مدونات أرملة جندي مجهول – سامر المعاني

234

المجموعة القصصية  لعلي السباعي

مدونات أرملة جندي مجهول – سامر المعاني

بغداد

يحضر التاريخ والجغرافيا والشهيد حين تنزف الاوطان الم الحرب والحصار والفقر وكل الوان واشكال العنف والوجع في شرقنا  الذي اصبح في بيت عزاء مفتوح لا تقفل ابوابه كيف لا ونحن نسرد من  قلب العراق العظيم سيدا من اسياد الضاد ومهد الحضارات وواجهة امة يمتاز بالأنفة والسناء كمهابة  النخل  يعلو شاهدا يتوسط  الارض والسماء . عندما  يعتلي صهوة  الضاد قاص متميز وكاتب مثقف عميق يجمع بين المدارس الادبية  غير متجاهلا تطور اساليب حرفة الكتابة وتطورها  وجمالية الحداثة في الاكتناز اللغوي فانت امام  اديب جامع صاحب رؤى ورسالة  لا ينفصل عن هويته وذاته وبيئته فيرسم لوحته بريشة قصها الجوع من اطراف شجرة تشرب من انفاس الفرات  ويبللها حبرا من خاصرة  نازفة  يرسمها على جدار الحضور انا ابن الرافدين ومع هذا كله فالقاص علي السباعي يسرد قصصه غير منحاز  لسياسة وواجهة بل كان العراق ارضا وانسانا  . لقد امتازت مجموعة مدونات ارملة جندي مجهول بالأسلوب القصصي القصير جدا في استهلالية ونهاية مدهشة مغايرة مباغتة في نص متماسك رشيق يجمع وحدة الفكرة  والموضوع  والاسلوب السردي , امتازت بالواقعية ومن صلب الاحداث الحياتية اليومية بعيدا عن الايحاء والتكلف والحشو غير المبرر  مع المجاز والتشبيه والتمثيل ومحسنات اللغة الذي يضفي جمالا على النص ولا يشتت متذوقها مكتنزا حجم المعاناة والمصاعب والظروف القاسية جدا التي عاشتها  المرأة العراقية ( زوجة وأم وارملة وحبيبة…) كمثال لكل ام عربية عاشت وتعيش هذا المصير والخوف الذي اصاب ربيع العمر بشيخوخة مبكرة وخاصة في العقدين المنصرمين يتناولها القاص بأسلوب  شبه ثابت من حيث حجم القصة حيث وسم كل عنوان في صفحة واحدة مرتكزا على الجملة المؤثرة والمفردة المعبرة والاحساس والعاطفة المنهمرة بالدمع حين تجسد لسان وحال ارملة مبلل رغيف حياتها بالدمع وطعم الرصاص. في مدونات ارملة جندي مجهول ينتقل القاص من الخصوصية للمشهد الواحد الى عموم الحالة بالاقتباس والحالة المشابهة العامة للفرد والمجتمع حين يتساوى الجميع في الوطن بأخذ نصيبه من الحروب والحصار والحزن حيث يمرر شريط  الفقد بين الغرابة والمألوف وغير المألوف وبين الرحيل المؤقت والرحيل الابدي فيظهر حالات في المجتمع تصبح الحالة فيه ظاهرة منتشرة ومتفشية فما اكثر  من تشابهوا  في الموت وما اجحد الايام حين يغيب الجندي العربي فيصبح مجهولا  في ارض قدم لها  نفسه ولم تقدم له حتى عزاء يليق . احترف القاص السباعي بدعة الاقتناص في المشاهد والصور الفنية لمجموعته وهو يغربل المجتمع في افراحه واتراحه مبينا مزاياه في جوانب معينة وعيوبه في جوانب اخرى وكيف تتغير الاحوال وتصبح صورة عامة  حيث تتغير الارض  والانسان في زمن الضياع مؤرخا لحقبة زمنية ومكانية  وناقلا وناقدا في لسانه تارة وفي لسان شخصياته ولهجتهم كثيرا من الاحيان مفصلا الاحداث البارزة في الواقع العراقي منذ حربه ضد ايران حتى عام 2014  فتجسد صورة الجندي ضابطا ومقاتلا وقناصا وانسانا  كما نبش في ذاته كاشفا غطاء الصمت عنه ، فيستهل قصة انسان ( كنت انظر الى الحمار … واحسده ) فكتب القهر والجوع والظلم والعتمة والاستجداء تغفو على انين الوجع والقهر وسائد ذابلة من راس فتك بأحلامها ازيز الرصاص ودوي الانفجارات .

صورة فنية

إن في الاستفهام والاستنكار والنهي والنفي والتعجب يرسم السباعي صوره الفنية وجمالية طرحه وولوجه بالنص من خلال الاستهلالية المتنوعة والحاملة للحدث كما في قصة ارملة ( في زمن الحرب …)  وقصة زائر ( في حرب الخليج الثانية …) وقصة معركة ( كنت جنديا …)  وفي الاسلوب الحداثي للقصص القصيرة جدا ميزة خاصة وهي المفارقة والمقارنة  واظهار النقيض من خلال النهاية المباغتة او العنوان فابدع السباعي بها حيث رسم الشهيد ينطق ما زلت حيا وغيرها من الصور والجمل التي احاطها ببلاغة رصينة كما لو كانت ومضة او شذرة . هذا وفد جسد السباعي المكان العراقي كلوحة شائكة خاطبها وحاور اطلالها وبكاها  متمنيا الغناء والتحليق في فضاء امن يخلو من كل هذا الغبار والضباب فصيحا احيانا وبلهجتها العراقية المحلية احيانا اخرى كما في قصة عزلة يبحث في الخلاء عن مأوى يلملمه من شتاته واهاته الجاثمة في صدره . بين السباعي في سرد قصصه ايضا الجانب الاجتماعي الرجعي التي تعيشه المجتمعات الشرقية المقهورة التي سكنها الجهل والتخلف وكثيرا من العفن والمعتقدات السقيمة البائسة  كما في قصة طب جدتي ومضيف الذئاب وغيرها  التي اشار فيها الى الكبت والخوف من كل شيء حتى الكلام والتعبير . في هذه المجموعة القصصية والتي اخترتها من بين اعمال السباعي  وجدت اننا امام مبدع عربي وقاص جميل وقدير يرسم لوحاته  بجدارة وعمق له ما يميزه وله ما يجعل اسلوبه وسرده القصصي شيقا وماتعا يحملك لتنهل منه دون ان تتوقف او ان تشعر بالتكرار والتشابه الممل  ففي انتقاله بالأحداث وتنوعه بالصور والاساليب السردية كالحوار بأنواعه وتوظيف المفردة بدقة عالية وجرأة في الطرح  وثراء  المادة القصصية مع  قصرها من حيث الحجم وقوتها ورصانتها وعمق مدلولاتها واشاراتها في مضمونها  حاملا هوية كاتب انسان وليس سياسيا .

مشاركة