مدرسة بذاتها تشع على الشعر – نجم الجابري

هل كان المعري ناقدا ؟

مدرسة بذاتها تشع على الشعر – نجم الجابري

ابو العلاء المعري قامه أدبية كبرى في المشهد الثقافي العربي والعالمي مؤلفاته واسلوب حياته المميز جعله يقف في مقدمة صانعي المجد العربي وكان ظاهرة بقي تاثيرها حتى الان على جميع الاجيال والاوساط الثقافيه فقد كان شاملا في كل الاغراض شاعرا وناثرا وفيلسوفا اضافه لكونه زاهدا وناقدا

هذا ما نحاول الوصول اليه في مقاربتنا هذه

لو استطعنا ان نجمع اراء المعري المتناثرة في شعراء عصره والقضايا والاتجاهات النقديه في مؤلفاته المختلفة فقد ثبت ان المعري شارك فعلا في ميدان النقد الادبي في زمانه وقدم معالجات كثيرة للقضايا التي كانت محل اهتمام الناقد العربي على مدى طويل

ان حقيقة ان يكون المعري ناقدا تؤكد حقيقية ان النقد العربي مدرسة بذاتها وان كانت تخص الشعر في العصور التي سبقت وبعد الاسلام واذا اعتبرنا المقارنة بين شاعرين او النحل او السرقة نقدا فان النقد الحقيقي ظهر في القرن الرابع الهجري الذي تحدث عنه اعجاز القران ومسائل متعلقة بالنقد واستفادت هذا الموروث النقدي ومن خلال من تتلمذ على ايديهم سواء في بغداد او في الشام وانتشار الشعر واستخدامه في الصراع السياسي والطبقي اعطى للمتلقي فسحة كبيرة ومتسعا لمقاربة نشاطات واشتغالات الشعراء ولعل ظهور الكتاب واعتباره مرجعية للثقافة ساعد المعري وغيره على التعامل مع اشتغالات الادباء من خلال هذا الانجاز (الكتاب) لقد كان الشعر هو مادة الناقد العربي

فالقصيده هي الوسيلة التي يراد من خلالها ايصال فكرة للاخر ولعل المعري استطاع يحكم موهبته في الحفظ ان يناقش الشعراء في قصائدهم ويعطي رايا نقديا علميا ناضجا وقد اثرت فلسفة المعري على رؤيته ومقارباته للشعر اجمالا وقد ساير المعري كل التغيرات التي حدثت في طبيعة القصيدة العربية وتطورها في تلك الحقبة المحصورة بين الجاهلية والدولة الاموية لقد جاءت مباحث المعري النقدية بمواصفات واراء لرواة ولغويين ونقاد مثل الفراهيدي وسيبويه

ومفهوم المعري النقدي ووعيه وحضوره وهو يميز بين النقد والانتقاد وقد كان يعلق على القصائد بابيات فهو لا يفتأ يذكر بعض مصطلحات البلاغة ليعلق عليها اذ يشير الى الجناس الموجود في بيت الشماخ

وما اروئ وان كرمت علينا   بادنى من موقفه حروف

تطيق بها الرماة وتتقيهم       بأوعال معطفة القرون

بقوله قوله الشماخ وما اروى من قال يأ دفئ من موقفه يعني بالموقفة واحده الاروئ فكانه قال وما اروى بادنى من واحده الاروئ فهذا تجنيس في المعنى (!)

مما يعني ان المعري يقدم تصورا للنقد خلاصة انه اختيار الشعر وفحصه واظهار الجوانب المختلفة فيه واقامه حوار بين الناقد والشاعر مما يعني ان يكون الناقد ملما وواعيا ومدركا لطبيعة الشعر وفاهما لمدارك الشاعر وطلاسمه في قصيدة ويؤكد المعري على ان يكون الناقد للشاعر مختصا ليحق له الحكم والفصل في قضايا الشعر.

(رسائل ابي العلاء المعري ص 76)

لقد تحدث المعري عن الناقد الصيرفي الذي يحسن التعامل مع الشعر لتخصصه بتخصص الصيرفي بمعرفة النقود وانواعها , ويرجح ان يكون الناقد الشخصي وشاعريته وتنمية ملكه الذوق الفني لديه مع ان انحسار الذوق في الراي جاء متاخرا ما بعد ابو العلاء المعري

لقد اعتمد المعري في نقده انه كان يتحرى امور معينة يريد منها ان تكون منهجا لهذا النقد وعدم الشرع في احذر الاحكام اضافه الى الموضوعية التي بينهما في الفصل بين قصيدتين او شاعرين , ان مصادر المعري النقدية المتنوعة وذوقه المرهف ساعد على تكوين مفهوم نقدي يعتمد الخبرة والاطلاع الواسع مع الشعر العربي وهيأ له ادوات نقدية مما اهله ان يستطع ان يحكم ويتصل في قضايا الشعر بموضوعية متناهيه واوجد توافقا منسقا بين نظرياته وتطبقات العملية على الشعر

