مذكرات الساعدي – جليل وادي

jalil wadi

كلام أبيض

مذكرات الساعدي – جليل وادي

بشغف أقرأ بين الحين والآخر ما ينشــــــره أحد الأصدقاء على الفيس بوك ،

وهي مذكرات كتبها زملاؤه من الطلبة الجامعيين في دفتر صـــغير يعود تاريخه الى ثلاثين عاما خلت، ما

لفتني في مذكرات الساعدي خط الطلبة الجميل وأســـــاليبهم التعبيرية الـــــراقية .

 واذا كان الاسلوب

والخط هو الشخص كما يقول المختصون في الأدب وعلم النفس ، فقد كشفت المذكرات عن ثقافة رصينة قياسا

بطلبة اليوم ، ولغة أنيقة فيها من البلاغة الشيء الكثير ، ومضمون يعبر عن تصالح مع الذات والآخرين ، ما

يدل على توازن شخصياتهم واستقرارها  ، لكن الحياة لم تكن مستقرة آنذاك ، بل كانت الحرب العراقية

الايرانية في أوجها ، وقلق يملأ النفوس على مستقبل يراوح بين الحب والحرب والعلم  ، فالذي يغادر مقاعد

الدراسة من الذكور تطل عليه الحرب بوجهها البشع ، ومن أبشعها يوم الالتحاق ، لا يعرف جيلنا الجديد

فضاعة هذا اليوم ، وآسف لكبار السن تذكيرهم بمثل هذه الايام ،  وما هي الا أشهر حتى تأتيك الأنباء بأنه

في نهر جاسم او الكارون وغيرها من الأنهر التي أخذت من شباب البلدين ما يتعذر احصاؤه ، وفي النهاية

وجدنا ان ثمار الحرب وضعت في سلال أعداء الامة الذين لا يريد الكثير من ساستنا تسميتهم بأسمائهم

الحقيقية خوفا او مجاملة او ركوبا للموجة ، مع ان الله تعالى علم آدم الأسماء كلها ،  وصار يصح على

البعض حكاية (كلب جمالة ) أجلكم الله ، عندما تصرعه كلاب القرية يعود مسرعا لبيت أهله يعض حبال

الخيمة حتى يسقطها ، فبدل ان نشد الأحزمة بمواجهة من يريد بنا خرابا صار البعض يقتل الأخوان ويملأ

البوادي بهم ،  من دون ان تلوح في الأذهان الى اي منقلب ســيتدحرج الظالمون .

أرجو ألا أكون

كالكــــــاتبة الانكليزية فيرجينيا وولف صاحبة اســـــلوب التداعي الحر في كتابة رواياتها فتبدأ بشيء وتنتهي

الى أخر ، لكن عذري ان لعنة السياسة ترافقنا في الحل والتــــــــرحال ،وفي الصحو والاحلام ، مجرد ان

تفتح عينيك حتى يطل عليك أحد الذين حوّلــــوا الحياة الى جحيم . دعوني اوقــــف تداعياتي وأعود الى

مــــذكرات الساعدي التي لا يمكن مقارنتها حتى مع بعـــــــــــض من ســـــــــموا أنفسهم بالأساتذة الذين لا

يجيدون كتابة (عــــــــــريضة ) من تلك التي يكتبها (عارضو الحال ) عند أبواب دوائرنا .

هل كان النظام

التعليمي في ذلك الوقت محكما ؟ ام اعتاش على اسس متينة أرسى دعائمها أساتذة أفذاذ اتسموا بروحهم

الوطنية العالية قبل روحهم العلمية ؟ فالتعليم يا أيها الاخوان رسالة ووطن ، وليس شهادة توصلنا لرأس

الشهر .

 قبل نحو عقد ونصف من السنوات كتبت مقالا وجهته الى مديرية تربية محافظة ديالى التي كنت

على دراية وافية بالعملية التعليمية فيها ، قلت فيه : ان من أشد المفارقات ان تكون نسبة النجاح عالية

والمستوى العلمي هابطا ، واذا بنا بعد حين من الدهر وكما ترون بمواجهة التطرف والعدوان بدءا من البنادق

الى العدوان بالألفاظ والأنظار .

والحال ذاته متواصل من دون تغيير،  الجميع يدرك ذلك ولا يحرك ساكنا ،

فأهل التربية والتعليم يتذرعون بأن ايحاءات السياسة هي نجاح الجميع ، ألا ترى يا أخي الأدوار الاولى

والثانية والثالثة ، وثمة حكايات أغرب من الخيال، مطالبون بنسبة نجاح ، ما يقوله أهل التربية صحيحا ،

والعارفون من بينهم يصرخون بأن أقسى الأوجاع تلك التي تجعلك بمصاف مَنْ لا يميز بين الفاعل والمفعول

، كلهم يعرفون تماما ان مفتاح باب المستقبل يكمن في المدرسة وليس في أي مكان غيرها ، لكن اللامبالاة

والبحث عن الثمار العاجلة واهمال المكاسب الآجلة ، هي التي هيمنت على عقلية كل من قدر له ان يمسك

بزمام هذا الوطن المنكوب ، لم أجد حلا لهذه ( الوشيعة التي ضاع رأسها ) سوى المطالبة بنسبة رسوب ،

لنجرب ، فخسارة ذلك لن تكون بأكثر مما نحن فيه من خراب.