
نواف شاذل طاقة
يقدم السياسي العراقي الراحل عبد العزيز القصاب في مذكراته الصادرة تحت عنوان “مذكرات عبد العزيز القصاب”، التي حققها واعدها نجله الدكتور خالد عبد العزيز القصاب، شهادة بالغة الأهمية عن الأحداث التي مهدت للثورة العراقية الكبرى ضد الاحتلال البريطاني للعراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى.
كان عبد العزيز القصاب (1882-1965) قد شغل مواقع مهمة خلال العهد العثماني، قبل احتلال بريطانيا للعراق عام 1914، وبعد ذلك خلال العهد الملكي، من بينها منصب وزير الداخلية ورئيس مجلس النواب في العهد الملكي، لحين اعتزاله العمل السياسي عام 1950.

عن بداياته، يروي القصاب أنه كان قد شغل منصب قائم مقام قضاء سامراء في العهد العثماني، وأنه تلقى أمراً من بغداد في العام 1909 للانتقال إلى السماوة لشغل منصب قائم مقام القضاء. وفي طريقه لتسلم منصبه الجديد في السماوة، يقول القصاب، إنه فوجئ من زملائه في بغداد وهم يعبرون له عن أسفهم لنقله إلى السماوة، التي كانت قد شهدت تعيين 33 قائم مقام خلال سنة واحدة، استقال بعضهم قبل أن يلتحق بعمله بسبب ما سمعوه عن مشاكل القضاء، فيما لم يتمكن الآخرون من البقاء في السماوة نظرا لغياب الأمن والعداء المستحكم بين عشائر القضاء.
ينتقل الكاتب في الفصل الثامن من مذكراته إلى مرحلة هجوم القوات البريطانية على (الفاو) بتاريخ 16 تشرين الثاني 1914، لافتاً إلى أن المنطقة لم يكن فيها ما يكفي من القوات للدفاع عنها بعد سحب العديد من القوات العثمانية بسبب ظروف الحرب، الأمر الذي سهل تغلغل القوات البريطانية في شط العرب وسط معارك عنيفة مع القوات العثمانية اضطرتهم إلى الانسحاب. يضيف الكاتب، أن جاويد باشا، الوالي والقائد العام للقوات العثمانية، راح بعد انسحاب الجيش، يستنجد بالعشائر للتطوع والقتال، حيث أصدر المجتهدون الشيعة وعلماء السنة والمجاهدون الأكراد فتوى الجهاد، فتوافدت فصائل المجاهدين إلى السماوة بالسفن النهرية قادمين من المسيب والهندية وكربلاء والديوانية، ومن بين أول من وصل من هؤلاء كان المجتهد السيد عبد الرزاق الحلو قادما من كربلاء مع تسعة من مرافقيه.
قرر القصاب حينها زيارة السيد عبد الرزاق الحلو واصفا السيد الحلو بقوله: “فوجدته شخصية محترمة كلها غيرة وحماسة”، وأخبره أنه “ينتظر وصول أعداد كبيرة من المتطوعين من النجف، وسيلتحق حال وصولهم بقوات جاويد باشا في البصرة”. بعد وصول السيد الحلو بيومين، يستذكر القصاب أنه تلقى برقية من جاويد باشا يطلب منه إبلاغ الحلو بضرورة التحاقه بقواته المقاتلة، وجاء في ملخص البرقية: “اتوسل برسول الله وآل البيت وفاطمة الزهراء أن تسرعوا في المجيء، حيث أن البصرة مهددة ونحن في ضيق شديد”. قرأ السيد الحلو البرقية وقال: “الله أكبر.. الله أكبر.. سمعنا وأطعنا”، وراح يستعد للسفر.
وتحت عنوان (خاتمة المجاهد الشيخ عبد الرزاق الحلو)، وعلى الرغم من شجاعة وتفاني السيد عبد الرزاق الحلو، كتب عبد العزيز القصاب في الصفحة 107 من مذكراته ما يأتي: “أخذ الشيخ عبد الرزاق الحلو، بعد سقوط القرنة، يتنقل من موقع إلى آخر مع أربعة هم كل ما تبقى من أعوانه، وعند وصوله إحدى القرى، طلب منه بعض سكان الچبايش المقلدين له أن ينزل عن بغلته، ويعطيها لهم مع حاجياته الأخرى قائلين: إننا يا شيخ نريد أخذ بغلتك وحاجياتك فنحن من اتباعك وأحق بها من أهل القرى التالية، وهم من أعدائنا”. توسل إليهم الشيخ، وقال: إنه رجل كبير السن ومريض، أنهكه التعب، وطلب منهم أن يساعدوه للوصول إلى القرية التالية قبل أن يسلبوه، لكنهم لم يستجيبوا له وأخذوا كل ما لديه وما لدى رفاقه، وتركوه يمشي إلى القرية التالية حتى أنهكه التعب وأدركه المرض ومات. رحمة الله عليه”.
بقي أن أقول إن الراحل عبد العزيز القصاب عُرف عنه كما يقول نجله الدكتور خالد عبد العزيز القصاب في مقدمة الكتاب إنه “كان في مسيرته عموماً يرفض أساليب العنف ويعارض تدخل الجيش في السياسة”. إلى ذلك، يروي الكاتب كيف اختار والده اعتزال العمل السياسي أثناء العهد الملكي بقوله: “وفي يوم حزين اغرورقت عيناه بالدموع عندما شاهد، وهو في شرفة مجلس النواب، جموع الشباب تتساقط من الجسر تحت وابل رصاص الشرطة من المآذن على الصوبين، فاستقال من رئاسة مجلس النواب مع النواب المعارضين لمعاهدة (بورتسموث)”.
إن من يقرأ مذكرات السياسي العراقي الراحل عبد العزيز القصاب الذي توفي ببغداد بتاريخ 12 حزيران 1965 لا بد أن يشعر بالحزن والغضب معاً بسبب الظلم الجاثم على صدور العراقيين منذ تأسيس دولتهم الحديثة عام 1914 على يد قوات أجنبية محتلة، مرورا بالدماء التي سالت في محطات متعددة من تاريخهم يرويها الكاتب بكل حيادية وموضوعية، لغاية اعتزاله العمل السياسي عام 1950. ولعل الكاتب لم يدر في خلده مطلقاً أن مذكراته ستُقرأ في حقبة احتلال ثانية وقعت فيها بلاده عام 2003، حيث لن تفوت القارئ الفطن فرصة المقارنة بين حقبتي احتلال اجنبيين، وقعت الأولى على يد قوات بريطانيا العظمى عام 1914، والثانية على يد قوات التحالف الدولي عام 2003، وسيتضح له أن المجتمع العراقي بدا أكثر تماسكاً عام 1914 على الرغم من الاحتلال الأجنبي والفوضى والجهل، مقابل تمزق طائفي وعرقي مقيت يعيشه المجتمع اليوم في ظل تجربة احتلاله الثانية.



















