(مذبحة السنك) في بغداد: قتلى وجرحى وعشرات المخطوفين

678

بغداد‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬كان‭ ‬الظهور‭ ‬الأخير‭ ‬لمصطفى‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬واتساب‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬عند‭ ‬الساعة‭ ‬21‭,‬18،‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬هجوم‭ ‬شنه‭ ‬مسلحون‭ ‬على‭ ‬مرآب‭ ‬في‭ ‬بغداد‭. ‬ومصطفى،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحتل‭ ‬طوابق‭ ‬موقف‭ ‬السيارات‭ ‬ذاك‭ ‬مع‭ ‬متظاهرين‭ ‬آخرين‭ ‬منذ‭ ‬أسابيع،‭ ‬غاب‭ ‬غن‭ ‬السمع‭. ‬ولم‭ ‬يظهر‭ ‬هذا‭ ‬المتظاهر‭ ‬البالغ‭ ‬20‭ ‬عاما‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬ذلك،‭ ‬على‭ ‬موقع‭ “‬واتس‭ ‬أب‭” ‬للتواصل‭ ‬ولا‭ ‬سائر‭ ‬أمور‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬وتعرض‭ ‬مرآب‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬محتجون‭ ‬منذ‭ ‬أسابيع‭ ‬عند‭ ‬جسر‭ ‬السنك‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير،‭ ‬مساء‭ ‬الجمعة‭ ‬إلى‭ ‬هجوم‭ ‬مسلح‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬عشرين‭ ‬متظاهراً‭ ‬على‭ ‬الاقل‭ ‬وأربعة‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الشرطة،‭ ‬وفقاً‭ ‬لمصادر‭ ‬أمنية‭ ‬وطبية‭. ‬كما‭ ‬أدى‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬سخطاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬إلى‭ ‬إصابة‭ ‬نحو‭ ‬مئة‭ ‬شخص‭ ‬بجروح،‭ ‬وفقا‭ ‬للمصادر‭. ‬وقال‭ ‬الناشط‭ ‬يوسف‭ ‬الحربي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتواجد‭ ‬في‭ ‬المبنى‭ ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬الهجوم‭ ‬‭”‬ملأوا‭ ‬حافلتين‭ ‬للركاب،‭ ‬بأشخاص‭ ‬من‭ ‬السنك‭”.‬

