سيجعل منهم (نمورا كارتونية) امام الرأي الإقليمي والدولي. بحسب اعترافات احدهم حيث قال اننا لا نمتلك قواعد جماهيرية لذلك اعتكزنا على مذاهبنا لتكوين تلك القواعد. كما أنهم يجافون الحقيقة ويبحثون عن أنصاف الحلول او الترقيعية منها. كيف لا وهم لم يسموا الأسماء بمسمياتها الحقيقية حتى هذه اللحظة، بل باتوا ينعتونها بمسميات أخرى علها تساهم في إضفاء صبغة حضارية على ما يجري. الأمر الذي سيزيد المسألة تعقيدا. فلم يظهر سياسي حقيقي حتى الان يتعامل مع ما يجري بطريقة أكثر براغماتية من اجل إيجاد الحل المناسب للخروج من ازمة المذهبية الحالية .

فالصراع المذهبي منذ يومه الأول وهو سائر في تمزيق وحدة الوطن وتفتيت هيبة الدولة. دون ان يتم تحديد أدوات خاصة لإيقاف ذلك التمدد من قبل الأطراف المتصارعة على إثبات أنها القطب الأوحد في المعادلة السياسية أولا نزولا إلى المعادلة الاجتماعية. ربما يعترض احدهم على كل ما ذكرت ويقف قائلا: ما يجري في العراق ليس صراعا مذهبيا بل هو مجرد نزاعات فردية وشخصية بين السياسين.

 فما سبب قدوم المقاتلون السنة من مختلف أصقاع المعمورة صوب العراق للمشاركة في المعارك الجارية هناك؟ هل من اجل إكمال دراستهم العليا مثلا؟ او ربما للسياحة والاصطياف في مدينة الموصل وجنوبها؟ بكل تاكيد لا بل من اجل قتال المقابل ولأسباب مذهبية بحتة. كل ما يجري على الارض ولم نشاهد أحدهم ينطق بحرف واحد من اجل تشخيص الداء بغية إيجاد الدواء المناسب له. فلم تعد تلك المصطلحات العصرية تجدي نفعا للحديث عن ما يجري.

ان الأمر يتطلب اكثر جدية وصرامة من قبل القائمين على الامر بعيدا عن وصف ما يجري (بالطائفية ) المصطلح الاكثر تداولا لدى ساسة البلد و وسائل الاعلام بمختلف توجهاتها و الذي لايشخص طبيعة الصراع بل يتحدث بشكل عام دون الإشارة الحقيقية لما يجري. ومن ثم الإبحارصوب حل الصراع المذهبي عبر قطع جذوره الخارجية ومن ثم إجراء مصالحة وطنية حقيقية بين الفرقاء والاتكاء على المشتركات فيما بين تلك المذاهب ورفع راية الوطن فوق جميع الرايات المذهبية كي تنجلي سحابة الدم التي جعلتنا نفقد شعورنا  بالوطنية والمسؤولية معا….