مدينة بغداد الجامعية- مقالات – عمار طاهر
اتاح لي الاعلام زيارة العديد من البلدان العربية والاجنبية، وفي كل مهمة صحفية كنت حريصا على زيارة جامعات تلك الدول، والتجول في اروقتها، والاطلاع على مساقاتها العلمية، وسياقاتها الادارية، مثلما احرص على زيارة متاحفها ومعالمها الاثرية، ربما بدافع المعرفة او بحكم التخصص، ثم اطلق لمخيلتي العنان، واقارن بين هذه الشواهق العلمية وجامعة بغداد.
فالمدن تفتخر بمؤسساتها الاكاديمية، بل ان بعض الجامعات اضحت عنوانا عريضا، ومعلما شهيرا لمدن نائية، او ضواحي منسية هجرها التاريخ، فابقاها العلم على قيد الجغرافية، وجعلها مقصدا للطلبة والباحثين ، يشدون اليها الرحال من كل بقاع العالم، وقد تحولت هذه الجامعات بحد ذاتها الى مدن، وراء اسوارها تجد اي شيء وكل شيء.
وفي حوار صحفي اجريته بوقت سابق مع مدير الشؤون الهندسية، سالته عما يحول دون ان تتحول ام الجامعات العراقية الى مدينة حالها حال جامعات لا تمتلك عمقها الزمني او امتدادها المعرفي، فاجاب ان الارض تابعة لوزارة المالية، والقوانين لا تسمح للتعليم العالي بالبناء على مكان يفتقد سنده القانوني، في مفارقة تشريعية تثير السخرية، وكأن الوزارتين لا تستظل تحت سماء حكومة واحدة ، ووطن واحد.
قد تكون المحاصصة قادت الوزير الحالي حسين الشهرستاني الى المنصب، ولكنها مصادفة سعيدة، كون الرجل مشهودا له بالكفاءة والنزاهة في المواقع التي شغلها سابقا، كما انه عالم في اختصاصه، لذلك نتطلع ان يأخذ على عاتقه مسؤولية تحويل الحلم الى حقيقة، ولاسيما مع توفر كل اسباب النجاح، والمشروع بالنهاية سيدون في تاريخه باحرف من نور كعمل خلاق ومنجز عظيم، فعمر المرء لا يقاس بعدد الايام، بل بما يقدمه من اعمال كانت جديرة باحترام الناس.
ان حماس وحكمة رئيس جامعة بغداد الحالي الدكتور علاء عبد الحسين، وهمة ونشاط المساعد الاداري الدكتور رياض خليل خماس ، قادرة على اختصار الزمن، والقفز بسرعة هائلة على التوقيتات، فرغم محدودية الميزانية، وتوقف الصرف خلال السنة الماضية، نلمس كل يوم تطورا جديدا في الاونة الاخيرة على صعيد التشييد و العمران والبنى التحتية.
المساحات الكبيرة، والفضاءات الواسعة لجامعة بغداد بحاجة الى تصميم مبدع يضفي طابع عاصمة السلام على المكان، للملمة شتات الكليات المتناثرة، وجمع الطلبة في اقسام داخلية لائقة، وتوفير سكن لمعظم الاساتذة ممن قضوا رحيق اعمارهم في خدمة التعليم العالي ، فضلا عن الخدمات الضرورية، وايجاد منافذ للدخول والمغادرة، لا اهدار الساعات من اجل قطع بضع امتار كما يحصل الان.
بغداد لا يمكن ان تغتزلها الميديا بتابوت وخيمة، فهي منارة العلم على مر العصور، وجامعتها العريقة يفترض ان تغدو مدينة جامعية ، والرجال كالارقام تختلف اقدارهم باختلاف مواقعهم، والرهان اليوم على الوزير والرئيس والمساعد الاداري، وبالاخص الاخير، فهو شعلة متقدة، لا يعرف المستحيل، يعتقد ان العمل ابلغ خطاب، فتراه يصل الليل بالنهار، وينام قرير العين، اذ يؤمن الا وسادة انعم من وسادة الضمير.