بدوره،‭ ‬قال‭ ‬المتظاهر‭ ‬عامر‭ (‬26‭ ‬عاماً‭)‬،‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬عندما‭ ‬بدأ‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬يتكرر‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المبنى،‭ ‬لذلك‭ ‬اتصل‭ ‬بأصدقاء‭ ‬يعرفهم‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬الداخل‭. ‬وتابع‭ ‬أن‭ ‬أحدهم‭ “‬مصطفى‭ ‬رد‭ ‬قائلاً‭ +‬الأمور‭ ‬سيئة‭ ‬جداً،‭ ‬إنهم‭ ‬يطلقون‭ ‬علينا‭ ‬النار‭+‬،‭ ‬ثم‭ ‬أغلق‭ ‬الخط‭. ‬بعدها‭ ‬أقفل‭ ‬هاتفه‭”. ‬وأضاف‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬متحدثاً‭ ‬باسم‭ ‬مستعار‭ ‬لتعرضه‭ ‬لتهديدات،‭ “‬اتصلنا‭ ‬بالجميع،‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬والميليشات‭”‬،‭ ‬لمعرفة‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭. ‬وأعلنت‭ ‬القوات‭ ‬الأمنية‭ ‬حينها‭ ‬عدم‭ ‬اعتقال‭ ‬أي‭ ‬متظاهر،‭ ‬كما‭ ‬أكدت‭ ‬فصائل‭ ‬مسلحة‭ ‬موالية‭ ‬لإيران،‭ ‬يتهمها‭ ‬المتظاهرون‭ ‬بالتورط‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬الجمعة،‭ ‬بأنها‭ ‬لم‭ ‬تلعب‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭. ‬سجاد‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬19‭ ‬عاما،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬المتظاهرين‭ ‬المختطفين‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬إحدى‭ ‬الحافلات‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭. ‬ولم‭ ‬تسمع‭ ‬عائلته‭ ‬أي‭ ‬خبر‭ ‬عنه،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ظهر‭ ‬مجدداً‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬صباح‭ ‬الثلاثاء،‭ ‬بعدما‭ ‬احتجزه‭ ‬رجال‭ ‬ملثمون‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭. ‬وقال‭ ‬رحيم،‭ ‬والد‭ ‬هذا‭ ‬المتظاهر‭ ‬رافضاً‭ ‬كشف‭ ‬اسمه‭ ‬الكامل‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬التعرض‭ ‬للانتقام‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬ساروا‭ ‬به‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬الساعة،‭ ‬ثم‭ ‬سلموه‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬أخرى‭”‬،‭ ‬مضيفاً‭ “‬سألوا‭ ‬عن‭ ‬أسمائهم‭ ‬وأسماء‭ ‬أبائهم‭ ‬وعناوينهم‭”. ‬ويشير‭ ‬وصف‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬احتُجزوا‭ ‬فيه،‭ ‬بأنه‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬روافد‭ ‬نهر‭ ‬دجلة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تقع‭ ‬شمال‭ ‬شرقي‭ ‬بغداد،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يشابه‭ ‬ما‭ ‬تحدث‭ ‬عنه‭ ‬عراقيون‭ ‬آخرون‭ ‬تعرضوا‭ ‬للاختطاف‭. ‬وقال‭ ‬المدون‭ ‬العراقي‭ ‬شجاع‭ ‬الخفاجي،‭ ‬الذي‭ ‬احتجز‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المكان‭ ‬بعد‭ ‬اختطافه‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر،‭ ‬بأنه‭ “‬مكان‭ ‬يطل‭ ‬على‭ ‬ديالى‭”‬،‭ ‬إشارة‭ ‬لاسم‭ ‬رافد‭ ‬يصب‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬دجلة‭.‬

وقام‭ ‬رجال‭ ‬ملثمون‭ ‬يرتدون‭ ‬ملابس‭ ‬سوداء‭ ‬بسحب‭ ‬هواتف‭ ‬الخفاجي‭ ‬النقالة‭ ‬واستجوابه‭ ‬لوقت‭ ‬قصير،‭ ‬وبعد‭ ‬24‭ ‬ساعة‭ ‬ألقوا‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬فقير‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬ومعه‭ ‬20‭ ‬دولاراً‭ ‬أجرة‭ ‬تاكسي‭ ‬ليعود‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬منزله‭.‬

لكن‭ ‬سجاد،‭ ‬أجبر‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬72‭ ‬ساعة‭ ‬حتى‭ ‬أطلق‭ ‬سراحه‭ ‬مع‭ ‬30‭ ‬محتجزاً‭ ‬آخرين‭ ‬عند‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬بأطراف‭ ‬بغداد‭.‬

وذكر‭ ‬والده‭ ‬أن‭ ‬سجاد‭ ‬لم‭ ‬يتعرض‭ ‬للضرب،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬احتجزوا‭ ‬معه‭ ‬كان‭ ‬حظهم‭ ‬أقل‭.‬

وأعلنت‭ ‬مصادر‭ ‬أمنية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬35‭ ‬شاباً‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬أخذوا‭ ‬من‭ ‬السنك،‭ ‬وهم‭ ‬معصوبو‭ ‬الأعين‭ ‬ومقيدو‭ ‬الأيدي‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬نهر‭ ‬دجلة‭.‬

