“محور المقاومة” يواجه تهديدا وجوديا

 

بيروت (لبنان)  (أ ف ب) – شكّل ما يسمى “محور المقاومة” لسنوات، ركيزة أساسية لنفوذ إيران في الشرق الأوسط، بما ضمّه من حلفاء لها من العراق الى سوريا واليمن ولبنان، غير أنّ هذا المحور تلقى ضربات قاسية في العامين الأخيرين وتفكّك الى حدّ كبير، ما يهدد بتغيير جذري في موازين القوى في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

بني هذا المحور على مدى سنوات، ليكون أداة ردع ونفوذ إقليمي لطهران في مواجهة إسرائيل، لكن منذ اندلاع الحرب في غزة في 2023، اهتزت أركانه وبات اليوم “مُدمرا” عمليا، بحسب ما يرى المحلل في مركز “أتلانتيك كاونسل” نيكولاس بلانفورد.

وتعهد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو بعد يومين من هجوم حركة حماس الفلسطينية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بردّ “سوف يغير الشرق الأوسط”.

مدعوما من حليفته واشنطن، لم يقتصر هدفه على القضاء على الحركة الإسلامية الفلسطينية المدعومة من طهران، بل وسّعه ليشمل كلّ حلفاء إيران التي كانت تفاخر بنفوذها، قبل عشر سنوات فقط، في أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

وبعد إضعاف حزب الله، الذي خسر جزءا كبيرا من ترسانته وقيادته في المواجهة مع اسرائيل التي انتهت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، مهّد سقوط حكم بشار الأسد في سوريا لاستهداف مركز ثقل هذا التحالف: طهران.

وشنّت الولايات المتحدة واسرائيل منذ السبت هجوما كبيرا على إيران، قضت فيه على المرشد الأعلى علي خامنئي.

ويشرح الباحث في “تشاتام هاوس” للابحاث ريناد منصور أن معظم أطراف “محور المقاومة”، من حزب الله والحوثيين في اليمن والفصائل الشيعية العراقية، “باتوا اليوم في مرحلة الحفاظ على وجودهم”.

– “ضرر فعلي” –

باختياره الانخراط في الحرب، عرّض حزب الله الذي هاجم اسرائيل الاثنين، نفسه لردّ قاس وغير متناسب. ومنذ يومين، يواصل الجيش الإسرائيلي قصف معاقله في جنوب لبنان وشرقه وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، وتقدّم داخل الأراضي اللبنانية لإقامة منطقة عازلة.

ويرى بلانفورد الذي له كتاب عن حزب الله أن أمينه العام نعيم قاسم “لم يكن يرغب بالدخول في هذا النزاع” ليحافظ على الحزب وأنه “قد يكون أُرغم” من قبل إيران.

في العراق، الذي شكّل لعقود ساحة مواجهة غير مباشرة بين واشنطن وطهران، أعلنت فصائل مسلّحة مدعومة من إيران مسؤوليتها عن عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة ضد قواعد أميركية. لكن العديد من هذه المسيّرات جرى إسقاطها.

ويشرح ريناد منصور أن العديد من تلك الفصائل التي انخرطت في الصراع في العراق “لا تملك القدرات العسكرية اللازمة لإحداث ضرر فعلي”، موضحا أن الفصائل الأبرز في البلاد باتت اليوم “مرتبطة بشكل وثيق بالدولة” وأكثر حذرا في ما تقدم عليه.

أما الحوثيون في اليمن، المدعومون من ايران، فلم يقدموا حتى الآن سوى الدعم الكلامي لإيران. ويشرح كبير الباحثين في مجموعة الأزمات الدولية المختص بالشأن اليمني أحمد ناجي أن “الحوثيين يتبنون موقف انتظار محسوب، أو ربما نهجا دفاعيا”.

لكنه يرى في الوقت نفسه أن “الخطر الوجودي” الذي يواجهه المحور “لا يعني بالضرورة أنه سيتفكك”.

ويضيف أن “هذه الشبكة تعمل على مستوى يتجاوز الإطار العسكري البحت، إذ إن روابطها السياسية والاجتماعية والدينية لا تزال متجذّرة بعمق” داخل المجتمعات المحلية.

– “تجنب تصعيد” –

في حين قد تحدد هذه الحرب ملامح التحولات الاقليمية، لا سيما بالنسبة لإيران، فان آثارها بالنسبة لدول الخليج باتت ملموسة.

وطالت الصواريخ والمسيرات الايرانية كلا من قطر والسعودية والامارات والبحرين والكويت وسلطنة عمان، متسببة بحالة ذعر وبسقوط ضحايا، رغم أن هذه الدول لم تشن هجمات ضد ايران.

يرى المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، ومقرّه الدوحة، خالد الجابر، أن إطالة أمد النزاع قد تشكل “نقطة تحوّل حقيقية بالنسبة إلى الخليج… تعيد تعريف الطريقة التي تنظر بها الدول إلى الأمن والتحالفات وحتى إلى مستقبلها الاقتصادي على المدى الطويل”.

وترى المتخصّصة في شؤون دول الخليج لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية كاميي لون أنه “في نهاية المطاف”، تخسر دول الخليج من جهتين: “فالتصعيد مع إيران يظهر أن التقارب الدبلوماسي لم يكن كافيا، وأن كل الاستثمار في الأمن مع الولايات المتحدة لم يحمها”.

أما الدول التي كانت قد طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، مثل الإمارات العربية المتحدة، فقد وجدت نفسها في الخطوط الأولى للرد الايراني.

وتضيف أنّ “تساؤلات كبيرة لا تزال قائمة حول قدرتها على التأثير في سياسة واشنطن، فمنذ أشهر وهي تحاول تجنّب تصعيد إقليمي، لكن ترامب لا يصغي إليها”.

وتعتبر أنه رغم الاستثمارات الباهظة في المعدات العسكرية الأميركية، فإن “عددا قليلا” من دول الخليج يملك القدرة على الدفاع عن النفس، لافتة أيضا الى أنها تفتقر إلى مقاربة أمنية مشتركة، و”لا تتوافر أمامها خيارات كثيرة”.