مدرسة الصوم الرمضانية.. العراق إنموذجاً – عبد الستار رمضان

262

مدرسة الصوم الرمضانية.. العراق إنموذجاً – عبد الستار رمضان

الصيام ليس امتناعا عن الطعام والشراب وتبادل الادعية والمأثورات، بل هو مدرسة تحرم الظلم والقتل والكذب والسرقة والتجاوز على اموال وحقوق الناس، وعلى امتداد الكرة الارضية التي يسكن فيها ولو شخص واحد، يجد نفسه طالبا فيها ملتزما بقوانينها واوقاتها ومجتهدا الكمال في آدابها وخيراتها. مدرسة الصوم التي تهل علينا كل عام في شهر رمضان والذي هو شهر واحد من اشهر العام الا انه ليس كبقية الشهور حيث ينضبط الملايين من الناس من مختلف الثقافات والبلدان والقوميات في موعد واحد للامساك والفطور بعد يوم طويل من الصوم والامتناع عن الطعام والشراب في موعد يتوافق مع الطبيعة وغروب الشمس حسب كل بلد مدرسة الصوم الكل فيها طلاب للرحمة زهَاد بماديات الحياة.. عيونهم وافئدتهم تعيش في عالم آخر آملين ومتوسلين ربهم بالدعاء والصلاة والتراويح وقيام الليل بما يتمنونه من دعاء وامنيات، بعد تركهم كل ملذاتهم وحاجاتهم اليومية في اعظم عبادة ليس لشئ الا لوجه الله وطلب الرحمة والغفران. شهر رمضان هذا الشهر الفضيل الذي يدعو الى البذل والعطاء ومحاربة الظلم ونشر التعاون، هو شهر افعال وليس اقوال وهو مدرسة عملية للصبر ومجاهدة النفس والصوم عن ملذاتها من الطعام والشراب والغريزة، تزداد الاوقات فيه اتساعاً لتمتد الى حياة متجددة في الليل من صلاة تراويح وقيام وتهجد وزيارات وصلة ارحام وكل ما يجعل الانسان قريبا من اخيه الانسان، حيث يتساوى الجميع الغني والفقير والحاكم والمحكوم والكبير والصغير في الشعور الانساني بالجوع والعطش والجهد والمشقة التي تتحول الى حلاوة الايمان عندما يردد الجميع بقلب وصوت واحد (الحمد لله رب العالمين) وهي اول سور القرآن الكريم حيث يرددها المسلمون في صلواتهم …رب العالمين الذي خلق الناس جميعا. في العراق مدرسة الصوم الرمضانية لها طلاب ومناهج ودروس ربما تختلف عن بقية مناطق العالم، فهذا البلد رغم كل الازمات والمصائب التي حلت به وباهله فان صور الخير والكرم والعطاء ما زالت تلون وتنقل صوره الاخبار ومواقع التواصل الاجتماعي عن مواقف ومكارم قام بها اناس عاديون يرفضون التصريح والتصوير لاعمالهم التي تستحق الاشادة والاعلان، فمن كوردستان الى كل ركن وجزء من العراق تتزاحم صور الخير والعطاء، في زاخو قام احد الاشخاص بتهئية الفطور لاكثر من 200 مئتي من النازحين والفقراء وعلى حسابه الخاص من دون الكشف عن هويته واسمه، وفي الفلوجة شباب بعمر الورود جمعوا يومياتهم ومدخراتهم البسيطة واشتروا الماء والتمر ليقدموها الى السواق والاشخاص الذين يصادف مرورهم بمدينتهم وقت الفطور، وفي اربيل قام احد الاشخاص بتقديم الفطور لاكثر من 800 ثمان مئة طالب في الاقسام الداخلية وكذلك في كركوك تم تقديم الفطورلطلبة الاقسام الداخلية، كما نقل الينا اكثر من مصدر في اربيل والسليمانية قيام اشخاص بتقديم مبلغ 25 خمسة وعشرين الف دينار  للعمال الذين يقفون على الخط السريع 100 متر حيث مجموعات من العمال ينتظرون العمل باي مبلغ،  فقدم اليهم يومياتهم مشترطا عدم التصوير والسؤال عنه، فكان منظر فرحة العمال واغلبهم كما يطلق عليهم بالعامية (عمَالة) من النازحين العرب وكورد الموصل وتركمان تلعفر وهم يعودون الى بيوتهم و مخيمات نزوحهم بيومية العمل. هذه هي مدرسة الصوم الرمضانية العراقية التي لا مثيل لها والتي سبقتها اخبار سيدة عراقية فاضلة تقوم ومنذ عدة اشهر بطبخ الرز والفاصوليا واحياناالدولمة وقناني الماء البارد وفي سيارتها الخاصة تبحث عن تجمعات العمال وتقدم لهم الطعام مجانا مع كلمات ابني واخويا تفضل…

هذا هو العراق عراق الطيبين والفقراء والعمال المساكين الذين ينتظرون ساعات وربما اياماً ولا يستطيعون الظفر بعمل،وهو ايضا عراق المسؤولين والاحزاب والميليشيات والموارد الهائلة والارقام الفلكية التي اعلنها مكتب رئيس الوزراء عن رواتب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب ونوابهم والوزراء والنواب واعضاء مجالس المحافظات والهيئات والمؤسسات ورواتب المتقاعدين السياسيين  الوهمية والمليونية ومصاريف المنصب وحماياتهم ومكاتبهم ونثرياتهم وتكاليف عملياتهم الجراحية والتجميلية وتصليح اسنانهم التي تلمع بابتسامة هوليود العراقية.

أربيل

مشاركة