مذكرات كرة قدم – حيدر الحيدر

475

قصتان قصيرتان

مذكرات كرة قدم – حيدر الحيدر

كنت في عنفوان شبابي وجمالي وزينة الواني المرقطة ، ساعة اخرجوني من رحم مصنع لصناعة الكرات ، ثم انتقلوا بي لأضخم معارض بيع الكرات ،

حينها ادركت بانني عبد يباع ويشترى منذ ان لامست جلدي ،

أرضية ملاعب عشاق الكرة .اولئك العشاق الذين لم يشعروا يوماً بعذاباتي ،

مسكينة أنا تلك الكرة المعشوقة،

حين يركلني (22) لاعباً على مدى شوطين او اكثر ،

وأنا أئن وأشكو الماً ، وان احداً منهم لم يرحمني ، ولم يتركني لأتنفس لحظة من الوقت ، بل يرفسونني بكل قوة من واحد لآخر ،ومن وقت لآخر أثناء المباراة ،وكم اني ضحكت منهم في معظم الاحيان ،بغير مسمع منهم .

كنت مصرة حينها على عدم معانقة الشباك بعناد طفولي وأبتعد عن الخشبة متعمدة بدلال وغنج واضحين حين ارتفع عالياً في سماء الملعب ،

وأجعل ممن ركلني في خاصرتي يعض على كفية عضة نادمٍ ،

يا للاقدار التي تحكم بين الكرة واللاعب …

في كل مرة أحاول فيها ان أهرب بجلدي من تلك الرفسات الموجعة المصوبة الى خاصرتي ، ولكن هيهات ان أفلت منها …

ويتملكني الذعر في احايين اخرى من الضربات الركنية والحرة المباشرة ، او ضربات الجزاء او ركلات الترجيح عند التعادل، لكن خيوط الشباك الناعم احياناً ، أو كفوف حماة الهدف تدركني ، فأطمئن في احضانهم وبين دقات قلوبهم بأمان ، اما في ضربات المرمى فان الاقدام الرعناء تعبر بي الى ما وراء خط الوسط ودائرة الوسط المشؤومة ، بيد انني أرتاح قليلاً عند رميات التماس الجانبية فتراني أتراقص بفرحٍ في كفي لاعب يجيد تلك الرميات الجانبية الطويلة بين الرؤوس ،

حيث تتلاقفني الأقدام من جديد فترفسني ،على حين غفلة منّي …

آه لكم المتني رعونة أحد حراس المرمى حين ركلني بعيداً ،

وكاد واحد من المهاجمين ان يسجل بي هدفاً ،

لو لا وقوعه في مصيدة التسلل….

البارحة كنت أتدحرج بين اقدام فريقين متنافسين قيل عنها ودية بالنسبة لهم ،

ولكن اي وداد بالنسبة لرأسي المتورم ، حينها وقعت بين الأقدام ورفساتها ،

دون رحمة ، حيث انستني اسمي وعنواني واسم الملعب الذي انا فيهّ…

يا حكم يا حكم ، قل لهم ان يرأفوا بحالي قليلاً .

يا ويلتي الحكم أصم لا يسمعني ، والجمهور من فوق المدرجات يطلب من اللاعبين ان يركلوني دون شفقة …..

ويوم ان هرمت وما عادت الملاعب تستقبلني ، وأمست تشمئز من وجودي، أبعدوني خارجها مطرودا ذليلة بلا مأوى ولا نصير في ليل غائم حالك الظلام ،

يومها أمطرت السماء ، وقد أصبحت لعبة بين اقدام بعض الصبية الصغار، يتلاعبون بي عند منعطف الطريق، صوب رصيف أسن مزمن بالعفن ،

حتى تهرأت تماماً وصرت احك جلدي الذي اوشك ان يتيبس ،

وأرفع بصري الى السماء بحزن ٍ فتتـــــــــناثر الدموع من عيني بأسى ،

كانت اضلعي مخدشة من كل جانب ، من جراء احذيتهم المتشققة البالية .

وحدث ان دفعت بي اقدام الصبية صوب عجلة مسرعة ،

بم م م …انفجرت تحت دوامة اطاراتها الحالكة السواد ،

وانشطرت الى اخماس واسداس متناثرة على قارعة طرقات المدينة ،

وتناوبتني العجلات والمركبات والحافلات على التوالي

صحتُ في الم : آهٍ من هذا المصير المزري ، وتلك النهاية المحزنة

وتلاشيت… تلاشيت بالتدريج من الوجود ،

ولم يبق مني سوى صدى صوتي الذي احدثكم به

وذاك الصدى ،بدأ يتلاشى هو الآخر….

ايها السادة الكرام …

رفقاً بحال الكرة التي عشقتموها ذات يوم !

مشاركة