وكشفت‭ ‬مشاهد‭ ‬تناقلتها‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وتم‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬صحتها،‭ ‬عثور‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬على‭ ‬حوالى‭ ‬عشرين‭ ‬شاباً،‭ ‬وضعت‭ ‬ضمادات‭ ‬جروح‭ ‬على‭ ‬كثيرين‭ ‬منهم،‭ ‬محاطين‭ ‬بقوات‭ ‬الأمن،‭ ‬فيما‭ ‬تعالى‭ ‬صياح‭ ‬أحدهم‭ ‬وهو‭ ‬يبكي‭ ‬ويقول‭ “‬ضربونا‭ ‬كثيراً‭”.‬

‭- “‬الكل‭ ‬خائف‭” -‬

تسجل‭ ‬حالات‭ ‬اختفاء‭ ‬شبه‭ ‬يومية،‭ ‬لمتظاهرين‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬ومدن‭ ‬جنوبية،‭ ‬منذ‭ ‬انطلاق‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭.‬

وفي‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬يجري‭ ‬اختطافهم‭ ‬قرب‭ ‬منازلهم‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬عودتهم‭ ‬من‭ ‬ساحات‭ ‬الاحتجاج،‭ ‬لتعيش‭ ‬عائلاتهم‭ ‬بعدها‭ ‬خوفاً‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬أسوأ‭.‬

ففي‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬عثر‭ ‬على‭ ‬متظاهرة‭ ‬شابة‭ ‬يبلغ‭ ‬عمرها‭ ‬19‭ ‬عاماً‭ ‬جثة‭ ‬هامدة‭ ‬قرب‭ ‬منزلها‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬وقتل‭ ‬ناشط‭ ‬مدني‭ ‬بارز‭ ‬بهجوم‭ ‬مسلح‭ ‬مساء‭ ‬الأحد‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ (‬جنوب‭ ‬بغداد‭) ‬على‭ ‬يد‭ ‬مسلح‭ ‬يستقل‭ ‬دراجة‭ ‬نارية‭.‬

كما‭ ‬وقعت‭ ‬حالات‭ ‬اختطاف‭ ‬متكررة،‭ ‬وعثر‭ ‬فجر‭ ‬السبت‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬دجلة‭ ‬بعدما‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬عودتهم‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬إلى‭ ‬منازلهم‭.‬

وتحدث‭ ‬شاهد‭ ‬عيان‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬عن‭ ‬شاحنتي‭ “‬بيك‭ ‬أب‭” ‬كانتا‭ ‬تقلان‭ ‬رجالاً‭ ‬ملثمين‭ ‬يطلقون‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬وتنقلان‭ ‬ستة‭ ‬متظاهرين‭ ‬كانوا‭ ‬يحاولون‭ ‬الهرب،‭ ‬واكتفى‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬الشرطة‭ ‬بالنظر‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭.‬

ويعد‭ ‬الاختطاف‭ ‬بين‭ ‬الحوادث‭ ‬المتكررة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬خلال‭ ‬الأعوام‭ ‬الماضية‭ ‬موجات‭ ‬عنف‭ ‬أدت‭ ‬الى‭ ‬مقتل‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬غالبيتهم‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬حملة‭ ‬التخويف‭ ‬والخطف‭ ‬وقتل‭ ‬المتظاهرين‭ ‬تتصاعد‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬انطلاق‭ ‬موجة‭ ‬احتجاجات‭ ‬لـ‭”‬إسقاط‭ ‬النظام‭” ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬450‭ ‬شخصاً‭ ‬وإصابة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬ألفاً‭ ‬بجروح،‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

يقول‭ ‬حيدر‭ ‬الذي‭ ‬تعرض‭ ‬ابن‭ ‬عمه‭ (‬23‭ ‬عاماً‭) ‬لاختطاف‭ ‬مؤخراً‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬إن‭ ‬الظروف‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬كانت‭ “‬تجعلك‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬من‭ ‬يأخذهم‭”‬،‭ ‬ويطلقون‭ ‬سراحهم‭ ‬مقابل‭ ‬المال‭ ‬كفدية‭.‬

وتابع‭ ‬لكن‭ “‬الآن،‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬الكل‭ ‬خائف‭ ‬جداً‭”.‬

مشاركة