في الرواية المجردة

يورد المعري ابياتا من الشعر كثيرة وردت بعض كلماتها بروايات مختلفة ويثبت هذا الاختلاف وبنسبة احيانا الى رواية بعينه ويوضح موقفه وتفضيله رواية على اخرى

وعن صلة الرواية بالنقد الادبي لدى المعري فقد يورد الروايات المختلفة حول بيت واحد وترجيحه واحده من الروايات دون ابداء سبب لهذا الترجيح مما يعد هذا الترجيح حكما نقديا يظهر به المعري موقفه في الروايات المختلفة بمعنى رد لبقية الروايات.

كما ان للمعري موقف من الرواية وترجيحها وتعليل الترجيح وقد ثبت اراء مختلفة في شعراء مثل ابي تمام وللبحتري

النقد اللغوي

وللمعري موقف جلي من النقد اللغوي وتعريفه بأعتبار أن القصيدة ليست سوى بنية لغوية اذا ما اعتبر ان النقد اللغوي هو القدرةعلى تلمس مواطن الصواب الخطا او الجمال او القبح في النص الادبي سواء في لفظه مفرده ام التركيب العلمي ومن كتب المعري بهذا المضمار رساله الملائكه التي تعتبر كتابا في الصرف وشرح كتاب سيبويه وتفسير امثله سيبويه وغريبها كما للمعري مواقف عن دفاعه عن الشعر والشاعر وكشف خطا الشاعر اللغوي وحماسيه الشاعر وقد تصدئ المعري للدفاع عن البحتري ليرد عنه الخطا الذي ورد في عدد من ابياته فهو يعلق على بيته التالي بقوله

ومن اجل طيفك عاد مظلم ليله          اهوى اليه من بياض نهاره

قوله اهوي اليه كلمة غير مستعملة ويجوز ان يكون ابو عبادة سمعها في شعر او قاسها على قولهم هو احب اليه من غيره كما قارب المعري الضرورة الشعرية وهل ينبغي على الشاعر ان لا يقترب في هذا المجال للضرورات الشعرية ام ان طبيعة القصيده وغرضها يدفعه للاندماج بالضرورة

وفي عروض الشعر وميزاته وهي من اصعب ادوات النقد الادبي للقصيده الشعرية

ويذكر التاريخ ان للمعري كتبا في العروض والقوافي اذ يفسر اللفظي الى كتابه جامع الاوزان الخمسة

كما اراء ثابته في بحور الشعر وما يعتريها من زيادة ونقصان وترصاف وهي من اهم مباحث النقد العروضي

وقد مثل المعري اعمال عزيز الدولة بالدوائر الخمسة التي تجمع اوزان الشعر

الخاتمة

ترجم الكثير من المختصين لابي العلاء المعري وكان جل اهتمامهم حياته وشعره وفلسفته وزهده اما ما جاء في بحثنا هذا (نقد المعري)فقد اشار كثيرون ايضا لنقده اللغوي والعروضي وتعريفه للشعر ورايه في الرجز وشياطين الشعراء كما تحدثوا عن النقد في رسالة الغفران وهناك من اهتم بتعقب المعري للشعراء عروضيا ولغويا

لقد تمكن المعري من مسك مفردات وادوات النقد الادبي في كل مجال يحكم تجربته وريادته وذوقه الادبي اضافه لكونه شاعرا وفيلسوفا وقد انعكس ايجابا هذا التوصيف على وضعه كناقد مستقل ومدرسة نقدية مختلفه عما سبقه من محاولات نقدية لبعض الشعراء في عصور متفاوته , وقد اتهم المعري بالتعصب للمتنبي في حين ان المعري يدرك مكامن وافاق شعر المتنبي .

يعد المعري على ضوء ما تقدم ناقدا مميزا بحكم المقايسس التي اعتمدها ولجأ اليها في مقاربة اشتغالات الاخرين سيما الشعراء منهم كما يحسب للمعري تعاطيه مع تطور القصيده العربية وابداء اراء متزنة في كل العصور التي عاصرها او التي سبقت لقد كان متاملا لكل قصيده ودرس بامعان تجارب الاخرين وشعرهم واسالبيهم ان عملية المقارنة بحد ذاتها استقراء لغوي واع لان الاستقراء يعطي الفرصة المواتيه لرصد الظواهر في شعر الشاعر واستخدام الشعراء لمفردات دون غيرها بمعنى تفكيك شفرات القصيدة وما وراء النص الشعري كما يشهد له انه حياديا في اراءه وقد انعكس وعيه وثقافته في رؤيته النقدية التي تتدارس الاجيال بدء من طه حسين ومحمد سليم الجندي  وامجد الطرابلسي وما تبعهم من نقاد.

مشاركة