مخاوف في تركيا بشأن ترميم المعالم التراثية

401

اسطنبول‭- (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تثير‭ ‬عمليات‭ ‬ترميم‭ ‬المعالم‭ ‬التراثية‭ ‬الثقافية‭ ‬جدلا‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬حيث‭ ‬تنجَز‭ ‬أعمال‭ ‬على‭ ‬عجالة‭ ‬وتشوَّه‭ ‬معالم‭ ‬تاريخية‭ ‬أو‭ ‬تلحَق‭ ‬بها‭ ‬أضراراً،‭ ‬وينسب‭ ‬خبراء‭ ‬هذه‭ ‬الإخفاقات‭ ‬إلى‭ ‬محسوبيات‭ ‬تغذّي‭ ‬تهافتا‭ ‬على‭ ‬الأرباح‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وإلى‭ ‬اعتبارات‭ ‬عقيدية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

ويشكّل‭ ‬برج‭ ‬غلاطة،‭ ‬المعلم‭ ‬الشهير‭ ‬في‭ ‬إسطنبول‭ ‬المشيّد‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬عشر،‭ ‬أحدث‭ ‬فصل‭ ‬من‭ ‬فصول‭ ‬الجدل‭ ‬المحتدم‭ ‬بشأن‭ ‬ترميم‭ ‬العمارات‭ ‬الأثرية‭ ‬في‭ ‬تركيا‭. ‬وقد‭ ‬أوقف‭ ‬هدم‭ ‬أحد‭ ‬جدرانه‭ ‬بالثقّابة‭ ‬الضغطية‭ ‬في‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الأخيرة‭ ‬إثر‭ ‬تداول‭ ‬تسجيل‭ ‬لهذا‭ ‬المشهد‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أثار‭ ‬استنكارا‭ ‬شديدا‭.‬

وحاول‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭ ‬نوري‭ ‬أرصوري‭ ‬إخماد‭ ‬الجدل،‭ ‬مع‭ ‬تأكيده‭ ‬أن‭ ‬الأشغال‭ ‬بهذه‭ ‬الآلة‭ ‬أجريت‭ ‬على‭ ‬جدران‭ “‬ليست‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬العمارة‭ ‬الأساسية‭”‬،‭ ‬متعهّدا‭ ‬اتّخاذ‭ ‬عقوبات‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬المسؤولين‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الورشة‭.‬

لكن‭ ‬المسألة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬البرج،‭ ‬فالمعالم‭ ‬التي‭ ‬أسيء‭ ‬ترميمها‭ ‬ازدادت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ومنها‭ ‬مثلاً‭ ‬فسيفساء‭ ‬رومانية‭ ‬تضرّرت‭ ‬جرّاء‭ ‬أعمال‭ ‬أجريت‭ ‬على‭ ‬عجل،‭ ‬ومدرّج‭ ‬روماني‭ ‬صُبّ‭ ‬إسمنت‭ ‬في‭ ‬وسطه،‭ ‬وقلاع‭ ‬تاريخية‭ ‬باتت‭ ‬تبدو‭ ‬حديثة‭ ‬الملامح‭.‬

ويرى‭ ‬عثمان‭ ‬كوكر،‭ ‬صاحب‭ ‬معرض‭ “‬برزمانلار‭” ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬التنوّع‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬أن‭ “‬المحاولات‭ ‬الفظّة‭” ‬لطمس‭ ‬آثار‭ ‬الأقليات‭ ‬غير‭ ‬المسلمة‭ ‬في‭ ‬العمارات‭ ‬القديمة‭ ‬لطالما‭ ‬كانت‭ ‬قائمة‭ ‬في‭ ‬تركيا‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬كان‭ ‬أفضل‭ ‬حالا‭ ‬بكثير‭ ‬في‭ ‬فجر‭ ‬الألفية‭ ‬الجديدة‭ ‬وبداية‭ ‬حكم‭ ‬رجب‭ ‬طيّب‭ ‬إردوغان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬رئيسا‭ ‬للوزراء‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الوقت‭.‬

ويكشف‭ ‬كوكر‭ ‬أن‭ “‬ترميم‭ ‬المعالم‭ ‬التي‭ ‬تختزن‭ ‬رمزية‭ ‬كبيرة‭ ‬اكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬قصوى‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المساعي‭ ‬المبذولة‭ ‬للانضمام‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭”. ‬ففي‭ ‬العام‭ ‬2011،‭ ‬لقي‭ ‬ترميم‭ ‬كنيسة‭ ‬أكدمار‭ ‬الأرمنية‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬تركيا‭ ‬تنويها‭ ‬كبيرا‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬فتور‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬أنقرة‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬وتشدّد‭ ‬إردوغان‭ ‬في‭ ‬نهجه‭ ‬المحافظ‭ ‬غيّرا‭ ‬المعادلة،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬كرهان‭ ‬غوموس‭ ‬المهندس‭ ‬المتخصّص‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬التراث‭.‬

ويوضح‭ ‬الأخير‭ ‬أن‭ “‬مناقصات‭ ‬الترميم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تمنح‭ ‬سوى‭ ‬لمجموعات‭ ‬محسوبة‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬احتكرت‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬وهي‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورش‭ ‬سبيلا‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأرباح‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأوّل‭”.‬

ويعزو‭ ‬المهندس‭ ‬هذا‭ ‬الانحراف‭ ‬إلى‭ “‬نظام‭ ‬يدير‭ ‬ورش‭ ‬الترميم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استدراج‭ ‬العروض‭ ‬لا‭ ‬غير،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التاريخية‭ ‬والبيئية‭” ‬ويستطرد‭ ‬قائلا‭ “‬نكتفي‭ ‬بترميم‭ ‬شكلها‭ ‬الأصلي،‭ ‬ما‭ ‬يعطي‭ ‬نتائج‭ ‬كاريكاتورية‭. ‬وهذه‭ ‬المعالم‭ ‬تتضمّن‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬أجزاء‭ ‬أضيفت‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬العقود‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬حضارات‭ ‬مختلفة‭ ‬ينبغي‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليها‭”.‬ولم‭ ‬تعلّق‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الانتقادات‭ ‬في‭ ‬اتصال‭ ‬من‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭. ‬كان‭ ‬مدير‭ ‬قسم‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬بلدية‭ ‬إسطنبول‭ ‬مهير‭ ‬بولات‭ ‬المبادر‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬دقّ‭ ‬ناقوس‭ ‬الخطر‭ ‬بشأن‭ ‬هدم‭ ‬أحد‭ ‬جدران‭ ‬برج‭ ‬غلاطة‭.‬

وتقدّمت‭ ‬البلدية‭ ‬التي‭ ‬يأتي‭ ‬رئيسها‭ ‬من‭ ‬صفوف‭ ‬المعارضة‭ ‬بشكوى،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬طلب‭ ‬بولات‭ ‬معاينة‭ ‬الموقع‭ ‬رُفض‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬تدير‭ ‬الورشة‭.‬

ويقول‭ ‬بولات‭ “‬عندما‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬الترميم‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مجرّد‭ ‬ورشة‭ ‬صيانة،‭ ‬نغفل‭ ‬أهمية‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الطابع‭ ‬الأصلي‭”.‬

وما‭ ‬يزيد‭ ‬الطين‭ ‬بلّة‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬هو‭ ‬بعض‭ “‬القرارات‭ ‬الاعتباطية‭” ‬التي‭ ‬تقيّد‭ ‬عمل‭ ‬الهيئات‭ ‬المعنية‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث‭.‬

وهو‭ ‬يقرّ‭ ‬مثلا‭ ‬بأنه‭ ‬اكتشف‭ ‬في‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬أن‭ ‬نافورة‭ ‬في‭ ‬أسكودار،‭ ‬في‭ ‬الشقّ‭ ‬الآسيوي‭ ‬من‭ ‬إسطنبول،‭ ‬اختفت‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬أعمال‭ ‬توسعة‭ ‬طريق‭.‬

وقد‭ ‬قرّرت‭ ‬بلدية‭ ‬المنطقة‭ ‬الموالية‭ ‬للحزب‭ ‬الحاكم‭ ‬أن‭ “‬تنقل‭” ‬النافورة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الاستحصال‭ ‬على‭ ‬الرخص‭ ‬اللازمة،‭ ‬بحسب‭ ‬بولات‭ ‬الذي‭ ‬يشدّد‭ ‬على‭ ‬أن‭ “‬القيمة‭ ‬التاريخية‭ ‬للمعلم‭ ‬لا‭ ‬تتجلّى‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يقع‭ ‬فيه‭. ‬ولا‭ ‬يمكنكم‭ ‬نقله‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬مجرّد‭ ‬قطعة‭ ‬عادية‭”.‬

ويلاحظ‭ ‬أن‭ “‬اية‭ ‬أنباء‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬النافورة‭ ‬لم‭ ‬ترِد‭ ‬مذاك‭”.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الباحثة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بيتسبرغ‭ ‬توغبا‭ ‬تانييري‭ ‬إردمير،‭ ‬تسعى‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ “‬إخضاع‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬لمشيئتها‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليه‭”‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬الأمر‭ ‬تجلّى‭ ‬للعيان‭ ‬مع‭ ‬قرار‭ ‬تحويل‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬كاتدرائية‭ ‬آيا‭ ‬صوفيا‭ ‬وكنيسة‭ ‬خورا‭” ‬إلى‭ ‬مسجد‭.‬

وقد‭ ‬أثار‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬القلق‭ ‬بشأن‭ ‬مصير‭ ‬قطع‭ ‬الفسيفساء‭ ‬البيزنطية‭ ‬في‭ ‬الموقعين‭.‬

ويلفت‭ ‬بولات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬ذاكرة‭ ‬مدينة‭ ‬ما‭ ‬ترتبط‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا‭ ‬بموقعها‭… ‬وآمل‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬يوما‭ ‬أن‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ ‬كنزا‭”.‬

مشاركة